عام عودة النقد الأدبي

الخميس 2015/12/24
الثقافة تنزوي أمام فعل السياسة المتوحش وتتوارى

2015، عام داعش، عام الحروب واللاجئين، حيث غياب التحقق والالتزام والشجاعة، عام تكرّس فيه كون الإعلام ذراعا سياسية، وظيفته الوحيدة التأثير لا التأثر؛ صُحفي ينقل حدثا بتأويل مضمّن مقتضب، بعده، يؤكد عليه خبير بإسهاب وتوسّع، هكذا، فتتحرك بقية تروس الثقافة حول وحَسَب المحور المدعوم بالآلة المالية والعسكرية المُمهَّدةِ مُسبقا بأيديولوجيا ضاغطة/ راسخة في المجتمع، تستيقظ كلما شاء لها السياسيون ذلك، ولأن الثقافة سؤال إنساني دائم والسياسة حقيقة انتهازية مؤقتة، السؤالُ قلِقٌ والحقيقةُ مطمئنةٌ، تنزوي الثقافة أمام فعل السياسة المتوحش، وتتوارى.

المسرح، لا جديد فيه -إلا ما ندر من تجارب غير لافتة- مازال يتقافز على خشبة الحياة، متأرجحا حول هذا العمود، متدليا من هذه العارضة، مازال يهرش ظهره وأسفل بطنه، يكشر، يبتسم، بشكل غير إرادي، خارج حدود الوعي بالحياة.

الشعر، عاد إلى سطح المشهد الثقافي في السنوات الأخيرة منتهزا اللحظة الحديثة: فيسبوك، تويتر وإنستغرام، متمسكا بتراثيته شكلا أو مضمونا، وفي هذا العام أكد المتلقي شغفه بالماضي، البعيد منه والقريب، ولكون الحياة ممتلئة بالموت والغربة والحزن، فالاستشهادات كان أغلبها من نصيب الجواهري ومظفر، درويش ونزار، ليس حنينا إلى الماضي، بقدر ما هو إعادة تأكيد على أن الحقائق لا تُسمى حقائق إلا إذا كانت من صناعة الماضي.

الرواية، الغابة المتشابكة من الشخوص والأحداث، فصل تلوَ فصل، رواية بعد رواية، كومة من كل شيء لا يقوى الرقيب على رصدها إلا بلمز من أحدهم، ولا الناقد على رصد موضوعاتها إلا بإشارة من مسابقة، خلف كثافة أغصانها يختبئ الكاتب، وتختبئ معه الأقوال، كل ما يجب أن يقال وما لا يجب، بذلك أصبحت الرواية ملاذا آمنا للأفكار بعد أن عانت من تغييب الشعر لها خلف حُجبِ الرمزية والصورة المركبة.

ارتفعت أسهم الرواية، تعددت مسابقاتها، جوائزها، تضخمت أعدادها لحاقا بتكاثف مقروئيتها، أصبحت الوجه الحديث للثقافة العربية. بعد غياب النقد عن الساحة، احتلت الجوائز القيمة النقدية بالإضافة إلى قيمتها التسويقية ثقافيا، كما أنه من خلالها ومن خلال قوائمها أمكننا التمييز بين أهم الموضوعات التي تشغل الرواة والتي يَفترض فيها (الراوي) أنها قابلة للمشاركة مع جمهور القراء، أو، إمكانية تشكيل همّ جديد في وجدان القارئ.

البوكر، في قائمتها القصيرة، سلطت الضوء على مجموعة من الروايات، ويكشف الرصد السطحي للموضوعات أن الرواية تتغلغل في كل شيء، من الوجداني حتى السياسي، الموضوعات متشعبة دون مركز مشترك، فالمنطلقات والمبادئ متعددة بتعدد الرواة أنفسهم.

يُحسب لها (الرواية) أنها مازالت تحاول عبر المشاركة والتشكيل نفض المسكوت عنه وتحريك الأحجار الثابتة، بالطبع، ضمن لعبة ذات قواعد ومحددات متعددة مع الرقيب: السلطة والمجتمع، ويُعاب عليها أنها لم تستطع خلال هذا العام ولا سابقيه أن تشرخ لنا موقفا ثقافيا/ فكريا واضحا نتقدم من خلاله خطوة إلى الأمام.

فكريا، المجال الذي لا يتحرك، بل يقفز، لم تخرج المسائل فيه عن الحرية السياسية للطهطاوي، التراث والتجديد لحنفي، وضعية زكي نجيب محمود، وجودية بدوي، الخطاب الاستعماري لسعيد، تفكيكية أركون،الحداثة العربية لشرابي والحداد، أطروحات مازالت تُقلَّب وتعاد قراءاتها بين حين وآخر، فلم “أصادف” منحوتات فكرية حديثة خاصة بهذا العام، رغم حاجتنا إليها.

كاتب من السعودية

15