عام لا يكفي لدفن شجرة

الخميس 2017/10/26

كانت لديّ شجرة أمام باب بيتي من ذلك النوع الذي يمكن تشذيبه على أشكال حيوانات أو ورود أو أي شيء، ويستعمل غالبا كحواجز وجدران نباتية، نظرا لقدرة أغصانه على التداخل والتشابك مع بعضها. وهي شجرة غريبة جدا، شوكية إلى حد كبير، تقريبا لا يمكن لمسها باليد المجردة (سميتها الكلبة في بعض قصائدي).

منذ سنة نمت فروعها وامتدت إلى الطريق حتى أصبحت تمسك بملابس كل من يمر من أمامها، كنت أسمع وأنا داخل البيت أو وأنا أنظر من الزجاج إلى الخارج، عبارات التذمر والشكوى من الجيران، وهم يحاولون فك ملابسهم من بين أسنانها، فقررت قص الفروع المتطاولة مهما كلفني الأمر. قطعت الأغصان بعد أن تركت الشجرة في يدي ووجهي وذراعي خدوشا متفاوتة الحجم والعمق، سحبت الفروع المقطوعة إلى داخل البيت ومنه إلى الحديقة الخلفية وألقيت بها فوق العشب في انتظار أن تجف فيسهل قصها ووضعها في أكياس ورميها مع القمامة، إلا أن ما حصل بعد ذلك يشبه فيلم رعب: لم تجف الأغصان، ولم يذهب شوكها، ولم تتقصف أو تتكسر، ولم تفقد حجمها أو تضمر أو يقلّ تطاولها، ظلت قوية حية متشابكة بحيث لا يمكن سحب فرع من الآخر أو الاقتراب منها، فإذا أفلحتُ في مسك واحد منها وحاولت كسره التوى في يدي يمينا ويسارا دون أن يتكسر.

فقدت صبري أخيرا، وأنا أستعد للاحتفال بعيد ميلاد ابني في الحديقة التي تحتل جثة الشجرة ربع مساحتها تقريبا، فكرت في أن أحرقها، وبدأت بالتنفيذ فعلا، ثم تراجعت مخافة أن يتصل الجيران بالشرطة معتقدين أن في بيتي حريقا، في النهاية كومت الأغصان في عربة ووضعت ألواحا وبقايا أثاث قديم فوقها ودفعت بها إلى ركن في كوخ الحديقة، آملة أن تجف هناك في صمت وبعيدا عن الأعين.

مر وقت طويل قبل أن أتذكرها، وفي أحد الأيام أخرجت العربة وكدت أقع على الأرض من الدهشة وأنا أجد الفروع كما تركتها تقريبا، متشابكة صلبة.

تحول موضوع الشجرة إلى كابوس حقيقي، فاستعنت بصديق وتعاونّا وجررناها إلى الخارج ووضعناها في الصندوق الخلفي للسيارة، وهي تملأ ممر البيت بخدوشها والرصيف بضجيجها المرعب، حتى خفنا أن ينتبه الجيران فيستغربون ما نحن بصدد فعله. قدنا السيارة باتجاه غابة قريبة في وقت متأخر، ورمينا الأغصان فوق أعشاب الغابة في مكان قريب من الطريق العام، ونحن نرتجف من الخوف، وعدنا الى البيت ونحن نلتفت إلى الخلف. بقيت بعد هذه الحادثة أسبوعا كاملا وأنا اتخيل سيناريوهات مرعبة، غير مصدقة أنني تخلصت أخيرا من الشجرة الكابوسية.

يحظر في هذه البلاد رمي الأغصان في الشارع، وتصعب الاستعانة بخدمات رفع القمامة والنفايات النباتية إذا كان طول الأغصان يتجاوز 150 سنتيمترا، كما يحظر بالطبع رميها في الغابة، وبسبب كل هذه الممنوعات فإن قتل شجرة لا يختلف كثيرا عن قتل روح بشرية.

كاتبة من تونس

21