عام من السقوط الإخواني: الحلول الأمنية لا تكفي

الاثنين 2014/06/30

بعد عام على إسقاط الحاكم الإخواني وجماعته وحلفائه من جماعات وتنظيمات الإسلامي السياسي، لا تزال الحلول الأمنية تسيطر على المواجهة التي تكبدت فيها القوات المسلحة وقوات الشرطة عددا كبيرا من الخسائر في الأرواح والممتلكات، فضلا عن خسائر الشعب المصري الممثلة في ضرب القطاعات الحيوية التي تشكل أحد أبرز مصادر دخله وفي مقدمتها قطاع السياحة وقطاع الاستثمار.

لا تزال الحلول الأمنية تعمل وحدها في مواجهة هذه الفصائل الإرهابية، تقاتل في دهاليز وسراديب أشبه بالمتاهة، حيث المتعاطفون والمتواطئون والعملاء والكارهون والخلايا النائمة يعملون بإصرار بين مختلف شرائح المجتمع المصري، فيما تعيش النخب في الأحزاب وجمعيات المجتمع المدني والمؤسسات الثقافية والدينية والإعلامية تخبطا واضحا في الرؤية والخطاب وانقساما وصراعا وتفككا، وتنشغل بمصالحها الخاصة والذاتية وعلاقاتها بحثا عن قطعة في «التورتة»، غير مدركة أن في ذلك خطرا على استكمال ثورتي 25 يناير و30 يونيو، وخطرا على البلاد والعباد، وأن هذا الخطر يتمثل الآن في استمرارية العمليات الإرهابية القذرة للجماعة الإخوانية وحلفائها.

يقول المصريون في أمثالهم الشعبية وحكمهم المأثورة «يد واحدة لا تصفق»، و”القفة اللي ليها ودنين يشلوها إتنين”، ولن تستطيع الحلول الأمنية للجيش والشرطة المصريين حمل عبء التخلص من هؤلاء الإرهابيين المتطرفين وأفكارهم التكفيرية والجهادية، دون أن تكون هناك مقاومة شعبية تساندهما، وتدعمهما وتقف خلفهما في كل مكان على أرض مصر، في الشارع والبيت والمقهى والنادي إلخ، ليس بالتظاهرات والهتافات ورفع اللافتات والصور في الميادين، ولكن بأفكار تسمح للمواطن العادي مقاومة الأفكار التكفيرية ورفضها.

هذه المقاومة التي ينبغي أن يتأهل بها المواطن والمجتمع ليشكل مقاومة شعبية، لن تكون إلا بنخب وأحزاب ومؤسسات دينية وثقافية وإعلامية مستنيرة تعلو لديها مصالح الوطن ومستقبله على أي مصالح شخصية وذاتية زائفة ومزيفة، نخب تلتحم بالمجتمع وتتفاعل مع قضاياه وتحاور أفراده وتتناقش معهم وتنتشلهم من أوحال الأفكار الضالة والمضللة وتضعهم على الطريق الصواب.

أما أن تستمر هذه النخب منكفئة على مصالحها داخل دوائرها الضيقة وجزرها المنعزلة والمتناثرة، تنتج خطابات ضحلة في أفكارها ومتهرئة في رؤيتها، وترقص وتتعرى في قطيع الطبل والزمر والهتاف، فلن يتغير شيء، سيظل المجتمع ملكا لهؤلاء التكفيريين والمتطرفين يسعون في عقول وأفئدة أبنائه بالخراب والدمار، ويقيمون فيه مصانعهم لإنتاج الإرهابيين والمتطرفين، وكل ذلك يقع على رأس الأجهزة الأمنية سواء قوات مسلحة أو شرطة.

وللأسف ورغم مضي عام كامل على اتفاق القوى المجتمعية على عزل الحاكم الإخواني، وإطلاق خارطة طريق لم يبق من استحقاقها إلا الانتخابات البرلمانية، لم نجد تحركا مسؤولا لدى النخب على اختلافها سواء كانت خاصة أو رسمية، بل الأدهى والأمر أنها اتجهت للتصارع والتكالب على المناصب، كل يطالب بنصيبه من الكعكة، ليتحول الوطن إلى مجرد «سبوبة» يسعون إلى التكسب والاسترزاق والاتجار به، في مشهد حزين.

لا نجاح لثورتي 25 يناير و30 يونيو دون العمل على تجديد الخطاب الديني والثقافي والإعلامي، فالخطابات الثلاثة وصلت إلى درجة خطيرة من التهرؤ والتردي أصبحت تشكل فيها خطرا على نجاح الثورة، إذ تساهم بأشكال غير مباشرة في دعم ومساندة العناصر والكوادر الإرهابية والتكفيرية في مهامها، والتي في مقدمتها كسب تعاطف المحايدين في الشارع المصري وتحريضهم واستقطاب وتجنيد المتعاطفين والمتواطئين وفتح باب الفتنة بين المسلمين والأقباط.

لا تزال الخطابات الثلاثة فارغة من أي رؤية تسهم في تشكل وخلق وعي مجتمعي ومقاومة مجتمعية للأفكار التكفيرية والجهادية والمتطرفة والطائفية، لا يزال خطباء المساجد وأغلبهم غير مؤهلين يرتقون المنابر بنفس الأفكار التقليدية العقيمة التي ترسخ هذه الأفكار ولا تطاردها وتفكك معطياتها، وهكذا الثقافة لا تزال خطابات نخبها تعمل في جزرها المعزولة بلغتها الخاصة وتتقاتل على الفتات من مصالحها، فضلا عن أنها لم تعد تنتج ما يمكن أن يراها من خلاله المجتمع أو يتحاور ويتفاعل معها، وكذا الإعلام وهو أكثر الخطابات كشفا عن حقيقة التردي والانهيار في مختلف خطابات النخب، وقد وصل إلى مرحلة متقدمة من المرض قد يستحيل معه علاجه.

من هنا على النظام الجديد بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي أن يبدأ فورا في العمل على إيجاد حلول جذرية لهذه الخطابات وأن يوليها اهتماما بالغا، فالحلول الأمنية ستأتي في مرحلة ما وتعجز عن الاستمرار ما لم تساندها وتدعمها مقاومة شعبية، هذه المقاومة لن تولد إلا بخطابات مستنيرة ذات رؤية واضحة لمستقبل الوطن.


كاتب صحفي مصري

9