"عانس وأفتخر" فتيات يتحدين التقاليد ونظرة المجتمع

الخميس 2015/04/09
عدم الزواج أفضل من الانتهاء بزواج يحطم النفس

لعقود طويلة كانت كلمة "عانس" أبشع اتهام يكال للفتاة العربية، حتى وإن كانت لا تتحمل المسؤولية في عدم زواجها، لكن في السنوات الأخيرة وتماشيا مع التغيرات التي ضربت العديد من المجتمعات العربية، ظهرت حركات نسائية تدعو إلى عدم الزواج وتتفاخر بعنوستها التي كانت حتى وقت قريب سبة في جبين الجنس اللطيف.

ظهرت مؤخرا العديد من الدعوات على منتديات نسائية تحث الفتيات على عدم التخلي عن حريتهن، وتوضح فوائد أن تكون المرأة عانسا، وظهرت العديد من المبادرات منها، "عوانس من أجل التغيير"، و"عانس ولي الشرف"، و"عانس بمزاجي وماله ضل الحيط"، و"أنا موش عانس وبايرة أنا سنجل وعايشة"، و"هاعيش بمزاجي ويسقط من يريد إزعاجي"، وهي مجموعات تقول إنها تحارب نظرة المجتمع السيئة للفتاة العانس.

الظاهرة اللافتة للنظر تجاوب آلاف الفتيات مع تلك الدعوات، وبدلا من أن تكون كلمة عانس خنجرا مسموما، أضحت رمزا لعزة الفتاة وتحديها لتقاليد بالية، باعتبار أن بنت وحيدة أفضل من متزوجة تعيسة، وربما لاحقا مطلقة بمشاكل وعقد نفسية كثيرة.

نورا (39 عاما) التي تستمتع بعنوستها، قالت لـ"العرب" وهي ضاحكة: استمتع بسريري بمفردي ولا أحد يضايقني أثناء نومي، أو يزعجني في يومي بالشجار على أتفه الأسباب، حتى على جهاز التحكم في التليفزيون، فلن يتحكم بي أحد فيما أشاهده من برامج، وسأعيش يومي بالشكل الذي أخططه لنفسي، لا كما يخططه شخص آخر، وفقا لمتطلباته وارتباطاته بأصدقائه وأهله.

أما نسرين جمال (42 عاما – كويتية) أوضحت لـ\'العرب\' أنها سعيدة بعنوستها، مشيرة إلى أنها تنعم بالكثير من الأشياء التي لا تنعم بها المتزوجة، فهي تستطيع الصوم لله في أي وقت تريده بدون أخذ موافقة زوجها، كما حث القرآن الكريم، ولديها متسع من الوقت لكي تتودد لوالديها وتساعدهما بعد أن كبرا في السن. ودعت كل بنات جيلها أن يتفاءلن وينظرن للنصف المملوء من الكوب، لأن تلك المرحلة العمرية تعد الأجمل، وراضية بما قسمه الله لها واثقة أن الخير من عنده.

لا بد للمرأة العربية أن تعيد ترتيب أولوياتها، فالزمن تغير ومن الضروري تغيير التفكير النمطي تجاه عدم الزواج

هبة فتاة جادة وناجحة في عملها البنكي، ما أكسبها احترام رؤسائها وتقديرهم، قالت لـ"العرب": إذا وافقت الفتاة على الزواج خوفا من العنوسة، سيشعر الزوج بعدم ميلها له وتتحول الحياة إلى نقمة، وينتهي الزواج بالطلاق، وأطفال لا ذنب لهم.

وأضافت: الحرمان من رفيق حياة نأنس به، ويأنس بنا أمر مؤلم، لكن الأكثر ألما أن نتورط مع شريك للحياة يشعرنا بالوحدة، ويجعلنا نتمنى ساعة واحدة من أيام عزوبتنا.

أما جيهان (صحفية) فقالت لـ"العرب" إنها سعيدة بانضمامها لمعسكر العنوسة، وتفتخر بها لأنها كانت سببا في نجاحها المهني، فالارتباط بشريك يأكل الوقت بمعنى الكلمة، والكثير من المتزوجين يضيعون وقتهم فيما لا يفيد، فالزواج ليس جنة كما قال آباؤنا، ولا بد للمرأة العربية أن تعيد ترتيب أولوياتها، فالزمن تغير ومن الضروري تغيير التفكير النمطي تجاه عدم الزواج.

وعندما سألت العرب صافيناز محمود (باحثة سياسية) عن افتقاد العاطفة الأقوى في حياة الأنثى المتمثلة في الأمومة، ردت وكيف حال من تزوجت وقدر الله عليها عدم الإنجاب؟ فهي في شقاء وعذاب، لأنها حُرمت من شيء هام تسعى إليه كل امرأة، فأنا محرومة بإرادتي وهي محرومة رغما عنها.

العنوسة أو عدم الزواج مطلقا أفضل من الانتهاء بزواج يحطم النفس ويكسر التآلف بين شخصين، هذا ما أكدته لـ"العرب" الدكتورة أمل المغربي، خبيرة علم اجتماع، مشيرة إلى أن الزواج ليس غاية الحياة، والعنوسة مصطلح خاوي المضمون أطلقه المجتمع الذكوري على الفتيات، لكن المرأة الواثقة من نفسها والقادرة على تحقيق ذاتها ليست عانسا ولا قليلة الحظ بالارتباط، وإن لم تجد الشريك المناسب، لا يعني أن تنهي حياتها مع رجل لمجرد إشباع الرغبة وإنجاب الأولاد وإرضاء المجتمع.

وربما ما أفصحت عنه "أحلام" كان متوافقا مع دراسة اجتماعية أجرتها جامعة أوكلاهوما الأميركية، أن السر في عزوف الفتيات صغيرات السن عن الزواج يعود إلى الخوف من حدوث الطلاق.

الحرمان من رفيق حياة أمر مؤلم والأكثر ألما أن نتورط مع شريك يشعرنا بالوحدة ويجعلنا نتمنى ساعة واحدة من أيام عزوبتنا

لم يختلف رأي الخبراء كثيرا عن وجهة نظر الفتيات اللاتي تحدثن لـ"العرب"، فالأميركي دانيال والان (خبير التنمية الذاتية) كتب على موقع "لايف" أن الذين لم يحالفهم الحظ بالزواج ليسوا بالضرورة تعساء، وأن من يخاف من العنوسة، ربما لا يعرف أن لها العديد من الفوائد.

وترى إيمان علي داعية إسلامية، أن الزواج ليس فريضة تهدم الدين، بل سنة الله في خلقه، يكتبها لمن يشاء، فكم من عالمات أثروُا العالم بالأبحاث والكتب، ولم يكتب الله لهن أن يتزوجن ولم يقلل هذا من شأنهن أبدا، مع هذا ذاع صيتهن، وخلفن وراءهن كنوزا فكرية ثمينة، وكم من فتاة فتنها زوجها فأبعدها عن دينها وانتكس حالها.

وقال محمد عبدالواحد رياض أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، لـ"العرب"، لا يوجد سن محدد نستطيع أن نصف فيه الفتاة بأنها أصبحت عانسا، فهذا يختلف من مجتمع لآخر ومن ثقافة لأخرى.

وأضاف أن انتشار ظاهرة الطلاق وراء تخوف أو فوبيا الفتيات من الإقدام على الزواج، فجيل اليوم يستطيع التحاور مع الجنس الآخر من خلال وسائل التواصل الاجتماعي التي ساعدت على خلق جيل لا يعرف قداسة الزواج ومسؤولياته.

فالفتاة تكتفي بالتواصل مع الجنس الآخر من خلال المحادثة أو "الشات"، وتصطدم عندما يتحول على أرض الواقع إلى كابوس تتعايشه مع صديقاتها وأقربائها عندما يتداولون مشاكلهم أمامها، ما يجعل عقلها الباطن يؤثر على تصرفاتها ويقنعها بعدم الدخول في دائرة المشكلات بإرادتها.

21