عايدة صبرا تعيد إنتاج علاقة الجمهور بالمسلسلات المستهلكة

فيديوهات قصيرة لا تتجاوز مدتها الدقيقة الواحدة اختصرت من خلالها الممثلة اللبنانية عايدة صبرا كل مفارقات العيش في لبنان، حين أدخلتها في مقارنة ساخرة مع طبيعة العيش في كندا، من خلال شخصية “الست نجاح” التي لا تحتمل العيش في هذا البلد.
الخميس 2016/09/08
جو كندا لا يلائم "الست اللبنانية"

من خلال سلسلة من المقاطع المصورة التي بثتها مؤخرا عايدة صبرا على صفحتها “الفيسبوكية”، انتقدت الكاتبة المسرحية والمخرجة والممثلة اللبنانية بشكل كوميدي تجليات الصدمة التي تصيب اللبناني حين يحل ضيفا على أيّ بلد من أصقاع الأرض المتحضرة، فكانت صدمة “الست نجاح” التي تزور ابنها في كندا.

تعود الخطوط العريضة لشخصية “الست نجاح” إلى الشخصية التي قدمتها صبرا في مسرحية المخرج الراحل يعقوب الشدراوي “نزهة ريفية غير مرخصة”، والتي عرضت عام 1984 على خشبة مسرح “البيكاديللي”. وتبلورت عناصر الشخصية إثر عرض لبرنامج “حلونجي يا إسماعيل” على شاشة “تلفزيون المستقبل” عام 1995 الذي كتبه أحمد قعبور، وتقاسمت صبرا بطولته مع الممثل عباس شاهين.

هم لبناني

فيديوهات عايدة صبرا أساسها كثافة الاختصار وجمالية التورية والسخرية المتضمنة في عرض المفارقة بشكل مباشر

جاءت المشاهدة التلفزيونية لتلك الفيديوهات الخاطفة والقصيرة، والتي لامست حدود المليون مشاهدة لتقول إن الجمهور اللبناني متلهف لالتقاط الفكرة الذكية اللماحة والتي تعبر عن واقعه وهمومه، وإن كل تلك الإنتاجات الضخمة والمعزولة عن سياق حياته واهتماماته، إنما تفرض عليه فرضا. عايدة صبرا فجرت تلك العلاقة الملتبسة بين الجمهور والمواد المعروضة، وأعادت إحياء فكرة الجمهور والذوق العام، بعد أن كنا قد اعتقدنا أن هذه الفكرة قد سقطت تماما وانتهت إلى غير رجعة، وأن ما يقدم من سخافات تحتل الشاشات إنما يعكس حالة يتماهى فيها الجمهور مع ما يقدم ويعتبر أنه يعبر عنه.

فسوق الإنتاج الدرامي والتلفزيوني في لبنان أظهر عجزا كبيرا عن احتمال واستيعاب أشخاص مثل الممثلة المسرحية عايدة صبرا، حيث لم يعتبر المنتجون أن أمثالها من الممثلين الموهوبين والقادرين بمثابة استثمار مربح، فتركوا للتجاهل والإهمال، وذهب الإنتاج الضخم إلى عارضات الأزياء والمسلسلات الدرامية التي لا تقول شيئا، ولا تعكس هموم المشاهد، لا بل تعاديه.

ومن هناك، جاءت المشاهدة التلفزيونية لفيديوهات صبرا التي تنبني على منطق البرقيات السريعة والتلميحات الخاطفة لتشكل حالة من إحياء الأمل في صحراء التلقي العام لما يعرض، فأثبتت بما لا يقبل الجدل أن هناك وعيا عاما لا يزال على قيد الحياة، وهو ينتظر من يرفده ويدعمه بالإنتاج الذي يتناسب مع آماله وطموحاته.

كثافة الاختصار وجمالية التورية والسخرية المتضمنة في عرض المفارقة بشكل مباشر، هي العلامات التي تقوم على أساسها فيديوهات عايدة صبرا، إذ تنفتح أمام أعيننا كل مساحة الهم اللبناني منظورا إليها من الداخل وليس من مسافة البعد التي تحول الخطاب إلى تنظير سطحي، وتقوم المقاربة التي تطرحها صبرا على مفارقة الحنين إلى الأزمة، واستحالة العيش في جو يناقضها أو لا ينسجم مع طبيعتها.

يظهر الأداء التمثيلي في الفيديوهات مشحونا بالتعجب والرفض والاحتجاج، ويضع مفارقة الحنين إلى الكارثة التي يمثلها واقع الحياة في لبنان في مواجهة عالم الأمان، والنظام، والخدمات والنظافة الذي يمثله واقع الحياة في كندا التي تعلن “الست نجاح” على الدوام أنها لا تناسبها.

تترك المفارقة الحادة تقول كل شيء، ويبدو التمثيل وكأنه مجرد شهادة توثق سطوة هذه المفارقة وحدتها، وتعيد صبرا تركيب مهمة الممثل ووظيفة التمثيل، حيث أن الأهمية التي تعطى للأداء التمثيلي تأتي من داخل الموضوع ولا تقع خارجه، كما يحدث غالبا في عالم التمثيل الشائع في لبنان، والذي يصر أصحابه على انتزاع الاعتراف بهم من خارجه، أي أن المرجعية التي ينطلقون منها سابقة على الموضوع ومتفوقة عليه.

عايدة صبرا تجعل التمثيل بمثابة خادم للموضوع الذي تتركه يسيطر على كل المجال التعبيري، فكل ما في الجسد من عضلات وما في الوجه من تعابير إنما ينطق في كل لحظة بأحوال الموضوع ويخبر عنه. التعجب، والاحتجاج على النظام والاختلاط، وكثافة الأشجار، وعدم انقطاع التيار الكهربائي والمياه، والهدوء والأمان يبدو صادقا وحقيقيا، كل هذا يضاعف مرارة النقد وسطوته، ويحيلنا إلى كائن لبناني صار متآلفا مع مأساته ومتعايشا معها، لا بل أكثر من ذلك، عاشقا لها، وغير قادر على الخروج من أسرها.

حالة كاريكاتورية

"الست نجاح" تصور اللبناني العاشق لأزماته، وتدعوه إلى إعادة إنتاج حياته، وذلك دون أن تصوره كبطل أو كضحية

تفكك عايدة صبرا ببراعة عناصر العيش المستحيل في لبنان وتغوص في أعماقه دون أن تقع في فخ التبسيط الساذج الذي يحمل الأزمة إلى فساد السلطات والقيمين على البلد، بل تضع أصبعها على الجرح العميق والمسكوت عنه، حيث تصور اللبناني بوصفه منتجا للكارثة، ومتماهيا معها وصانعا لها. ويخرج النقد هنا من حدود العمومية والشيوع والاستسهال ليتحول إلى قراءة جدية لأزمة الواقع اللبناني، من خلال مخاطبة الناس وانتقادهم بشكل مباشر.

هذا المنطق يقوم بوظيفة مزدوجة، فهو من ناحية يعترف بالناس بوصفهم السلطة والمرجعية، وهو أمر لم يعد قائما على أي مستوى وخصوصا على مستوى ما يقدمه الإعلام المرئي للناس، ويقوم من ناحية ثانية بتحميلهم المسؤولية عن الخلل الذي يصيب حقوقهم وسلطاتهم.

ولعل الناحية الأهم والتي تظهرها المشاهدة الكثيفة لفيديوهات عايدة صبرا تكمن في أن الناس ربما باتت تعي أن هذا النقد موجه إليها، وأن شخصية “الست نجاح” التي لا تستطيع تحمل العيش الخالي من الهموم، والمبني على أساس منظومة اجتماعية، وحقوقية، وإنمائية وخدماتية متينة، إنما تمثل حالة كاريكاتورية لعموم الشعب اللبناني الذي لا يزال قادرا على العيش في ظل غياب أبسط مقومات العيش الحقوقية والخدماتية.

“الست نجاح” إذ تصور اللبناني العاشق لأزماته، فإنها تدعوه إلى إعادة إنتاج حياته وذلك دون أن تصوره كبطل أو كضحية، لأن هذين النمطين قد باتا خاويين وخاليين من المعنى.

صبرا تدعوه إلى النقاش وتخاطب وعيه، وهي إذ تسخر منه فإنها تدفع الأمور إلى أقصاها مباشرة، فالمرء حين يصل إلى الدرجة التي يضحك فيها على نفسه، فإنه يكون قد اكتشفها تماما، وإذا كان شر البلية ما يضحك، فإن البلية التي نضحك عليها والتي تعرضها صبرا علينا، ليست سوى أنفسنا التي تحتاج إلى عملية إعادة إنتاج قد تكون الكوميديا الباردة الذكية، هي مدخلها المناسب.

16