"عايدة" نوتة مفقودة منذ 45 سنة في دار الأوبرا المصرية

تعتبر دار الأوبرا من أهم المعالم الثقافية الفنية الموجودة في مصر، وكانت تعرف قديما باسم دار الخديوية وهي أول دار أوبرا في أفريقيا والشرق الأوسط، لكن السرقة التي طالت النوتة الأصلية لأوبرا عايدة قبل الحريق الذي جدّ في المكان في 28 أكتوبر 1971 جعل منها لغزا لم يحل حتى الآن.
الأربعاء 2016/03/30
عرض الرائعة الفنية أوبرا عايدة لم يفقد بريقه رغم السنين

القاهرة - قرر الخديوي إسماعيل حاكم مصر في نهاية القرن التاسع عشر بناء دار الأوبرا المصرية للاحتفال بافتتاح قناة السويس، وقام المعماريان بيترو أفوسكاني من ليفورنو وروتسيي بتصميم مبنى الأوبرا، وقد صنعت من الخشب وكانت تسع 850 مقعدا، وكانت تقع بين منطقة الأزبكية وميدان الإسماعيلية (ميدان التحرير حاليا) في قلب القاهرة.

كان الخديوي إسماعيل شغوفا بالفنون، ونتيجة لحبه للفن الرفيع وشغفه به أراد أن تكون دار الأوبرا الخديوية تحفة معمارية لا تقل عن مثيلاتها في العالم، حيث يعتبر مسرحها واحدا من أوسع مسارح العالم رقعة واستعدادا.

واختيرت قصة من صفحات التاريخ المصري القديم، تصلح لتكون نواة لمسرحية شعرية تقدم في حفل الافتتاح، فوقع الاختيار على الأوبرا الخالدة “عايدة”، بعد أن قام بنظم شعرها الشاعر الإيطالي جيالا نزوق، وكلف الخديوي إسماعيل الموسيقار فيردي بتلحينها.

وافتتحت الأوبرا الخديوية في الأول من نوفمبر عام 1869 مع احتفالات قناة السويس، ولكن حدثت ظروف أدت إلى تغيير أوبرا عايدة بمعزوفة ريغوليتو لجوزيبي فيردي لكي تكون أول ما يعزف في حفل الافتتاح، وتم تقديم عمل فيردي الأوبرالي “عايدة” في افتتاح عالمي في دار الأوبرا الخديوية في 21 ديسمبر 1871.

واحترقت دار الأوبرا المصرية القديمة بالكامل في أكتوبر عام 1971، ولم يبق منها سوى تمثالي “الرخاء” و”نهضة الفنون”، وهما من عمل الفنان محمد حسن، وظلت القاهرة دون دار للأوبرا قرابة العقدين من الزمن، إلى أن تم افتتاحها مرة أخرى عام 1988، وقد تم بناء مرأب للسيارات متعدد الطوابق مكان الأوبرا القديمة، مما شوّه شكل الأوبرا المميز، ولكن ظل الميدان الذي كانت الأوبرا تطل عليه يحتفظ باسمه القديم “ميدان الأوبرا”.

وبعد إعادة بنائها افتتحت دار الأوبرا الجديدة في أكتوبر 1988 بحضور الرئيس الأسبق حسني مبارك والأمير توموهيتو أوف ميكاسا، وهو الشقيق الأصغر لإمبراطور اليابان، كما شاركت اليابان لأول مرة في مصر والعالم العربي وأفريقيا في افتتاح هذا الصرح الثقافي بعرض الكابوكي الذي يضم خمسين عضوا، بالإضافة إلى فنانين من أعلى مرتبة في مجالات الموسيقى والأوبرا والباليه، وظهر حينئذ هذا الصرح الكبير إلى الوجود مرة أخرى لتكون مصر هي أول دولة في المنطقة تقيم دارا للأوبرا مرتين في عقد واحد من الزمان.

وتضم الأوبرا الحالية ثلاثة مسارح هي: الكبير 1200 مقعد، والصغير 500 مقعد، والمكشوف 600 مقعد. وتلعب الأوبرا دورا مهما في إثراء الحركة الفنية في مصر، حيث تضم فرقة باليه أوبرا القاهرة، وأوركسترا القاهرة السيمفوني، والفرقة القومية للموسيقى العربية، وفرقة الرقص المسرحي الحديث.

وتقيم الأوبرا صالونات ثقافية ومعارض فن تشكيلي ومهرجانات موسيقية صيفية لفرق الهواة، كما تعرض أعمال كبار الفنانين والفرق العالمية باتجاهاتها المختلفة.

ولقد تأسس كورال أوبرا القاهرة في عام 1956 لتقديم الإنشاد الجماعي خلال الموسم، وكان عدد أعضاء الفرقة في بداية تكوينها ثمانين مغنيا بقيادة أدنوري كوردوني، ثم جاء من بعده نتوريو باربيرني، ثم دوريان وكورس، وحاليا يقوم بتدريب الفرقة ألدو مانياتو.

قلعة ثقافية وفنية راسخة في قلب القاهرة

ويقول جابر البلتاجي، الباريتون الأول المصري الذي حصل على ميدالية فيردي من إيطاليا عام 1975، ونائب مدير دار الأوبرا الأسبق “إن حريق الأوبرا تم بفعل فاعل، وإن أصابع الاتهام أشارت إلى خلل كهربائي، لكن هذا الكلام ليس له أي أساس من الصحة، لأنه قبل حادث الحريق بشهرين كان هناك تجديد بالكامل لشبكة الكهرباء بالمبنى، والشبكة كلها كانت جديدة، وقد أبلغ البعض عن سرقة محتويات المبنى مثل النجفة الكبيرة وبعض الأثاث”.

ويضيف “قبل الحريق بأربعة أيام اختفت نوتة «أوبرا عايدة» الأصلية، التي كتبها مؤلفها الإيطالي العالمي فيردي بخط يده للمغنين والموسيقيين، وسرقت أيضا ملابس لا تقدر بثمن من تراث الأوبرا كان يرتديها الفنانون العالميون أثناء عرضهم على مسرح الأوبرا”.

وتابع “شب الحريق في مبنى الأوبرا المصرية التي كان يطلق عليها «الأوبرا الخديوية» في الساعة الرابعة فجرا، وبلغت عن طريق تليفون منزلي بالزمالك في السادسة صباحا، واتصلت على الفور بالمطافئ، وانطلقت فورا من منزلي جريا من الزمالك إلى الأوبرا في عشر دقائق، وحينما شاهدت عيناي النيران مشتعلة في جميع أجزاء المبنى أصبت بصدمة وسقطت على الأرض، وحاول البعض مساعدتي على الوقوف، لكنني أصبت بانهيار”.

وأشار البلتاجي إلى أن النيران ظلت مشتعلة حوالي ست ساعات، وفي الساعة التاسعة صباحا حضر إلى موقع الحادث نائب رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء المصري، وعدد من المسؤولين الذين أصابهم الذهول لمشهد مبنى الأوبرا العريق وهو يحترق.

ومن ناحية أخرى، تؤكد إيناس عبدالدايم، رئيسة دار الأوبرا المصرية، أن هناك أساتذة وضعوا كل جهدهم ودمهم وحياتهم ومجهوداتهم في العمل داخل حيز الأوبرا لإبقائها منارة مصرية عربية، فمثلا الراحلة رتيبة الحفني كانت تعمل في هذه الدار حتى مماتها، ووقفت لإنجاح مهرجان الموسيقى العربية، وكانت تتحدث إلى كبار المطربين وتكرم كبار الموسيقيين، ولم تكتف بذلك، بل كانت تكتشف المواهب وتشجعها، وأيضا عبدالمنعم كامل رئيس دار الأوبرا الأسبق الذي ضحى بحياته من أجلها، وكان يعمل حتى آخر لحظة في حياته وهو يعاني من مرض خطير.

وعن عزفها على آلة “الفلوت” قالت إيناس إن “هذه الآلة هي حياتي، ودائما ما أحضنها طوال الوقت، ودائما ما أتواصل مع جمهوري الذي عرفني”. وأضافت “وزارة الثقافة المصرية استطاعت أن تقوم بدور مهم في تدعيم قوة مصر الناعمة، فوزير الثقافة دائما يعمل بنشاط من أجل تحقيق المعادلة الصعبة في نشر الوعي والثقافة للمجتمعات الأخرى لنقل صورة حقيقية وواعية وبارزة عن الثقافة المصرية”.

20