عباءة الدين التقليدي أقصر من مفاهيم جيل اليوم

الشباب لا يعارضون الدين في حد ذاته إنما يرفضون تقويض الحكم الفعال بالولاء الديني.
الأحد 2019/03/10
نظرة مختلفة للدين

فرضت التغيرات الاجتماعية والسياسية والتكنولوجية في السنوات الأخيرة نفسها على مفاهيم الشباب ومن ضمنها المفهوم الديني، ولم يعد يتقبل جيل اليوم الموروث التقليدي للدين ببساطة، بل أصبح يخضع للتقييم والنقاش وبشكل خاص مع صعود التيارات السياسية المغلفة بالدين وما جرته من كوارث على المنطقة.

تونس - ركن ضيق في أحد المقاهي وسط العاصمة تونس، تشغله مجموعة من الشباب في بداية العشرينات تناقش الأدب والثقافة والدين والسياسة، وانعدام الأفق في البلاد بعد التخرج من الجامعات، ورغم احتدام النقاش بآراء متناقضة إلا أن الإجماع يبدو واضحا على عبارة واحدة “منذ أن اختلط الدين بالسياسة فسد الدين”.

خمسة شباب من توجهات مختلفة، لا يؤمنون بأن يكون الدين المركز الذي تتمحور حوله حياتهم، ويقول صادق الغربي 26 عاما، خريج علم الاجتماع بكلية الآداب في تونس، عاطل عن العمل منذ أكثر من أربع سنوات “الدين هو مسألة فردية، لماذا يستخدمونه في السياسة وينتقمون من الناس بواسطته؟”.

ويضيف الغربي في تصريحات لـ”العرب” أنه لا يصوم، لكنه لا يستطيع أن يعلن ذلك أمام أسرته، ويشاركها طاولة الإفطار بعد التظاهر بأنه صائم.

وتابع “الدين بالنسبة للعائلة يشكل شيئا مهما جدا وقام والداي بمجهود كبير في تربيتي الدينية، ولا أنكر وجود الله، لكن لدي نظرة مختلفة إلى الدين، ولا مبرر لحرماني من الكثير من الأشياء بسبب الدين”.

اختلال الرؤية

صادق الغربي: الدين هو مسألة فردية، لماذا يستخدمونه في السياسة وينتقمون من الناس بواسطته
صادق الغربي: الدين هو مسألة فردية، لماذا يستخدمونه في السياسة وينتقمون من الناس بواسطته

ويعاني أكثر الشباب اليوم من ضياع واختلال الرؤية إلى الدين ويعترفون بأن المسألة بالنسبة لهم غير مستقرة وأنهم يعيشون حالة لا يقين، إذ يعتبرون أنهم من حيث المبدأ مؤمنون بالدين، لكن الكثير من المظاهر التي يشاهدونها في المجتمع ويربطها الناس بالتدين تبدو غير مقنعة بالنسبة لهم وبحاجة إلى مراجعة وإعادة النظر في الحكم عليها.

وتدخلت ليلى مروكي (27 عاما)، خريجة قسم الصحافة ولا تزال متدربة في إحدى الصحف المحلية، في النقاش المحتدم، وأعربت عن خوفها من المتدينين ومن محاولاتهم الدائمة لفرض “الهداية” على الناس، وتقول “لو أننا ولدنا في بلد آخر غير مسلم، لكنا اعتنقنا ديانة أخرى، فالأديان ليست بالضرورة خيارا شخصيا، إنما هي في الغالب شيء متوارث، وغالبا ما تختلط العادات الاجتماعية بالدين، فالكثير من الأشياء يربطونها بالمحرمات الدينية وعند العودة إلى أصلها نجد أن لا علاقة لها مطلقا بالدين”.

وأضافت في تصريح لـ”العرب” أن “الله لا يمكن أن يدقق في هذه التفاصيل الصغيرة ويترك القتلة والمفسدين وشأنهم”.

في المجتمعات العربية التقليدية يحرص الجيل الأكبر سنا على مظاهر التدين وطقوسه وينظر إلى الشباب نظرة فيها الكثير من الريبة والشك والنقد لأن سلوك جيل الألفية ووجهته في الحياة أبعد ما يكونان عن المحيط الديني الذي عاش فيه آباؤه في مثل سنه على الأقل.

وتتجلى أكبر مخاوف العائلة المحافظة في أن الشباب أصبحوا يرفضون الخضوع لكل سلطة بما فيها السلطة الدينية، بينما يجمع غالبية الجيل الجديد لاسيما ممن تلقوا تعليما جيدا على أن الزمن تغير وعصر الآباء قد ولى إلى غير رجعة والكلمة اليوم للشباب الذين يحملون روحا ثورية ويريدون أن يقضوا على الأوضاع الجامدة التي تحكمت الآلاف من السنين في سلوك الناس باسم الدين والروح الأبوية.

ويلعب التغير الديمغرافي دورا كبيرا في تغير هذا التوجه، فحتى نهاية الثلث الأول من القرن العشرين كان جيل الكهول يشكل نسبة عالية في أغلبية شعوب العالم، لذلك كانت كفة الميزان ترجح لجيل الرزانة والمحافظة على التقاليد، وبعد هذه الفترة ارتفعت نسبة الشباب تدريجيا مع التقدم الصحي حتى صارت في الأمم النامية والآخذة في النمو، تتجاوز خمسين في المئة غالبا، فصارت الكلمة والحالة هذه للشباب في الكثير من الميادين.

كما أن الثقافة في الأجيال السابقة كانت تنحصر في شريحة محدودة من الشباب الذين ينتمون إلى طبقة الأغنياء وبنسبة أقل إلى الطبقة المتوسطة، ليتفرغ الباقون إلى بعض الأعمال والمهن الثانوية فينسون أنفسهم في خضم الحياة ومسؤولية البيت، بينما في العصر الحالي ومع التقدم التكنولوجي وثورة المعلومات أصبح الشباب يقبلون على العلم بمختلف أنواعه وفنونه ويطمح عدد كبير منهم إلى صقل مواهبهم وتنمية مداركهم عن طريق التخصص، وهذا الوعي العلمي والثقافي خلق نظرة مختلفة إلى جميع مناحي الحياة وأولها الدين ومظاهره في المجتمع.

الشباب أكثر انفتاحا
شباب أكثر انفتاحا

كما يتأثر الشباب في العالم العربي إلى حد كبير بالصدى الذي يحدثه تطور الشباب في الغرب، فقد انتقلت إليهم الخلافات العقائدية والمظاهر الحديثة في الحياة الاجتماعية واليومية، إضافة إلى الانفتاح على أفكار مغايرة بسبب الزواج بالأجنبيات والهجرة والاستقرار بالخارج والمناهج الجديدة في الميدان الاقتصادي والسياسي وضعف الحماس الوطني.

وإذا كانت مسألة التدين لا تحمل الكثير من التعقيدات في بلدان المغرب، إلا أن الوضع مختلف تماما في المشرق العربي، مثل العراق، ولم يعد الحديث يدور حول الدين كممارسة أو خيار شخصي، بل أصبح الهاجس الأكبر هو ارتباط الدين بالسياسة بشكل وثيق، إلى درجة أن الحدود الفاصلة غير موجودة تقريبا لدى غالبية الناس، مع تكريس رجال الدين لمفهوم القدسية، وربطها بالخيار السياسي وتفكك المجتمع والفساد، وزرع هذه المفاهيم في أذهان الشباب.

وتسود المنطقة العربية عامة عبارة متوارثة تم تناقلها عبر الأجيال مفادها أن جميع الأزمات والمشكلات التي تصيب المنطقة ما هي إلا نتيجة الابتعاد عن الدين وضعف الإيمان لدى الناس، غير مدركة أن هذه المقولة ما هي إلا تبرئة للسياسيين مما تسببوا فيه من كوارث نتيجة ممارساتهم وقراراتهم على مدار سنوات طويلة، دون محاسبة أو مراجعة.

دمج الدين بالسياسة

ليلى مروكي: الأديان ليست بالضرورة خيارا شخصيا إنما في الغالب متوارثة واختلطت العادات الاجتماعية بمفاهيم دينية
ليلى مروكي: الأديان ليست بالضرورة خيارا شخصيا إنما في الغالب متوارثة واختلطت العادات الاجتماعية بمفاهيم دينية

وتدرك الأحزاب السياسية في العراق حاجتها إلى دمج الدين بالسياسة للتأثير على الشباب واستقطابهم، لذلك ركزت بعض الأحزاب الدينية بعد العام 2003 على الاهتمام بشريحة الشباب وخاصة في المجال التعليمي.

ويضطر الكثيرون من طلبة الجامعات الأهلية، إلى المشاركة مع زملائهم في إحياء طقوس المناسبات الدينية في الجامعة. كالتطوع في مواكب الطبخ خلال إقامة الشعائر الدينية في عاشوراء الذي يوافق اليوم العاشر من شهر محرم من كل سنة. وحتى وإن كان البعض من طائفة دينية مختلفة سيكون عليهم الاهتمام بالتوجهات الدينية للكلية التي يدرسون فيها.

ونوه بعض الطلاب بأن المشاركة في اهتمامات أو توجهات الجامعة الدينية يمكن أن تساعد في إحراز النجاح، فضلا عن توفير نوع من الحماية لاسيما في المدن التي تشهد خلافات طائفية وإن كانت غير معلنة.

ولا تخفى على بعض الطلاب محاولات الأحزاب الممولة لهذه الجامعات استغلال الدين لمصالحها الشخصية، ويدركون أن الهدف يتجاوز ممارسة الشعائر الدينية، إلى ربط الدين بالسياسة وإبقاء الشباب في دائرة هذه الأحزاب عن طريق ترسيخ العقيدة الدينية أولا، ثم المنافع والمكاسب التي يجنونها من التبعية لها ثانيا. وفي بلد مثل العراق قد يساهم التمويل والدعم في إثارة النعرات الطائفية والانقسامات الاجتماعية أو السياسية.

ويرى البعض من الشباب أن السلطة الدينية نجحت إلى حد ما في تكريس المفاهيم التي ترغب بها في أذهان الشباب وإلا لما كان الوضع في البلاد على ما هو عليه اليوم، فما زالت الأحزاب السياسية المغلفة بالدين تملك شعبية رغم جميع الانتقادات الموجهة لها.

في المقابل تتعالى أصوات كثيرة بين الشباب لإبعاد السياسة بكافة أشكالها وطوائفها عن الدين، وذكرت الصحافية أليس سو في أحد تقاريرها الذي نشرته في موقع “أتلانتيك” الأميركي أن الكثير من العراقيين، وخاصة الشباب، يريدون مؤسسات الدولة وليس الميليشيات الطائفية، مؤكدة أنهم لا يعارضون الدين بحد ذاته، بل الطريقة التي يقوض بها الولاء الديني الحكم الفعال.

الأحزاب السياسية تحرص على ربط الدين بالسياسة لإبقاء الشباب في دائرتها
الأحزاب السياسية تحرص على ربط الدين بالسياسة لإبقاء الشباب في دائرتها

ولاحظت في وسط الأحياء المدمرة في غرب الموصل، ظهور المساجد اللامعة التي أعيد بناؤها بين أطلال منازل الناس التي تم تجاهلها. وقالت “إنهم يستخدمون الدين كغطاء للعب مع الناس”.

ويشعر العراقيون بخيبة أمل متزايدة من النظام القائم على أساس ديني. وفي استطلاع للرأي أجاب نصف المشاركين من الشباب بأنهم يريدون مرشحين في الانتخابات من “تكنوقراط مستقلين” أو “أجندة مدنية أو علمانية“.

وأنتجت الانتخابات الماضية ائتلافات طائفية مفاجئة بين الأحزاب التي حاولت تدمير بعضها البعض. لكن هذه التحالفات الجديدة لا تزال تتكون من مجموعات طائفية بشكل أساسي. وفي الوقت نفسه، فإن معظم العراقيين الذين يريدون حقا حكومة علمانية لم يصوتوا على الأرجح في انتخابات العام الماضي.

ويقول الشباب العلمانيون في الموصل إنهم يضعون على الأقل الأساس للإصلاح في نهاية المطاف من دون الميليشيات الخاصة بهم، أو شبكات المحسوبية، أو المرشحين السياسيين، ومن المدهش أن الدمار الذي سبّبه داعش قد سمح لهم بالقيام بذلك. ونقلت سو عن أحد الشباب قوله “نريد أن يفكر المجتمع المسلم بشكل حاسم، يحتاج الناس إلى الإيمان والروحانية. يمكنك أن تعبد حجرا إذا أردت، فقط لا ترمي هذا الحجر في وجهي“.

واقترح البعض استبدال حصة الدين في المدارس، بمادة “كيف تفرح”، وخاصة في حالة الحرب وكثرة الأوجاع التي خلفها داعش، واستبدال شعور الخجل من التعبير عن السعادة بالرقص أو الضحك أو الانفعال لدى الشباب بفن الفرح.

19