عباس هو الأساس

تنشأ المفارقات وتنفتح أبواب الكلام والنميمة على مصاريعها، لمجرد نظرة على أي من تقاطعات حي “النصر”. فأسماء الشوارع على الخارطة، وفي متناول “غوغل” تشبه الأسماء على شواهد القبور. يرقد المتباغضون في الدنيا، متجاورين في كنف الأبدية!
الأحد 2018/09/02
مجاهدة الحياة باتت أكثر ضراوة

وصلت إلى حي “مدينة نصر” في القاهرة، بعد قضاء بقية نهار أوروبي، وكل المساء الذي تلاه، في حي “الفاتح” الذي يتكثّف فيه صخب إسطنبول وقلقها.

ومثلما اعتدت في السنوات الأخيرة، كانت الوُجهة الأولى، من المطار إلى حيث يتقاطع شارع مكرم عبيد مع مصطفى النحاس ثم يتجاوزه، مثلما يفعل “عباس” الأساس، وهو الشارع الذي يوازي مكرم، ويطغى على تسمية الحي كله، أو يجعل النحاس نفسه ومعه مكرم، معطوفين عليه ومن بين تفصيلاته، المساعدة على التعريف بالعناوين!

في نقطة التقاطع بين مكرم والنحاس، يشعر القادم من الحواضر الهادئة، أن المكان قد ازداد ضجيجا، والناس أصبحوا أكثر، وأن مجاهدة الحياة باتت أكثر ضراوة، وأن أم كلثوم استحقت استبعادها عن تسميات الحي، هي والشاعر الغنائي عبدالوهاب محمد، الذي كتب لها ما يجعل أحد مآلات الألم، نهاية وردية مفعمة بالأمل: إن “القمر من فرحنا.. ح ينوّر أكثر.. والنجوم ح تبان لنا أجمل وأكبر.. والشجر، قبل الربيع، ح نشوفه أخضر!”.

يحين تسليم سطور هذا اليوم من “صباح العرب” لزميلتنا شيماء، فماذا يكتب العبد لهب، وسط هذا الضجيج، وبعد واحد من مساءات حي “الفاتح” الإسطنبولي، بمقاهيه ومطاعمه وأرصفته، وزحام الحافلات في الطرق التي ضاقت بها، والمتسولين والسائحين والمتسكعات والباعة المتجولين، والكاشفات في محاذاة المنقبات، مثلما يحاذي مَكْرم خصمه عباس على خارطة الحي، ويعانق مصطفى النحاس، الذي نغّص عليه خواتيم حياته ومسعاه، وهو المسيحي الذي حمل لقب الابن البكر لسعد زغلول!

تنشأ المفارقات وتنفتح أبواب الكلام والنميمة على مصاريعها، لمجرد نظرة على أي من تقاطعات حي “النصر”. فأسماء الشوارع على الخارطة، وفي متناول “غوغل” تشبه الأسماء على شواهد القبور. يرقد المتباغضون في الدنيا، متجاورين في كنف الأبدية! 

في أول التقاطعات، يستذكر القارئ الذي سيكتب، أن “الهانم” زينب الوكيل، زوجة مصطفى النحاس، هي التي عصفت بالمحبة والصداقة الطويلة، بين زوجها ومكرم عبيد، حتى أشعلتها نارا، جعلت مكرم يجهز في قبو إحدى المطابع البدائية، كتابا أسود في ذم صاحبه. بدأت غواية الشر، عندما رفض مكرم وهو وزير للمالية، وساطات زينب وتطلباتها. قالت لزوجها إن صاحبك يتجاهل وزن “الهانم”. الزوج يتفهم موقف صاحبه ويصالحه مع زينب، فتلجأ حواء إلى حيلة أخرى، تتعلق بطموحات الزعامة وحقائق الكفاءة، فيقع الزعيم في الشباك!

ذلك جزء من حكاية طويلة، يوحي بها تقاطع واحد، فما بالنا بسائر التقاطعات، لا سيما وأن عباس المتجهم، هو الأساس!

24