عباس يوسف رسام حرفته تماهي الشعر مع الرسم

الأحد 2015/08/30
عباس يوسف مشيدا قلاعا باذخة للصمت في جنائن خفية

صباح كل سبت تصل بطاقة بريدية منه إلى الأصدقاء. أصدقاؤه موزعون بين أنحاء العالم، لا يمحو مَن توفي منهم من بريده، من أجل أن لا ينسى أحدا. جزء من وفائه للرسم أن يكون وفيا في الحياة. منذ سنوات وهو يفعل ذلك من غير أن ينضب كرمه. شجرته لا تزال تعدّ بالكثير من النضارة. لا تزال أوراق كثيرة تقف في انتظار يده.

في عزوفه عن الشائع والمتاح يبدو كما لو أنه استنفد الزمن كله، زمننا وزمنه. زمن الكتابة وزمن الرسم وزمن الأشياء، فصار يلتقط كائناته من زمن لم يعشه، هو زمن ما بعد كل زمن. اللحظة العابرة التي توهمنا بخلودها.

يقول لك “إنه وهم” ولا يقصد ما يُرى وحده بل ما يُرسم أيضا. حمّلته الحياة الكثير من أوهامها فصار الرسم بالنسبة إليه سلوكا يوميا يفرغ من خلاله أوهامه.

يهمه أن يرى غزله بالأشياء مجسدا من خلال مفردات صغيرة لا تُرى أحيانا أكثر مما تهمه رؤية الأشياء نفسها. يقول لي “لقد وُجدت الأشياء من أجل أن ترسم”. وكنا نقول جملا غامضة ونحن نتأمل باب البحرين.

حين يجرب أن يشرح يغويه إيقاع الكلمات فيترك التوضيح ليذهب مباشرة إلى الشعر وهو الذي أفنى جزءا مهما من حياته في التماهي مع الصور الشعرية.

لا يقترب عباس يوسف من الشعر إلا من أجل أن يستفيه على الجمال. تحيّره الصورة الشعرية فيبدأ قلقه التصويري الذي لا يغادر التجريد.

لذلك فإن حرفيته هي عالم خاص يغلب عليه تواشج الشعر بالرسم من خلال صورة قد لا تظهر. صورة تشكل محاولة الوصول إليها ذريعة للرسم.

يرسم بعيني سائق قطار

بين محترفي “رباب” الملاصق لبيته وهو محترفه الشخصي للرسم و”عشتار” وهو محترف الحفر الطباعي يتقاسم فضاءه مع صديق عمره عبدالجبار الغضبان يتنقل عباس يوسف يوميا بخفة طائر، كان قد وزع حياته بين عشّين.

حرفيته عالم خاص يغلب عليه تواشج الشعر بالرسم من خلال صورة قد لا تظهر، لكن تلك الصورة لدى عباس يوسف تشكل محاولة الوصول إليها ذريعة للرسم

رباب وهي زوجته، تدرك أن المحترف الذي يحمل اسمها لا يشكل إلا نصف المكان الذي تقيم فيه روح الفنان وهو ما جعلها تسلّم أمرها للقدر الذي وهب زوجها صديقا نادرا هو بمثابة ملك النصف الثاني. فالغضبان هو مؤسس فن الحفر الطباعي في البحرين وهو المعلم الذي درس على يديه فنانو البحرين ذلك الفن الذي يمزج بين إتقان الصنعة وترف الخيال.

وإذا ما كان محترف عشتار قد وجد طريقه إلى خريطة البحرين الثقافية، معلما حضاريا هو أشبه بصومعة يعكف فيها المريدون على أحلام أيديهم فإنه كان في الوقت نفسه ورشة لتهذيب الأخطاء الفنية، وهو ما منح يوسف والغضبان فرصة التعلم المستمر وهي صفة المعلمين الكبار. هناك حيث يكون التواضع نوعا من العرفان والسعي المستمر نحو الجميل.

يلتقيك عباس يوسف كما لو أنه غادر لتوه قاعة الدرس. هو ابن المدرسة التي نشأ فيها بالرغم من أنه صنع شخصيته الفنية منذ زمن طويل. هل تمكنت منه العادة بحيث صار يقيس قيمة الفن بما ينطوي عليه من أخلاق؟

شيء من هذا القبيل يمكنه أن يهبنا فكرة عن جزء من طبائع عباس يوسف غير أنه لا يختصر الطبائع كلها. فالفنان الذي ولد عام 1960 في إحدى قرى المنامة لا يزال كما كان دائما متمردا وغاضبا وعنيدا. طبائعه الحقيقة تقيم في رسومه، وهي رسوم تبدو هادئة وخفيفة ومريحة من الخارج غير أن تأملها بعمق لا بد أن ينتقل بمن يراها إلى الضفة الأخرى، هناك حيث يستدعي الصخب شغب كائناته.

ينغّم عباس المسافة بين عالميه مثل مهندس سكك حديدية، ربما تكون صفة “سائق قطار” أقرب إليه، ذلك لأنه علّم نفسه أن تهذب المسافات بطريقة تلقائية. هل كان عليه أن يرسم مغمض العينين لكي يكون مخلصا لواقع الحال الذي يضطره يوميا إلى الانتقال من محترف رباب إلى محترف عشتار مسكونا برائحة الأنثى الخالدة؟

لوحات عباس يوسف خلت من الحروف

عدو الحروفية

كان عليه أن يكون خطاطا. يقول لك “عبد الإله العرب هو الخطاط” غالبا ما يستعين بعبد الإله، خطاطه المثالي. يقف أمامه مثل تلميذ. غير أن عباس يوسف كان خطاطا، وهو ما لا يود أن يتذكره.

نجح الرسام في أن يمحو ذاكرة الخطاط. يعرف يوسف ما الخط. شيء من التقديس يجعله ينظر بحيطة إلى ما يمكن أن يفعله الخطاطون، غير أنه وقد قرر أن يكون رساما لم يعد مؤهلا لممارسة الخط.

لقد نجح زمنا طويلا في إخفاء الخطاط الذي يقيم في أعماقه من أجل أن يكون رساما خالصا بحيث خلت لوحاته من الحروف، غير أنه في بطولاته لم يكن إلا مُكرها، وهو ما تفصح عنه كل لوحة ينفذها على عجل.

ففي كل خط يلقيه منفردا على سطح اللوحة هناك إيحاء بحرف. حرف يحضر كما لو أنه استدعي على عجل. الفنان هنا لا يأسر النضارة بقدر ما يقف أمامها مؤنبا نفسه، نادما على تأخره.

من اليسير أن نصفه بالحروفي ومن الصعب أيضا القيام بذلك، فعباس يوسف يثق بالخط العربي كيانا مفرطا في خصوصيته. وهو ما يجعله يشك بالحروفية، كونها من وجهة نظره لن تتمكن من استلهام جماليات الحرف العربي أكثر مما يتمكن الخطاطون من استلهامه. هل كان عباس يوسف حروفيا مخاتلا؟

لم يكن يهمه أن يكون خطاطا، بالقوة نفسها لم يكن يعنيه في شيء أن يكون حروفيا. بالنسبة إليه فإن الحروفية كانت صناعة مؤدجلة. شيء من غريزته كان يقيم في الرسم وهو ما لم يكن التيار الحروفي يعبر عنه.

في آخر أعماله وقد رأيته ينفذها مباشرة كان يخفي عالما ليقيم عالما في مكانه لا لكي يحثنا على النسيان بل ليدفعنا إلى التذكر. هناك دائما شيء يجب تفادي نسيانه، مفرداته الأخيرة لا تخفي بقدر ما تفضح، بالرغم من أنه استعمل تقنية الإخفاء. فهل كان عدوا للحروفية؟
عباس يوسف يثق بالخط العربي كيانا مفرطا في خصوصيته. وهو ما يجعله يشك بالحروفية، كونها من وجهة نظره لن تتمكن من استلهام جماليات الحرف العربي أكثر مما يتمكن الخطاطون من استلهامه

يرسم ببذخ خياله

مَن يكسبه صديقا لن يخسره رساما، كان حلمه أن يكون له بيت فيه مساحة لاستضافة الأصدقاء وهو ما أنجزه. في لحظة غير متوقعة سيأتي صديق غامض كما يحصل مع الرسوم. الأشياء بالنسبة إلى عباس يوسف لا تقع في زمانها ومكانها المرسومين سلفا. علينا أن نرعى الإيقاع الذي يترفق بالخطوات كما لو أنه حارسها.

عرض عباس يوسف رسومه في بلاد بعيدة، غير أنه يأمل في أن تكون رسومه نافذة يرى من خلالها بلاده القريبة. هل كان الرسم فرصة للتأمل الصامت؟ أستعيده في هذه اللحظة رساما كما لو أنني لم أشبع من صداقته.

هذا إنسان وفيّ. ستضحك رباب. سيضحك عبدالجبار الغضبان من سذاجة ما انتهيت إليه. ولكن جنائن الرسام الذي يعرفانه قد لا تكون كلها متاحة لهما. هناك شيء خفي يحتفظ به الرسام من أجل أن لا يكون نفسه دائما. عباس يوسف يفعل ذلك ببذخ.

لن يكون متقشفا لأن مواده قليلة. زهده الحقيقي يقع في مكان آخر. فالحروفية لم تكن له هدفا وهو الذي غادر شغفه بالخط. كان عليه أن يرسم كما لو أنه لم يتعرف على الخط العربي يوما ما.

أجمل ما في عباس يوسف أنه لا يسخّر الخطاط في خدمته، بل ينظر إليه بإجلال حين يضطر إلى الاستعانة به.

10