عباقرتنا الصغار المغدورون

الأربعاء 2017/12/13

نعيش هذه الأيام وسط بيئة رقمية تعاظمت تأثيراتها وبلغت حدودا تحولت معها كل الفروع المعرفية إلى نسخ رقمية من المعرفة (أدب رقمي، اقتصاد رقمي..)، وقد اقترنت هذه الثورة الرقمية مع ثورة سبقتها زمنيا هي “الثورة السيبرنتيكية” التي أشعل فتيلها عالم الرياضيات والفيلسوف الأميركي العبقري نوربرت واينر عندما نشر عام 1948 كتابه الذائع الصيت “السيبيرنتيكا: أو السيطرة والاتصال في الحيوان والآلة”.

ثمة جوانب غرائبية كثيرة في حياة واينر، وقد سطر الرجل بعضا منها في سيرته الذاتية التي جاءت بجزأين: جزء أول بعنوان “عبقري سابق” يحكي فيه عن طفولته ويفاعته، وجزء ثان بعنوان “أنا عالم رياضيات”، ويحكي فيه عن حياته المهنية التي قضى معظمها أستاذا للرياضيات في معهد ماساتشوستس للتقنية.

ما يهمنا في سيرة واينر أن الرجل حصل على شهادة الدكتوراه في المنطق الرياضي من جامعة هارفارد العريقة، وهو في عمر الثامنة عشرة فحسب، وقد يجفل بعض القراء لقراءة هذه المعلومة، والحقيقة أن هناك – في العقود القليلة الماضية – من حصل على الدكتوراه في ميادين رياضياتية أو فيزيائية بعمر الخامسة عشرة، وإذا ما وضعنا في حسابنا أن واينر حصل على هذه الشهادة عام 1914 (أي قبل أكثر من قرن) فسينتابنا العجب والمرارة معا: لماذا لم يظهر في منطقتنا العربية من حقق مثل هذه الإنجازات الأكاديمية الفريدة والتي باتت بمتناول الصينيين والكوريين واليابانيين وسواهم من سكان المعمورة.

يخطئ من يظن أن العبقرية هي خصيصة بيولوجية بين الخصائص الأخرى التي يتفرد بها بعض الأشخاص (مثل جمال الشكل أو قوة الألياف العضلية أو الجبهة العريضة.. إلخ)، بل هي جهد منظم وكفاح متواصل منقادان بزخم رؤية تجعل فردا بذاته يرى ما لا يراه الآخرون، ويجاهد لبلوغ مرتقيات تستعصي على البعض، وأذكر هنا أن أحد عازفي الكمان العباقرة أجاد في عزفه أثناء حفل حضرته ملكة أوروبية، وبعد انتهاء العزف أطرت الملكة على العازف بقولها “أنت عبقري حقيقي”، فأجابها بقوله “سيدتي، كنت كادحا قبل أن أكون عبقريا”.

هنا مكمن الخلل في عالمنا العربي إذن، فليس من المعقول أن لا يوجد في تأريخ منطقتنا العربية من انكب على فتح أبواب المعرفة بطرائقه الخاصة وفي عمر مبكر بعيدا عن الأساليب المدرسية أو الجامعية التقليدية التي لا تتناسب مع الرؤى الثورية التي تميز هؤلاء، وتكمن المعضلة في ضيق الأفق العائلي وعدم دراية معظم الآباء والأمهات بالمواهب العظمى التي قد يتوفر عليها بعض أبنائهم وبناتهم، يُضافُ إلى ذلك جمود أساليب التعليم وطرق التقييم الأكاديمي وانعدام مرونتها بما يتيح لذوي القدرة المتفردة تجاوز الكثير من العوائق المؤسساتية.

الغريبُ في الأمر أن واينر يروي في سيرته الأولى شواهد دفعته إلى الإصابة بالاكتئاب وذلك بسبب المتطلبات الشاقة التي وضعها والده (وكان أستاذا للغات في جامعة هارفارد)، وهنا أتساءل: إذا كان واينر قد أصابه الاكتئاب وهو العبقري العالمي المعترف بريادته وألمعيته، فما حال عباقرتنا الصغار الذي امتلكوا إمكانيات واينر واختزنوها في دواخلهم، ولم تسنح لهم فرصة مناسبة للتعبير عنها في إنجازات محددة؟ المؤكد أنها دُفنت مع آمالهم المتهاوية.

كاتبة عراقية

14