عبث الفصول

السبت 2014/08/30

على غير هدى، كان يتخبّط بين البرك والمستنقعات، في ضواحي النخيل الآسنة.

يبدو أن فصل الصيف العاصف بالريح الغربيّ قد أشرف على الأفول، مما يترك لخريف الموز وأشجار البردي، المتساقط الأوراق، مخلفا ذلك الفراغ الكئيب الذي تتركه، عادة، الفصول والبشر في رحيلهم الذي لا ينقطع على مرّ الأزمان.

أليست الفصول ومظاهرها تعطي فكرة عن عبثية الطبيعة والحياة التي لا تستطيع إلا تكرار نفسها؟

على غير هدى كان يتخبط، ثورا وحشيا، في عماء المكان، في يده يلمع السكين، أو نصل خنجر يلمع في مختلف الجهات، لا أكاد أتبيّن على نحو واضح؛ أكان سكينا أم خنجرا، أم ساطور جزار؟

كانت آلة قتل حادّة ومضيئة تتدلىّ من يده الهائجة بالشكيمة والغضب، وكان متعثرا بين البرك الآسنة والأوراق الجافّة، باحثا عن طريدته في منحدرات النوم واليقظة.

ليست هناك أهداف أو هدف واضح للقاتل ولا لجريمة المقتول، والذنب الذي ارتكبه جرّاء ذلك. شبح يطارد آخر وسط ذلك الديكور الهشّ الذي خلّفه الصيف لخريف سريع يلمع بين أشجاره نصل أكثر سرعة في مضائه وشدّته التي تخطف البصر وتجعل البدن يرتجف صريعا قبل أن يصل إليه. ربما ورثه القاتل عن أبيه، عن جدّه، فصار إرث العائلة التي ربما، ينوي القاتل أن يصفي ضحيّته باسم مجدها وشرفها المهدور بين القبائل والشعوب.

وربما أن القاتل لا يملك مثل هذا الدافع الجماعي لنواياه العدائيّة، فكان دافعه مطلق شخص للقتل. ولا يدّعي أي شيء خارج هذا النزوع المحتدم داخله، كأن يلصقه بصوت الجماعة المهدورة كرامتها، فيكون معبّرا عن هدف يخرجه من الحيّز الشخصي إلى الجماعي وربما القومي والإنساني العام، الذي لو قُدرت له الدعاية والنشيد، لدخل حيّز، التقديس والخلود.

في يده الخنجر اللامع، بلطة الجزّار الذي يحصد بها مئات الرؤوس يوميّا، من غير أن يرفّ له جفن رأفة بل بلذة شبقيّة عارمة.

قبل أن تنزل بلطة الجزّار على الرأس الغارق في مياه النوم وأوراق الخريف، كانت صرخة تنفجر لتطفو فوق المياه التي يسبح على موجها جسده المثقل بالهواجس والذكريات.


شاعر من سلطنة عمان

16