عبدالأمير التركي مؤسس المسرح السياسي الكويتي ودربه "الزلق"

السبت 2015/10/24
كاتب صنع عالما دراميا أصيلا بسكانه وبيوته وإشكالاته

بروكسل - “أحدُ أبرز نجوم الزمن الجميل، وأحدُ الذينَ قدَّموا المسرح السياسي والاجتماعي بأسلوبٍ ناقدٍ هادف”، هكذا نعَتت نقابةُ الفنانين والإعلاميين في الكويت الكاتبَ والمخرج والمنتِج الكويتي عبدالأمير التركي الذي لقِيَ حتفَهُ عقِبَ حادثِ سير مؤلِم. حادثُ تصادُم أودى بحياةِ الرجل الذي استطاعَ بجهدٍ دؤوب أن يتركَ بصمةً واضحةً في عالم المسرحِ والدراما الكويتية من خلال أعمالٍ خالدة ظلَّت عقوداً طويلةً تتردَّدُ كلماتها عبر الألسن التي ما فتِئت تذكُر حلقاتٍ تلفزيونية وتتابعُها كلَّما عرَضتها المحطاتُ الفضائيةُ والأرضية.

العاصفة

عبدالأمير عبدالصمد تركي حسن التركي كان قد وُلِد في الكويت في أواسط الأربعينات، سبعونَ عاماً عاشَ خلالَها التقلُّبات التي شهدَتها المنطقةُ العربية بعمومِها والخليجية بخصوصِها، فكان شاهدا عليها يأخُذُ منها ما يُناسِب تحويلَهُ عملاً درامياً أو مسرحياً، ليمتازَ بقلمِهِ اللاذِع وقدرتِه على تحريك الشخصيات ناقداً الواقعَ السياسي والاجتماعي والاقتصادي في فتراتٍ متلاحقة.

بدأ حياتَهُ الفنية عملياً حينَ أُوكِلَت لهُ مهمَّةُ كتابةِ حلقات البرنامج الإذاعي “نافذةٌ على التاريخ”، الذي أعادَ من خلالِهِ إنتاجَ التاريخ بصورةٍ جديدة، مُسلِّطاً الضوءَ على أحداث وقعَت في بلادٍ شتَّى، تاركاً في ذهنِ المُشاهِد عِبَراً يمكنُ استخلاصُها للواقع العربي، لتأتي بعد ذلكَ شراكتهُ مع الفنان عبدالحسين عبدالرضا والفنان خالد النفيسي من خلال فيلم “العاصفة” والذي تناولَ فيه التركي قصَّةَ الحياةِ البحرية والارتباط بالبيئةِ المحليَّة لمجتمع الكويت خصوصاً، حيثُ ظهرَ الوالدُ الحكيم كطيفٍ على طريقةِ شكسبير في مسرحية هاملت، ليوصي ابنَهُ الذي فقَدَ أسباب البقاء بعدَ العاصفةِ المطرية التي ضرَبَت الأجواء بالحكمةِ الباقية إلى الأبد، “تسلَح بالعلم والمعرفة وانتصر على العاصفة”.

هذه الجملةُ الأخيرةُ التي انتهى بها فيلم العاصفة الذي استمر ما يقارب 26 دقيقة ليكون من أوائل الأعمال في السينما الكويتية، تختصرُ رؤيةَ عبدالأمير التركي للتعامل مع الازمات، في ظل الإمكانات الفنية التي كانت متاحة في ذلك الوقت والتقنيات المُتَّبَعة عالمياً وعربياً بقدرِ ما أرسى التركي فلسفتَهُ الخاصة للحياة، تلك الفلسفة التي تسيرُ على ساقَين تتمثَّلان في العلم والعمل، فإن فقَدَ الإنسانُ أحدهُما عاشَ حياةً معطوبةً مُشوَّهة، فالأزمةُ عند التركي ليست وليدةَ اللحظة بل هي امتدادٌ تراكُميٌّ أرخى سُدولَهُ للبقاءِ في منطقةِ العاجز، والعاجزُ هنا هو الإنسان غير القادرُ على مواجهةِ العاصفة، العاصفةُ التي أخذت أشكالاً عديدة في غاراتِها المتكرِّرةُ على المنطقةِ العربية عموماً فكانت جغرافيةً وسياسيةً وعسكريةً واقتصاديةً واجتماعية وطائفية.

المجتمع أصل الإبداع

العملُ السينمائيُّ الأول للتركي دفعَ بهِ إلى الأضواء كاتباً خاضَ غمارِ المواجهات الأدبية لإرساء صناعةٍ تلفزيونية جديدة في الكويت التي شهِدَت نقلةً نوعيَّةً كبيرةً عقِبَ اكتشاف النفط، فقدَّم أعمالاً حازَت على متابعةٍ كبيرة من قبل الجمهور لأنَّهُ وازَنَ بين البيئات المتنوِّعة في دولةٍ صغيرةٍ ناشئةٍ مثل الكويت، فتناولَ رحلات الغوص والبحر والحياة البريَّة والصحراوية مُسلِّطاً الضوءَ على تفاصيل الحياة التي تُشكِّلُ في جزئياتِها المجتمع المتعدِّد المتنوِّع تحت سقف الوطن.

عبدالأمير التركي يعتبر مؤسس المسرح السياسي في الكويت، ذلك المسرح الذي يعتمد في جوهره على إرث مشترك بين فئات المجتمع تحكمه المصلحة العامة، وفي غالب الأحيان يكون هذا النوع من المسرح مرآة عاكسة لما لا يمكن أن يقال في المجالس العامة، ليناقش العديد من القضايا سواء كانت سياسية أم اجتماعية أم عسكرية أم اقتصادية

الوطن الذي تعرَضَ لهزَّات عنيفة وأزمات سياسية متلاحقة، أطاحَت مرَّاتٍ كثيرةٍ بالمجلس النيابي الذي خاضَ غمارَ انتخاباتِهِ عبدالأمير التركي مرَّات عديدة دونَ أن يفلَح بالجلوس تحت القبَّةِ التشريعية، فاكتفى بالنقدِ اللاذِع والهجومِ الدائِمِ على من أسماهُم العابثين بأمن الوطن، فنراهُ دائماً في مقالاتِهِ السياسية يشنُّ الحربَ على من يسعى لضربِ استقرار البلاد.

هذهِ المكانةُ التي وصلَها التركي بدأت تأخُذُ شكلَها الحقيقي عقِبَ عرضِ مسلسل “درب الزلق” عام 1977 الذي أرادَهُ كوميديَّاً صادماً يُعرِّي من خلالِهِ الواقعَ المعيش إلى جانب نخبةٍ من نجومِ الصفِّ الأول في الكويت، في ذلك العمل تناول التركي قصَّةَ الأخوين، حسين عبدالرضا، وسعد الفرج، اللذَينِ دخلا عالم الثراء بعدَ أن قامَت الحكومةُ بشراءِ بيتِهِما لأغراضِ التوسعةِ العمرانية والبنية التحتية ومن هنا تبدأ القصة التي امتدت حبكتُها على حلقاتٍ عديدة من خلال مشاريع تجارية فاشلة، من خلال تلك الحلقات التي وصَلت إلى المتلقي بقالبٍ كوميدي طرحَ من خلاله عبدالأمير التركي العقد الاجتماعي في الكويت على الطاولة عبرَ علاقةِ الجيران بالأخوين، وبما حمَلَتهُ حلقات المسلسل الشهير غدا خالداً في الدراما العربية والخليجية وما تزال القنوات الفضائية تعرضُهُ حتى الآن، وبسبب ذلك النجاح أعادَ التركي إظهار الشخصيات التي اجتمعت في حسينوه منفردةً في أعمالٍ أخرى ضمنَ مُتتاليَةٍ سرديةً أسَّسَ لها طويلاً في ميدان الإنتاج الدرامي.

نظريات سياسية

الرجلُ الذي درسَ مراحلَهُ الأكاديمية كلَّها في الكويت قبلَ أن ينتقلَ إلى بريطانيا ليحصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية، وضعَ أصابِعَهُ على المشاكل التي تعترض العملية السياسية ونجاحَها في الكويت فطرَحَ مثلاً نظريَّتَهُ القائمةَ على السماحِ للقبيلةِ بإفرازِ مرشَّحيها لمجلس الأمَّة داعياً إلى عدمِ الاكتفاء بالقوائمِ الحزبية أو قوائمِ التجمُّعات السياسية التي يطرحُها المرشَّحون.

بهذا الفهم رسمَ التركي صورةَ القبيلة وضرورتها من خلال قيامِها بدورِها في مجتمعٍ يقومُ في جوهرِهِ على العلاقات القبيلة تحت علم الوطن، فرأينا نشاطاً واضحاً للكاتب الكويتي في الإعلام المقروء من خلال زاويتين يُطلُّ على قرَّائهِ من خلالهما، “فنجان قهوة” و”نقطة نظام”، هكذا رأى التركي نفسَه معارضاً لكلِّ ما يمسُّ العملية السياسية في الكويت واستخدمَ في سبيل ذلك كل ما يُمكِنهُ من قبيل إنتاجِهِ الأدبي والمسرحي و الدرامي.

يروي عبدالأمير التركي عن شهورٍ قضاها في الكويت تحت الاحتلال، يروي عن رحلاتٍ مكوكيَّة ولقاءاتٍ شبه دوريَة ومظاهرات طيَّارة كانت تخرج في الجابرية ضد الغزو، يحملُ في جعبتِهِ كثيراً من القصص التي لم تُروَ بوصفِهِ شاهدَ عيانٍ على تلك الأحداث التي شكَّلَت في جوهرها إعادةَ تكوين المنطقة ورسم سياساتِها، يختزنُ التركي الذي رحلَ مؤخَّراً أسماء الشهداء ومواقفهم، العقدَ الاجتماعي وتماسكَهُ في الكويت خلال الاحتلال، كل تلك المشاهد تركت في مخيِّلَتِهِ الأدبية جانباً رأى النور في مسرحهِ السياسي الذي مرَّر من خلالِهِ آراءَهُ السياسية ومواقفهُ عبر شخوصٍ أتقنَ رسمَها بصورتِها البشرية القريبة من الشارع، فكانت مسرحيات “هذا سيفوه”، و”مضارب بني نفط” و”ممثِّل الشعب”، و”حامي الديار”، و”حرم سعادة الوزير”، و”حسينوه وفؤاد باشا” وغيرها.

شخصيات "درب الزلق" تعلق بها المشاهدون وأطلقوا أسماءها على من حولهم مثل حسينوه وكحطة

دقت الساعة

الرجلُ الذي ألَمّ بهِ مرضٌ قبيلَ موتِهِ، دفَعَهُ لتلقي العلاجِ أشهراً خارج الكويت، لم يتوقَّف يوماً عن تعاطي العمل في الساحةِ الأدبية والثقافية والسياسية، توقَّفَ حيناً حيثُ لم يجد ما يقولُه ثمَّ عادَ بقوَّةٍ فارضاً كلمتَهُ بسيفِ الإبداع الذي يحمله، ذلكَ السيفُ الذي استلَّهُ مشاكساً ساخراً من الواقعِ ناهلاً من الأحداث المحليَّةِ والعربية والعالمية مادةً دسمةً للقول والحكي ما دفعَ بهِ مراراً إلى ساحةِ الصِدامِ مع الرقابة الفنية التي منعَت عرض “حامي الديار” و”دقَّت الساعة” مراراً، فضلاً عن إيقاف إنتاجِ مسلسل “الاعتراف” ومسرحية” هذا سيفوه”.

يُعتَبَر التركي مؤسس المسرح السياسي في الكويت، ذلك المسرحُ الذي يعتمدُ في جوهرِهِ على إرثٍ مشتَرَكٍ بين فئاتِ المجتمع تحكُمُهُ المصلحةُ العامة، وفي غالب الأحيان يكونُ هذا النوعُ من المسرح مرآةً عاكسةً لما لا يمكنُ أن يُقالَ في المجالس العامة، ليناقِشَ العديد من القضايا سواء كانت سياسيةً أم اجتماعية أم عسكرية أم اقتصادية بقالبٍ يعتمدُ في طرحِهِ على أساسياتِ المسرحِ الكلاسيكي على خشبةٍ يتناولُ من خلالِها الممثِّلون عبرَ نصٍّ مُحكَمٍ الشأنَ المحليَّ، فالفكرةُ المطروحةُ في عمل المسرحِ السياسي هي الأساس وقد تتفوَّقُ غالباً على الأداء التمثيلي وهذا ما أدركَهُ التركي فدفَعَ بنصوصِهِ التي واجهَ بها الرقابة مرَّاتٍ عديدة إلى الصفِّ الأول للفنون التي تتناولُ الشأن العام في الكويت تحديداً، فطرقَ في مسرحياتِه التيارات السياسية والأزمات الاقتصادية والتشكيلات الوزارية المتعاقبة في البلاد.

في الفن الذي قدَمَهُ عبدالأمير التركي نلاحظُ تسرُبَ الشخوص التلفزيونية إلى الشخوص المسرحية وتقاطُعِها زماناً ومكاناً مع شخص الكاتب الذي هو عبدالأمير التركي في نهاية المطاف، هنا يمكِنُ إدراكَ أمرَين، الأول أنَّ التركي يعتمدُ في كتاباتِهِ على ذاكرتِهِ الشخصية وملاحظاتِهِ العامة حيثُ تُلقِي خيالاتُ المجتمعِ بظلالِها على مسرحِ الشخوص عنده، والثاني هو التزامَهُ الخطَّ النقدي كمنهجِ حياةٍ متكامل، فالاعتراضُ عندَهُ هو سبيل الإصلاح وضرورتُه لذلك رأيناهُ مراراً يرفُضُ عروضاً سخيَّةً من مسارح عربيةٍ لتكونَ الخطوةَ الأولى في الأول بينما كان يصرُّ على أن تكون الكويت هي الحاضنُ الأول لمسرحه في إطلالاتِهِ الأولى.

رحلَ عبدالأمير التركي هكذا فجأةً دونَ ترتيبات الغياب، هو الذي عاشَ أزماتِ المنطقة المتلاحقة منذ نكبةِ فلسطين وانتهاءً بالثورات العربية التي كانَ لهُ موقفٌ إشكاليٌّ منها، رحلَ بحادثِ سيَّارةٍ تاركاً وراءَهُ مدرسةً متكاملةً في المسرح والتلفزيون والسينما ليكونَ مُلهِماً لأجيالٍ ستأتي لاحقاً، تتَّخِذُ من خطواتِهِ دليلاً لها في العبور نحو عالم الأدب.

15