عبدالإله بن كيران.. الفيزيائي الذي يثير غضب المعارضة وقلق المغاربة

السبت 2014/01/11
البعض يصف بن كيران بـ "رجل التوافقات"

بعد مرور أكثر من سنتين على وصول الإسلاميين إلى الحكم للمرة الأولى في تاريخ المغرب، يمرّ رئيس الحكومة، عبدالإله بن كيران، بظروف صعبة بعدما فقد حزب العدالة والتنمية الإسلامي أغلبيته الحكومية، وبسبب انتقادات الشعب والمعارضة عدم تفعيل وعود الإصلاح التي تحدثت عنها الحكومة.

لم يكن عبدالإله بن كيران، أستاذ الفيزياء بالمدارس الثانوية المغربية، يظن أن للسياسة أبوابا ومسالك كثيرة، وأن لكل باب حجما محدّدا للدخول والخروج المريح عبره. فعكس التطبيقات المخبرية للتجارب الفيزيائية التي لا تؤمن بالخطإ ولا الكذب، تبقى السياسة “فن المجاملات والكذب” للظفر بتطبيق معادلاتها، وهذا ما لم يكن بن كيران يحسنه، أو يحسبه، في ما سبق، سواء كطالب في الجامعة، أو كمناضل في خندق “الشبيبة الإسلامية”.

لكن عبدالإله، وهو مسؤول حكومي اليوم في المغرب، وحسب رأي خصومه السياسيين، أصبح يحسن كل شيء، حتى أنه “أصبح مراوغا محترفا لا يكثرت بأيّ شيء”.

مسيرة الرجل، الذي ولد يوم 2 أبريل 1954 بحي العكاري الشعبي بالعاصمة الرباط، بدأت منذ انتمائه إلى تنظيم الشبيبة الإسلامية السري بقيادة عبدالكريم مطيع المقيم في لبييا إلى اليوم، وهو تنظيم اعتبر من أشدّ التنظيمات الإسلامية راديكالية في المغرب خلال سبعينات القرن الماضي.

في لحظة طارئة انفصل عبدالإله بن كيران عن تنظيم مطيع، وأسس “جمعية الجماعة الإسلامية ” رفقة أسماء أخرى منها سعد الدين العثماني ومحمد يتيم وآخرون، وذلك بعد تجربة اعتقال أواسط السبعينات بتهمة الانتماء إلى جماعة محظورة.

قرر بن كيران مع قيادات جمعية الجماعة الإسلامية الخروج إلى العمل العلني، وكان اختيار اسم “حركة الإصلاح والتجديد”، التي أسست أواخر الثمانينات، وتبنت أفكارا أكثر اعتدالا تجاه النظام الملكي، لتستقطب مناصرين وأعضاء جددا وتشرع في حوار مع مكوّنات إسلامية أخرى بغية “توحيد الصفوف”.

وصل الإسلاميون للمرة الأولى في تاريخهم إلى رئاسة الحكومة المغربية نهاية 2011 بعد فوزهم في الانتخابات البرلمانية التي تلت تبني دستور جديد في يوليو من السنة نفسها

بيد أن تطلعات عبدالإله بن كيران لم تكن فقط تطلعات تنظيمية، من خلال التقريب بين مكونات من الساحة الإسلامية، بل سعى إلى فتح باب العمل السياسي الرسمي، من خلال مبادرته لتأسيس حزب التجديد الوطني.

وعلى النقيض من جماعة العدل والإحسان التي اختارت العمل السياسي من خارج الحقل السياسي الرسمي، أعاد بن كيران الكرّة من جديد من خلال بعض الشخصيات التي تحظى بثقته مثل عبدالكريم الخطيب.. وهكذا سعى بن كيران إلى فتح حركة التوحيد والإصلاح على العمل السياسي من خلال حزب قديم كان يديره المقاوم عبدالكريم الخطيب، هو حزب “الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية” الذي سرعان ما غيّر اسمه بعد انضمام الإسلاميين إليه ليصبح “حزب العدالة والتنمية” الذي فاز بالانتخابات التي أهلت بن كيران لرئاسة الحكومة المغربية الحالية.

ويعتبر بن كيران شخصية مثيرة للجدل، اتهمه البعض بالتساهل مع الدولة والعمالة للنظام من أجل السلطة. ويبرر مؤيّدوه تلك الاتهامات بأنها نتاج نمطه المؤسسي للقيادة، والإسراع بالحركة نحو أفكار ومبادرات متقدمة وصعبة، ونزع الفتيل بين الحركة الإسلامية والدولة. وهو شخصية براغماتية، إلى حّ ما، ويتمتع بشعبية مريحة نسبيا تمكنه من مواجهة خصومه. فبالنسبة لابن كيران “نحن نتفاوض برويّة وإذا تيّسرت الأمور سنكوّن الحكومة، وإذا لم تتيّسر فسألجأ إلى جلالة الملك الذي له واسع النظر، وحزب العدالة والتنمية مستعدّ لكافة الاحتمالات”.


تاريخ مليء بالصراع


حسب المتتبعين لمسار عبدالإله بن كيران، فإن اسمه يجرّ وراءه تاريخا مليئا بعناوين الصراع والمواجهات التي انتهت بالمصالحة مع الدولة، وذلك ما يشترك فيه بن كيران مع أسماء سبقته في الوزارة الأولى كالاشتراكي عبدالرحمن اليوسفي الذي جيء به من منفاه بفرنسا إلى العاصمة الرباط ليشرف على تدبير الشأن المغربي في حكومة “التناوب التوافقي” الذي جلس فيه المعارض اليوسفي إلى طاولة التفاوض مع العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني.

بدا زعيم العدالة والتنمية منتشيا بالفوز الباهر الذي حققه حزبه في انتخابات تلك الجمعة، وبرقت عيناه لأول حكومة سيقودها حزبه بعد انتظار طويل، فالانتظار لم يدم طويلا هذه المرة، ولم تنجح القوى الخفية داخل الدولة، كما يصفها بن كيران، في العبث بصناديق الاقتراع مثل عهد وزير الداخلية الراحل “القوي” إدريس البصري. فمن حسن حظ عبدالإله بن كيران تزامن فوز حزبه مع بداية العهد الجديد في المملكة المغربية الذي سيقوده العاهل المغربي محمد السادس، “ملك الوضوح والشفافية”، كما يصفه المراقبون المتابعون لشؤون المملكة.

عبدالإله بن كيران
من مواليد سنة 1954، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي منذ 20 يوليو 2008. قاد الحزب لتصدر نتائج الانتخابات التشريعية (25 نوفمبر 2011) بحصوله على 107 من مقاعد مجلس النواب وقيادة التحالف الحكومي، وتمّ تعيينه من طرف الملك محمد السادس رئيسا للحكومة المغربية الثلاثين منذ استقلال المغرب سنة 1956.

كما أن الأقدار لعبت دورها في أن يأتي النصر “الكيراني” في سياق ربيع عربي أينعت وروده ليقطفها الإسلاميون في تونس والمغرب وغيرهما من الدول العربية الأخرى، تلك الورود ذات الأشواك الحادة التي سرعان ما امتصت رحيق يناعتها طموحات جماعة الإخوان المسلمين، التي يدين بن كيران بإيديولوجيتها.

لقد حصد حزب العدالة والتنمية الإسلامي، الذي يتزعمه عبدالإله بن كيران، ما يزيد على ربع مقاعد البرلمان ليظفر بالأغلبية، وهو فوز حتى وإن انتظره الكثيرون من أتباع الحزب ذي المرجعية الإسلامية، غير أن لا أحد توقع أن يكون كاسحا بهذا الحجم، لتتوالى تصريحات زعمائه، تحيي “السير الديمقراطي” الذي طبع الانتخابات في المغرب وتشكر المواطنين على ثقتهم في الحزب ومناضليه.

وقد وصفه البعض برجل التوافقات، والدليل أنه استطاع أن يوافق إلى حدّ بعيد بين التقارب مع الملك وبين كسب أصوات جزء مهمّ من الشارع. في آخر تصريحاته للصحافة قال بن كيران “الحزب فضل أن لا يغامر باستقرار المغرب والخروج إلى الشارع ومال إلى قاعدة ذهبية تبنى على الحفاظ على الاستقرار والملكية والمطالبة القوية بالإصلاح”.


استراتيجية المواجهة


لم ينتظر بن كيران الإعلان عن نتائج الانتخابات ليبدأ هجومه على “الخصوم”، بل إنه شرع في ذلك مبكرا، منذ أن استلم قيادة “حزب العدالة والتنمية” في المؤتمر السادس من خلفه سعدالدين العثماني، الذي سيحمل حقيبة وزارة الخارجية والتعاون في الحكومة الأولى ثم سينزعها منه بن كيران ليسلمها لزعيم حزب التجمع الوطني للأحرار؛ صلاح الدين مزوار، في ما غدا يعرف بالنسخة الثانية لحكومة بن كيران، وسيبرر مناضلو “العدالة والتنمية” ذلك باسم “التضحية لأجل مصلحة الوطن” وهي في الأصل مصلحة ممارسة الحزب للحكم.

يقول المراقبون إن إسلاميي “العدالة والتنمية” اختاروا عبدالإله بن كيران لزعامة الحزب خلفا لسعدالدين العثماني، لقوته على المواجهة، ولقدرته الدخول في ضراوة المعارك التي أعلنتها الدولة لسنوات منذ تفجيرات 16 مايو 2003 التي اتهم الحزب فيها بعدم الوضوح الإيديولوجي الكافي في علاقته بالسلفيين الجهاديين، وبالمسؤولية المعنوية عن أحداث 16 مايو لدرجة كاد معها الحزب أن يحل لأسباب أمنية.

من حسن حظ عبدالإله بن كيران تزامن فوز حزبه مع بداية العهد الجديد في المملكة المغربية

في نظر المراقبين، كان على “حزب العدالة والتنمية” أن ينتقل، بفعل توالي الضربات التي تلقاها منذ أحداث 16 مايو إلى آخر انتخابات تشريعية في 2007، والتي اتهم فيها الدولة بتأجيل انتصاره، من استراتيجية البحث عن التوافقات، التي جسدتها قيادته السابقة، إلى استراتيجية أخرى تحمل معالم المواجهة، التي يجسدها زعيمه الحالي عبدالإله بن كيران.

ابن كيران طمأن الجميع، كما فعل دائما، الداخل والخارج، النساء والرجال، وقال إن “حزب العدالة والتنمية” لم يأت لفرض الحجاب على النساء أو للتدقيق في الأمور الشخصية للمغاربة، بل جاء ليعالج مشكلات أخرى -أكبر من ذلك بكثير- توجد تفاصيلها في الاقتصاد والمجتمع ووضع البلد وترتيبه بين الأمم والدول.

هي تطلعات كبرى، ووعود كثيرة انتظر المغاربة أن يفي بها بن كيران وحكومته، لكن حكومة “العدالة والتنمية” في نسختها الأولى والثانية فشلت في تحقيق الالتزامات وأثارت انتقادات المعارضة وقلق المراقبين، خاصة بعد أن خرجت المظاهرات الشعبية ضدّ غلاء المعيشة وبرزت الكثير من مظاهر الاحتقان ضدّ الحكومة التي خيبت آمال ناخبيها.

وترتبط الانتقادات أساسا بغياب تفعيل وعود الإصلاح الاجتماعية المستعجلة التي تحدثت عنها الحكومة. واعتبرت يومية “ليكونوميست” المقربة من أوساط رجال الأعمال المغاربة، في افتتاحيتها بداية الأسبوع، أنه منذ نهاية 2011 “تميّز العمل الحكومي بغياب المهنية والدقة”.

وإضافة إلى انتقادات وسائل الإعلام والمعارضة، تعرضت الحكومة إلى ضربة أخرى في 20 أغسطس، خلال خطاب العاهل المغربي الملك محمد السادس، تركزت انتقاداته لما يشهده قطاع التعليم. ومما جاء في الخطاب قول الملك محمد السادس إنه “من غير المعقول أن تأتي أي حكومة جديدة بمخطط جديد كل خمس سنوات، متجاهلة البرامج السابقة علما أنها لن تستطيع تنفيذ مخططها بأكمله، نظرا لقصر مدة انتدابها”.

ومنذ انسحاب حليفه، حزب الاستقلال، من الحكومة الأولى، دخل “حزب العدالة والتنمية” في خلاف حادّ مع كثير من أحزاب المعارضة، وعلى رأسها ثاني أكبر مكوّن للأغلبية، حزب الاستقلال برئاسة حميد شباط، على خلفية ما اعتبره الاستقلاليون انعدام الحوار الاجتماعي والعمل الانفرادي دون التشاور مع التحالف الحكومي.

وفي أحدث مواجهة بين الطرفين، رفع حزب الاستقلال شكوى إلى وكيل الملك بمحكمة النقض بالرباط، ضدّ رئيس الحكومة موضوعها السب والقذف وعدم الإشعار بجناية مرتكبة، وذلك على خلفية تصريحات أدلى بها بن كيران أخيرا أمام البرلمان واتهم فيها قياديين سياسيين بتهريب أموال إلى خارج المغرب وامتلاك شقق في الخارج.

وكان بن كيران قد هاجم بشكل غير مباشر مسؤولين في معرض ردّه في 31 ديسمبر الماضي على أسئلة النواب. وقال حسبما أوردت الصحف المحلية إنه “لا يتلقى دروسا من مسؤولين ملاحقين لحيازة شقق بطريقة غير مشروعة في باريس".

وهو تصريح من المنتظر أن تكون له تداعيات كبرى على الساحة السياسية المغربية، في الأيام القليلة القادمة، خاصة بعد أن انتقلت أطوار الصراع السياسي بين حليفي الأمس، حزب الاستقلال المعارض ورئيس الحكومة عبدالإله بن كيران، بعد سجال سياسي عرفته الساحة المغربية بينهما قبل وبعد انسحاب وزراء حزب الاستقلال من الحكومة الأولى، إلى حلبة القضاء.

وفي ظل ظروف حرجة تهدّد استمرارها، إثر موجة الاحتجاجات الشعبية وانتقادات المعارضة وفشل الحكومات الإسلامية في بلدان مجاورة، يجد بن كيران نفسه أمام امتحان عسير لاستعادة ثقة القصر والشعب والنخبة السياسية، خاصة وأن الظروف الإقليمية، كما قال المحلل السياسي المغربي، محمد الطوزي “لا تلعب لصالح حزب العدالة والتنمية، لأنها تجبره بشكل غير مباشر على تجنب اعتماد خطاب الشرعية على أساس نتائج الانتخابات” كما حصل في مصر وتونس، حيث كانت النهاية سقوط نظام الإسلاميين.

13