عبدالإله بن كيران بين الانتقام والإفشال

الخميس 2017/09/14

وجد رئيس الحكومة الحالي سعدالدين العثماني نفسه في حرج مع حلفائه بعدما رفض عبدالإله بن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية التوقيع على “ميثاق الأغلبية” بين الأحزاب الستة المكونة للائتلاف الحكومي الحالي لتسهيل تدبير الشأن العام وتيسير عملها.

ميثاق لا يخرج عن ذاك الذي وقعه بن كيران في ديسمبر 2012 بعد تكليفه برئاسة الحكومة من طرف العاهل المغربي، والذي ارتكز آنذاك على أربعة محددات للعمل الحكومي، وهي التشارك في العمل والفعالية في الإنجاز والشفافية في التدبير والتضامن في المسؤولية.

ورغم أن حكومة بن كيران الأولى والثانية تعثرتا في العديد من المحطات وانخرط كل مكوناتها في الإخلال بما تم الالتزام به في غياب التنسيق والانسجام إلا أن عبدالإله بن كيران كان حريصا على أن يتمسك برئاسة الحزب والحكومة بدعوى المحافظة على الاستقرار.

إصرار بن كيران على تواجده على المسرح السياسي المغربي بعد إعفائه من تشكيل حكومة ما بعد 2016 لفشله في إقناع بعض الأحزاب الدخول في ائتلاف تحت قيادته، نلمسه من خلال توجيه بندقيته نحو إفشال الحكومة الحالية بالامتناع بقوة عن التوقيع على ميثاق الأغلبية التي يقودها حزبه.

نعتبر رفض الأمين العام للعدالة والتنمية له أسباب سياسية ونفسية، وهذه الأخيرة تشكل الزاوية الأكبر من القصة، فبن كيران لم ينس أنه مانع دخول الاتحاد الاشتراكي للحكومة وأقسم على ذلك، ورغم ذلك نقض خلفه العثماني هذا التوجه وها هو حزب إدريس لشكر ضمن الائتلاف الحكومي.

برفض بن كيران التأشير على ميثاق الأغلبية فهو يحاول الضغط بوسائله للبقاء لولاية ثالثة على رأس الحزب، وهو يخشى إن وقّع على الوثيقة أن يحدث له انقلاب داخل قواعد الحزب وبعض قياداته التي ترى فيه الزعيم المقاوم لما أسماه “التحكم” والحامي لوحدة الحزب واستقلاليته.

الواقع أن بن كيران لم يستوعب بعد إبعاده من تشكيل الحكومة واعترف بنفسه أنه عاش أزمة نفسية كبيرة إثر ذلك القرار. فهل يمكن القول أنه يحاول رد بعض الاعتبار لشخصه بعرقلة التوقيع على الميثاق؟ الواقع أن هذه الفرضية قد تكون حاضرة في مستوى معين من قرار الامتناع. لكن المعروف عن بن كيران مناوراته الكبيرة وحسن اختياره أوقات معينة للضغط والمساومة.

الأمين العام للعدالة والتنمية لا يريد الخروج من الساحة السياسية في هذه الظروف، فكل المؤشرات تؤكد أن الحزب يعيش منذ انتخابات السابع من أكتوبر 2016 على وقع هزات متتالية وحروب باردة يمكن أن تؤدي إلى تفتيته أو على الأقل خلق تيارات داخله تنهك قوته.

تعطيل بن كيران لميثاق الأغلبية بعدم التوقيع عليه يريد أن يؤكد من خلاله أنه الممسك بمفاصل حزبه، وأن تعديل القانون الداخلي للسماح له بالاستمرار على رأس الحزب إمكانية على الطاولة بدعم من القواعد. لا ننكر أن بن كيران كان ظاهرة سياسية وتواصلية طبعت الفترة الماضية معتمدا على شعبوية مفرطة، لكن توجه الدولة بعد نتائج الانتخابات الماضية أصبح لا يستسيغ الخطاب الشعبوي ويتجنب المجازفة في التسامح مع من يتبناه لكلفته الكبيرة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.

هناك من يقول داخل العدالة والتنمية وخارجها بأن على بن كيران أن يتقاعد سياسيا لكونه أدى مهمته السياسية وانتهى دوره داخليا وحتى المتغيرات الجيوساسية الخارجية إقليميا ودوليا لم تعد تسمح باستمراره، لكن هذا الأخير له رأي آخر، فهو يناور بعدة أوراق من ضمنها الأمانة العامة للحزب للبقاء أطول مدة ممكنة.

عدم توقيع بن كيران على ميثاق الأغلبية الحكومية يحرج الجناح المعتدل داخل حزبه بالدرجة الأولى، ويحاول من خلال هذا التصرف الضغط على العثماني لإخلاء الجو لجناح بن كيران في المؤتمر الوطني الثامن كي يقرر ولاية ثالثة لبن كيران ومحاولة هذا الأخير إبراز أنه لا يزال يمتلك هوامش من الحركة والتأثير.

في الوقت الذي تريد قواعد العدالة والتنمية التمديد لبن كيران كشخصية مقاومة للتنازلات من خلال تعديل المادة 16 من القانون الداخلي للحزب، تم إخراج ورقة ضغط مقابلة لحزب الأصالة والمعاصرة المعارض الأول للعدالة والتنمية، وذلك بتوقيع 60 من أعضاء حزب الأصالة والمعاصرة بفرع تطوان على نداء تحت عنوان “أرضية من أجل الديمقراطية والحداثة والمحاسبة”.

اعتبر هؤلاء في ندائهم أن إلياس العماري الأمين العام المستقيل أكفأ شخصية سياسية وتنظيمية في الحزب وشخصية وطنية، وتمنوا أن تكون استقالة العماري هذه مجرد لحظة تنظيمية وسياسية في تاريخ الحزب، ويستمر الأمين العام في مهامه إلى النهاية.

هناك من يشدد على أن بن كيران والتيار الداعم له إعلاميا وسياسيا يساهمان في التأثير السلبي بطرق متعددة على الحكومة لعدم إكمال ولايتها وذلك بإبراز سلبياتها خلال 100 يوم من تدبيرها وإظهار التناقضات المرجعية والأيديولوجية وفي تنافر وجهات النظر في العدد من الملفات بين مكوناتها.

المثير أنه في لقاء لأحزاب الأغلبية الحكومية نُظم في الـ11 من الشهر الجاري، بالرباط لتقديم حصيلة أربعة أشهر من العمل الحكومي، انتقد العثماني من يراهن على تفجير تلك التناقضات بقوله إنه “سيخيب ظنهم اليوم وغداً ومستقبلاً”. فهل يا ترى يرد على ذلك التيار من داخل حزبه؟

هذا ما تبدو عليه الصورة خصوصا مع تأكيد العثماني أن ظاهرة بن كيران لا تلهيه عن عمله داخل الحزب والحكومة، بإشاراته الدبلوماسية إلى أن “لدي أسلوبي الخاص في العمل، وأحاول قدر الإمكان أن أعمل أكثر، خصوصاً في المشاريع الكبرى”.

دبلوماسية العثماني في التواصل جعلته يؤكد، رغم وجود ما ينفي ذلك بمواصلة الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، مقاطعة كل اللقاءات التي عقدها زعماء أحزاب الأغلبية، بأن بن كيران ليس معارضا لتوقيع ميثاق الأغلبية الذي سيساهم في تحقيق التقائية العمل الحكومي. وتأكيده على أن اختيار بن كيران أمينا عاما لولاية ثالثة لا يشكل لديه مشكلة و“لن يضرني في شيء ولن يمنعني من الاستمرار، لأن وصولي إلى رئاسة الحكومة نال مصادقة المجلس الوطني بالإجماع”. أي أن بن كيران ليس له فضل في تواجد العثماني على رأس الحكومة ولن يستطيع زحزحته منها وهذا التصريح يؤكد فرضية حرب خفية بين الرجلين.

كاتب مغربي

9