عبدالجليل الشققي الذي قال للموت: لا

الأحد 2014/09/07
لوحة قيامة المدينة الشهيدة: تشكيل مستقبلي يستلهم الماضي الأليم

عبدالجليل الشققي ابن مدينة حماة، التي ولد فيها عام 1979، وابن مؤسسة الهلال الأحمر السوري، التي عمل فيها مدة أربعة عشر عاما. هو الشاب السوري الذي حلم بالدراسة في كلية الفنون الجميلة بدمشق، لكن سياسة التعليم العالي في سوريا حرمته من حلمه، فدرس الأدب الإنكليزي، وتخرج في جامعة حمص (هو يرفض تسميتها جامعة البعث)، تابع بعدها الدراسة بمجال العلاقات الدولية والدبلوماسية.

"العرب” التقت الفنان، على هامش معرضه التشكيلي الثالث في مسيرته والأول في عمان، وأجرت معه حوارا حول علاقته بالفن التشكيلي، وعن علاقته بالثورة السورية، وطبيعة عمله على الأرض في سوريا، قبل الثورة السورية وأثناءها.

قبل أن يتمكن من تقديم بحث التخرج، اضطر الشققي إلى الخروج من سوريا في الشهر التاسع من عام 2011. بعد أن عادت قوات النظام السوري إلى مدينته حماة، التي كان، ومنذ بدء الحراك الشعبي في سوريا، يقضي إجازاته فيها، إجازات دأب على تسميتها بإجازات الحرية.


التجذر في الوطن


منذ تخرجه في الجامعة، وحتى خروجه من سوريا، أي على مدى أربعة عشر عاما، عمل عبدالجليل الشققي في مجال إدارة الكوارث والدعم النفسي، ضمن برنامج “تنسيق الشباب المتطوعين بسوريا” التابع للهلال الأحمر السوري، في إطار برامج “المنح الصغيرة مع الصليب الأحمر الدنماركي”، التي كانت تعطى له بكل فروعه، وتستهدف المواطن المحلي أو الفئات الأشد ضعفاً. وكان من خلال عمله هذا متواجدا في أربع عشرة محافظة سورية، وهذا ما جعله متجذرا في سوريا بكل بقاعها، مدنا وأريافا.


معارضة وموالاة


يؤكد الشققي أنه من المعروف عن كوادر الهلال الأحمر السوري، وبناء على التصنيفات التي دخلت مجتمعنا ما بعد قيام الثورة، يتوزعون بين مؤيدين ومعارضين للنظام. ويضيف: “أحمد الله أن نسبة 90 بالمئة ممن أعرفهم هم معارضون للنظام الحالي".

الشققي أغاث عديد المدنيين السوريين

ولا يستبعد الفنان أنه يمكن إسقاط هذه النسبة على مجمل المجتمع السوري، ويستشهد بحادثة من الحوادث الكثيرة التي جرت معه، والتي يتذكرها لحظات الإحباط ليشحن نفسه بجرعة من الأمل، مستذكرا: “كنت ضمن فريق عمل في محافظة السويداء، ودخلت إلى محل لبيع الفطائر، فسألني البائع من أين جئت، أجبته من حماة، التي اندلعت فيها الثورة حينها، فما كان منه إلا أن رفع لي إشارة النصر، قائلا “الله محيي حماة”، ولا ننسى أننا نتكلم عن محافظة السويداء، التي يعتبرها النظام محافظة موالية ومؤيدة له".

حول طبيعة عمله، ولمدة ستة أشهر قبل خروجه، على الأرض وفي ميدان الثورة السورية، يتذكر الشققي أنه عندما بدأت المظاهرات في سوريا، كان الأهم بالنسبة إليه هو الحالة الإنسانية والنفسية في المجتمع السوري. فكان دوره التدريب على الإسعافات الأولية، وهذا ما مارسه على العلن في شوارع حماة، وخاصة في الأسابيع الخمسة، التي انسحب خلالها الأمن بشكل واضح من المدينة، وخرج الناس إلى الشوارع فرحين لاعتقادهم أن النظام سقط لا محالة. لكن هذا الأمر جعله هدفا مكشوفا للنظام وأجهزته الأمنية، ما اضطره إلى مغادرة سوريا، والتوجه إلى الأردن، خاصة بعد أن تم اعتقال مجموعة من أقربائه، وبعضهم ما زال مجهول المصير إلى الآن.


بناء مجتمع


عبد الجليل الشققي ابن الثورة، لأنه ابن الشارع الذي خرج وقال للنظام “لا”، حرص خلال وجوده في عمان على وضع خبراته التدريبية والفنية والتطوعية، التي اكتسبها على مدى أربعة عشر عاما في منظمة الهلال الأحمر السوري والمؤسسات المتعاملة معه، على وضع هذه الخبرات بخدمة الثورة، فساهم في تأسيس مجموعات تطوعية، تعمل مع اللاجئين السوريين على الأراضي الأردنية في مجال الإغاثة والدعم النفسي، وبناء الفريق من مبدأ ضرورة بناء مجتمع سوري مقابل المجتمع الذي يهدمه النظام، لتكون هذه المجموعات، وبحسب تعبير الشققي الجهة المعاكسة والرافعة الإيجابية لسوريا المستقبل.

بعد سنوات حافلة بالعمل في أكثر من مجال، وعلى أكثر من صعيد، يجد الشققي نفسه وحيدا وبعيدا عن وطنه سوريا، عمّا يقوم به ليستطيع البقاء على قيد الوجود ماديا ومعنويا، يوضح أنه عمل لفترة ضمن مكتب الائتلاف في مجال الإغاثة وإدارة الكوارث، ولكن المشكلة أنه لم يجد نفسه ضمن قالب سياسي، بعد أن عمل لسنوات عديدة ضمن قالب اجتماعي. فكان من الصعب عليه الانتقال من الحالة الاجتماعية إلى الحالة السياسية، أي من المفتوح إلى المغلق، أو من اللامحدود إلى المحدود.

ويضيف: “أنا كفنان لا أرغب في الانتماء إلى حالة سياسية محددة، لأنني أعتقد أن الشباب السوري، بكل أطيافه، بدأ بنشر حالة سياسية خاصة أوسع من الانتماءات الضيقة، انتماؤها الوحيد إلى سوريا بكامل ترابها وجغرافيّتها وقضاياها واحتياجاتها".

عبد الجليل الشققي: التجول في الأحياء الشعبية بحثا عن وجه او حالة لإبداع لوحة إنسانية

ينتمي عبد الجليل الشققي إلى عائلة، لم يكن لها أي انتماء سياسي، لكن النظام السوري في العام 1982 وسمها بالانتماء إلى الإخوان المسلمين، وفي ليلة واحدة من ذلك العام أعدم النظام اثنين وعشرين من شباب عائلته وأطفالها. مما اضطر والديه للهروب باتجاه المملكة العربية السعودية، التي قضى فيها شبابه، هناك، وفي تلك الفترة، بدأت تنكشف مواهبه التشكيلية، إذ يتذكر أنه عندما كان في مرحلة التعليم الابتدائي، كان يرسم، معتقدا أن جميع الأطفال في سنه يستطيعون الرسم مثله، إلا أن مدرساً مصري الجنسية، هو من لفت نظره إلى اختلاف ما يرسمه، وقام بمتابعته.

يضيف قوله: “تابعت نفسي خلال سنوات الدراسة، ثم عدت رفقة عائلتي إلى سوريا عام 1996. أكملت دراستي الثانوية، ومن ثم تقدمت ثلاث سنوات متتالية للدراسة في كلية الفنون الجميلة، ولكنه لم يقع قبولي. كان لي مجموعة من الأصدقاء الذين أتشارك معهم هذه الموهبة، فكنا نقصد الأحياء الشعبية، ونرسم الحالات والتكوينات البشرية، ونرصد الأوضاع الاجتماعية، كما كنا نحاول بناء أنفسنا في الفن التشكيلي بشكل أكاديمي، فنقرأ الكتب، ونقيم المحاضرات حول المدارس الفنية والقواعد في الفن، إلى أن قررنا أنه لا بد من الانتقام الإيجابي ممن مزق أحلامنا".

أقام الشققي رفقة أصدقائه أول معرض تشكيلي مشترك عام 2004 في حماة، ومن ثم، في عام 2005، أقاموا معرضهم الثاني في مدينة حلب. وها هو الآن يقيم معرضه الخاص الأول، في عمّان بالأردن، والذي يضم لوحات كان قد رسمها في سوريا على مدى سنوات طويلة بتقنية الحبر، التقنية الأقرب إلى أسلوبه في التعبير، حسب رأيه، إضافة إلى ما أنجزه في عمّان من لوحات بنفس التقنية، وأخرى بتقنية الإكريليك.


الفن والإغاثة


هذا المعرض كما صرح الفنان يبحث من خلاله عن فرصة للانتقال إلى بلد آخر بهدف تقديم ما يستطيع لمجتمعه السوري، الذي أصبح بين مشرد ولاجئ في مختلف أصقاع الأرض، ضم ما لا يقل عن أربعين عملا فنيا. وقد لقي افتتاحه إقبالا كثيفا يعزى بداية إلى شبكة العلاقات الاجتماعية التي أنشأها الشققي، إضافة إلى تميز ورقي وخصوصية الشكل الفني الذي قدمه، مما حدا بإدارة الصالة إلى تمديد فترة المعرض، من خمسة عشر يوما إلى شهر كامل.

يذكر أن الشققي توافق مع إدارة صالة العرض على أن تكون القيمة المادية للوحة محددة وفق الحد الأدنى، الذي يحافظ على قيمتها المعنوية، حيث تراوحت أسعار اللوحات بين مئة وألف دولار أميركي كحد أقصى. على أن يتم تخصيص يوم بيع لصالح فريق “غار”، الذي أسسته مجموعة من الشباب المثقّف السوري، وهو فريق إغاثي، يعمل في مجال التعليم ضمن مجتمع اللاجئين السوريين في الاردن.

16