عبدالحق المريني الحارس الأمين للبروتوكول الملكي

المؤرخ المغربي ابتعد عن الأضواء، مثل نهج الكبار الذين يشتغلون في صمت، ولكن بإرادة حديدية لاكتساح التحديات والعراقيل جعلت منه المتتبع الصبور والذكي لمجريات الأمور.
السبت 2018/09/01
مفكر ومؤرخ مغربي يصغي إلى عراقة مهمته

هو ابن دار المخزن المركزية التي ترمز، في العرف الشائع، إلى القصر الملكي بالرباط نظرا لرمزيته السياسية والتاريخية. خبر أروقته وممراته، وعرف من أسراره الكثير ومن رجالاته عددا كبيرا ممن لم يعودوا في المشهد.

متوسط القامة أنيق المظهر صارم الملامح جاد ومحافظ، كلها صفات رجل دولة من الطراز الرفيع تجتمع في شخصيته كل ملامح الثقة في حمل مسؤولية المحافظة على الطقوس والتقاليد وتقاطعات التاريخ والحاضر.

حفيد الأمين ومؤرخ المملكة

تعامله الراقي مع الأدب والفكر يقف وراء قرار المريني إهداء خزانته للمكتبة الوطنية لتقوم شقيقته أمينة المريني أرملة الراحل المهدي المنجرة بدورها بالأمر ذاته
تعامله الراقي مع الأدب والفكر يقف وراء قرار المريني إهداء خزانته للمكتبة الوطنية لتقوم شقيقته أمينة المريني أرملة الراحل المهدي المنجرة بدورها بالأمر ذاته

نشأ عبدالحق المريني الذي ولد سنة 1934 بالرباط، في بيت محافظ جدا، ونسخ القرآن بيده على مدى 4 سنوات، تلقى أيضا دروسا في اللغة العربية بالبيت. وينتمي المريني إلى عائلة مخزنية عريقة أهلته ولوج ثانوية مولاي يوسف، المحاذية للقصر العامر بالرباط حيث يرتادها أبناء كبار القوم والدولة، ليحوز بعدها على إجازة في الآداب من كلية الآداب بالرباط في العام 1962، ثم ينال دبلوم الدراسات العليا من معهد الدراسات العربية والإسلامية العليا بجامعة ستراسبورغ الفرنسية.

نشأته بحي “لكَزا” بالمدينة القديمة في العاصمة الرباط جعلته يحتك عن قرب بأبناء الشعب، تلميذا ومعلما للغة العربية ثم مادة التربية الوطنية بعد ذلك، لكن غلبة الرغبة في استعادة ما كان لأسلافه من حظوة ومسؤولية داخل القصر الملكي لم تغب عن ذهنه لحظة واحدة، ولهذا وحتى لا تجرفه السياسة وهمومها كان المريني منغمسا في سلك الطريق أكاديميا فحصل على درجة دكتواره الدولة في الآداب عن موضوع «شعر الجهاد في الأدب المغربي»، في العام 1989 بجامعة محمد بن عبدالله في فاس، بمعنى أن اهتمامات الرجل الأدبية لم تلغ تعميق اهتمامه بتاريخ الدولة المغربية السياسي والعسكري.

 ويعتبر المريني سليل خدام دار المخزن فهو حفيد الأمين محمد المريني الذي تقلب في عدة مناصب “مخزنية” في عهد السلطان المولى يوسف، حتى وصل إلى رتبة “أمين الصيار” بدار المخزن، بمعنى المسؤول عن مالية القصر الملكي.

وكان أول احتكاكه الرسمي بدار المخزن، عندما تم تعيينه سنة 1965 ملحقا بمديرية التشريفات والأوسمة، واستمر في المنصب حتى حدود العام 1972، ليثبت كفاءته في قواعد البروتوكول الملكي وملحقاته ما جعل القائمين على أمور القصر الملكي يقررون تعيين المريني مكلفا بمهمة في وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة، حتى عام 1998، حيث عين مديرا للتشريفات الملكية والأوسمة.

المريني بكل مكنونات تفاصيل الحياة داخل القصر جعلته خبيرا في التاريخ السلطاني ليتم تكليفه بمهمة “مؤرخ المملكة” في العام 2010، وعن هذه المهمة يقول جامع بيضا، مدير الأرشيف الوطني للمملكة، إن “مؤرخ المملكة” ليس من مهامه أن يحلل الأنشطة الملكية، فهو يعتبر ذاكرة للمملكة، يجمع محتواها ويحفظه.خلف المريني الجنرال مولاي حفيظ العلوي وزير القصور الملكية والتشريفات والأوسمة السابق الذي توفي في العام 1989، في وظيفة ذات حساسية في النظام المؤسساتي المغربي، حيث الالتزام بقواعد البروتوكول والإلمام بحيثياته وتاريخه، ومن بين المهام الموكولة للمريني الحفاظ عليها والوقوف على حرفية تطبيقها، لكون البروتوكول الملكي كان وسيظل، بروتوكولا، وكما يقول الملك محمد السادس في إحدى لقاءاته الصحافية “إن لذلك البروتوكول المغربي خصوصيته وأنا حريص على المحافظة على دقته وعلى كل قواعده، إنه إرث ثمين من الماضي”. ويضيف العاهل المغربي أنه “يجب على البروتوكول أن يتماشى مع أسلوبي، لقد ولدت وترعرعت ضمن هذه التقاليد البروتوكولية، وهي تمثل جزءا لا يتجزأ من كياني، وخاصة من حياتي المهنية التي تظل هذه التقاليد مقرونة بها”.

وباعتبار أن كل ما يتعلق بالبروتوكول يبتّ فيه الملك، فقد وعى المريني هذه الميزة، ما جعله يحيط بتفاصيل مهنته بالكثير من الدقة والحرص الشديدين وذلك لخصوصيات البروتوكول الملكي سواء المرتبط بمراسيم البيعة وطقوس خروج الموكب الملكي في عيدي الفطر والأضحى والاحتفال بليلة المولد النبوي أو مراسيم الدروس الحسنية واستقبال السفراء، ويقول المريني إنه “من نافلة القول، التأكيد أن مهام رجل يعمل بالبروتوكول، ناهيك عن المسؤول عنه في بلد مثل المغرب، تجعله يزن كلامه ليس فقط من ذهب بل من لسعات الحذر”.

مهنته البروتوكولية لا محل فيها للخطأ ولهذا يكون الإعداد يطبعه التأني والصبر والإحاطة بكل المتغيرات سياسية كانت أم اجتماعية أم ثقافية وغيرها، كل هذا تشربه من مرافقة سلفه الجنرال عبدالحفيظ العلوي لما يقرب من عشرين سنة، أضاف إليها من خبرته وتمرسه واطلاعه على كل ما يتعلق بالآداب السلطانية وخصوصيات النظام والمجتمع المغربي.

كان المريني المساعد الأول للجنرال حفيظ، ومنذ اللحظة التي أصبح فيها مديرا للتشريفات الملكية قرر أن يختلف عن سيرة معلمه الرجل الذي كان صارما إلى حدّ الشدة في التعاطي مع كل تفاصيل البروتوكول الملكي وما يرتبط به، حيث إن كل المسؤولين كانوا يتهيبونه ويحرصون على عدم مخالفة ذلك البروتوكول.

وظل المريني حريصا عل البقاء في الظل حفاظا على انسيابية حركاته وصفاء ذهنه من كل ما تخلفه الأضواء الكاشفة من تشويش مقصود، إلا إذا كان هناك تجاوز من أطراف معينة لاختصاصاته فإنه يهبّ للدفاع عنها بقوة.

إرادة حديدية

ابتعد المريني عن الأضواء، مثل نهج الكبار الذين يشتغلون في صمت، ولكن بإرادة حديدية لاكتساح التحديات والعراقيل جعلت منه المتتبع الصبور والذكي لمجريات الأمور بشكل يومي رغم ضغوط المنصب وحساسيته التي تتطلب حضورا ذهنيا ومعلوماتيا ساهمت فيه قراءاته المتنوعة وولعه بالوثائق والتاريخ، وقد أثبت المريني ولاءه غير المحدود لدار المخزن، ما جعل العاهل المغربي يعيّنه ناطقا رسميا باسم القصر وما تقتضيه هذه المهمة من جهد إضافي، وهنا يقول مستشار العاهل المغربي، عباس الجراري، “إن المريني تلميذ نجيب في مدرسة الراحل الحسن الثاني وفي مدرسة الملك محمد السادس، رجل ظلّ وفيا للقيم الوطنية، ووفيا صادقا للعرش”.

ولاؤه غير المحدود لدار المخزن، جعل العاهل المغربي يعين المريني ناطقا رسميا باسم القصر وما تقتضيه هذه المهمة من جهد إضافي، وهنا يقول مستشار العاهل المغربي، عباس الجراري، إن المريني، تلميذ نجيب في مدرسة الراحل الحسن الثاني وفي مدرسة محمد السادس، رجل ظل وفيا للقيم الوطنية، ووفيا صادقا للعرش

بعدما أحدث العاهل المغربي الملك محمد السادس منصب الناطق الرسمي باسم القصر الملكي كان الغرض تغيير بعض قواعد التواصل والانفتاح أكثر على الرأي العام الداخلي والخارجي، إذ بعد تجربة قصيرة مع حسن أوريد تم اختيار اسم المريني ناطقا رسميا باسم القصر الملكي، هذه الشخصية التي خبرت دواليب الحكم عن قرب وأتقنت أصول المهنة كانت أقرب للمهمة التي تقتضي التواصل الحكيم والرصين والمتوازن لتوضيح ما استشكل من معلومات ومعطيات تهم علاقة القصر بالأحداث اليومية داخليا وخارجيا.

أثرت فترة مقاومة الاحتلال التي عايشها المريني على تكوينه الشخصي الوجداني والنفسي، فأضحت الوطنية الجارفة عقيدة لا تتزعزع أركانها، فقد كان يرغب في أن يصبح جنديا في الجيش المغربي آنذاك، وما جعله يهتم بالتاريخ المغربي هو حصوله على 9 نقاط من 10 في الشهادة الابتدائية بعد أن امتحن من طرف أستاذه أبوبكر القادري زعيم حزب الاستقلال بمدينة سلا في تلك الفترة.

إبداع بحثي هائل

مقولة “لكل مقام مقال” تنطبق على المريني الذي يركن في شخصية رجل الدولة المثقل بمسؤولياته الرسمية الثقيلة عندما يندمج في الوسط الثقافي مستمعا أو محاضرا، تراه متجولا بين جنبات المعرض الدولي للكتاب أو في المكتبات باحثا عن الجديد في عالم الفكر والثقافة أو دون حراسة أو بروتوكول تجده في أماكن يمارس فيها هوايته بالمشي أو الركض.

توفيقه بين مهامه داخل القصر واهتماماته الأدبية والأكاديمية يلخصها بقوله إن “الوظيفة لا تنتج المثقف، أي أن ثقافته الموسوعية وتحصيله أهلاه لاكتساب مكانته داخل المربعات القريبة من صنع القرار في المغرب”.

ولقيمة الرجل فكريا وكرجل دولة اعتبرت بهيجة سيمو مديرة مديرية الوثائق الملكية أن المريني، شخصية فذة وأهل للاحتفاء به بتقديم دراسات ومحاضرات حول فكره وإنتاجاته العلمية، وقد قال في حقه بنسالم حميش، وزير الثقافة السابق إن المريني “مثقف أصيل وباحث معطاء انتمى باكرا إلى عالم الكلمة والحرف، مدافعا عن الثقافة المغربية، مبرزا من خلال كتبه ومقالاته ودراساته أبعادها الأصيلة، مبينا تنوع وغنى روافدها وانفتاحها على الثقافات الإنسانية القديمة والحديثة”.

وللمريني مؤلفات عديدة منها “الجيش المغربي عبر التاريخ”٬ الذي طبع بالرباط سنتي 1968 و1997، وحصل على جائزة المغرب لسنة 1968، قبل أن يترجم إلى الفرنسية سنة 2000. كما نشر ديوان “الحسنيات” في ثلاثة أجزاء، وعددا من المؤلفات منها “قال جلالة الملك الحسن الثاني”، في جزأين، و”جلالة الملك الحسن الثاني الإنسان والملك”، و”محمد الخامس دراسات وشهادات”، و”مدخل إلى طريق المغرب الحديث”، و”الشاي في الأدب المغربي”.

وقد صدر للمريني في يوليو هذا العام كتاب جديد تحت عنوان “نظرات في الإبداع العربي والحضارة المغربية” تضمن باقة من أبحاث تاريخية وأدبية واجتماعية وتراثية، حيث أبرز في المحور الرابع، ومضات على التراث الشعبي المغربي، بأن روافد الثقافة الشعبية المغربية تعبر عن تظاهرات اقتصادية واجتماعية وثقافية ودينية وفنية، وتختزن رموزا كثيرة وإبداعات رائعة، وتؤكد على هويتنا، وتؤثث تاريخنا، وتغني حضارتنا، وتربط ماضينا بحاضرنا، فهو موروث شعبي غير مادي يجسد بكل ألوانه، وبأبعاده الحضارية، وبصنفيه المكتوب والشفوي الامتزاج الثقافي المغربي متعدد الأصول، أمازيغية وأفريقية وصحراوية وأندلسية وعربية، ويتطور تطورا ملموسا في مواضيعه وأشكاله وتنوعاته ومظاهره لمواجهة العولمة وهيمنتها القاضية.

وفي إطار تعامله الراقي مع الأدب والفكر وحتى يستفيد الكل أهدى المريني خزانته للمكتبة الوطنية لتقوم شقيقته أمينة المريني أرملة الراحل المفكر الكبير المهدي المنجرة بدورها، بتقديم خزانة الفقيد الغنية بمراجع العلم والأدب إلى المكتبة نفسها، في خطوة تؤشر على حسّ وطني راق.

المريني والمرأة المغربية

بداية العام 2018 تسجل تطورا مهما في الأدوار التي يمكن ان تلعبها المرأة في قطاعات كانت حكرا على الرجل، حيث تلا المريني باعتباره ناطقا رسميا باسم القصر الملكي، بلاغ تولي المرأة المغربية لأول مرة مهنة “عدول”، وذلك اعتبارا لما وصلت إليه المرأة المغربية من تكوين وتثقيف علمي رفيع
بداية العام 2018 تسجل تطورا مهما في الأدوار التي يمكن ان تلعبها المرأة في قطاعات كانت حكرا على الرجل، حيث تلا المريني باعتباره ناطقا رسميا باسم القصر الملكي، بلاغ تولي المرأة المغربية لأول مرة مهنة “عدول”، وذلك اعتبارا لما وصلت إليه المرأة المغربية من تكوين وتثقيف علمي رفيع

لا يمكن الحديث عن السلطة وحياة القصور وبروتوكولاتها دون التطرق إلى رأي المريني في المرأة المغربية وهي التي أفرد لها كتابه “دليل المرأة المغربية” بإنزالها مكانتها اللائقة كعالمة وقانونية وأديبة وباحثة وقاضية وكاتبة ومديرة ومسيرة وفنانة ورياضية، ولها اليد الطولى، كما يقول، في صيانة القصص الشعبية “الخرافات” و”المحاجيات (الفوازير)” والأمثال والأزجال والأغاني الشعبية من الضياع، فإليها يرجع الفضل في المحافظة على هذا التراث الشفوي الذي يعد ركنا أساسيا لمكونات الثقافة الشعبية المغربية الأصيلة.

لقد مرت المرأة المغربية من مرحلة عصيبة، خلال القرن التاسع عشر، أرغمت خلالها على الانزواء والخمول، حيث كان البعض يعتبرها أداة لإنجاب الخلف وخدمة البيت وأهله ولا حق لها في أن تطمح إلى شيء آخر، كما كان هؤلاء يعتبرون تعليم المرأة وتثقيفها مضيعة للوقت والمال.

 ويعترف المريني أن المرأة المغربية تمكنت، منذ النصف الثاني من القرن العشرين، من إبراز عطاءاتها في شتى المجالات. وقد عرفت المرأة في بداية العام 2018 تطورا مهما في الأدوار التي يمكن أن تلعبها في قطاعات كانت حكرا على الرجل، حيث تلا المريني باعتباره ناطقا رسميا باسم القصر الملكي، بلاغ تولي المرأة المغربية لأول مرة مهنة “عدول”، وذلك اعتبارا لما وصلت إليه المرأة المغربية من تكوين وتثقيف علمي رفيع، وما أبانت عنه من أهلية وكفاءة واقتدار في توليها لمختلف المناصب السامية ولهذا كلف الملك، وزير العدل بفتح خطة العدالة أمام المرأة، واتخاذ التدابير اللازمة لتحقيق هذا الهدف.

 وفي معرض دفاعه عن المرأة لم يوافق على مقارنته بقاسم أمين، حيث يقول “فأنا لم أبلغ درجته في العلم ولا زعامته النسوية”، كل ما يسعى إليه كما يؤكد هو إبراز مكانة المرأة المغربية في مجتمعنا ودورها الأساسي في بناء هذا المجتمع، لأن المجتمعات لا يمكن أن تسير في طريق النمو والنماء إلا بنسائها ورجالها وتعاونهم في ما بينهم. هذه حقيقة لا سبيل إلى نكرانها أو التحايل عليها.

ووجهت الشاعرة المغربية وداد بنموسى رسالة شكر للمريني، على اهتمامه بالمرأة، وهو الذي تحدث عمّا قدمته المرأة المغربية للوطن منذ فجر الاستقلال، وكذلك على تأليفه لكتاب عن أول قائدة طائرة في العالم العربي “ثريا الشاوي”، وهو الكتاب الذي قضى عاما كاملا في تأليفه إلى جانب العديد من البحوث والمواضيع والحوارات المنصفة للمرأة المغربية.

وإذا كان المغرب أنجب خيرة الرجال، فقد أنجب أيضا خيرة النساء أثمرت جهودهن، وأينعت منجزاتهن، وأصبحت كنار على علم، تسر الناظرين وتثلج قلوب المعجبين، يقول المريني مضيفا إن المغرب الحديث “فتح أبوابه أمام المرأة المغربية داخل البلاد وخارجها، فبرهنت على نضجها وكفاءتها في كافة الميادين، وأن القضاء على العنف ضد النساء على الصعيد السياسي مكّن عددا كبيرا منهن من تقلد مناصب سياسية غداة الاستقلال”.

12