عبدالحكيم قاسم مثقف وكاتب مصري يذكر الإنسان بأيامه السبعة

الأحد 2017/05/07
تمنى أن يقلمه أحد فينمو من جديد كشجرة

القاهرة - يوم الثلاثاء 13 نوفمبر 1990 توفي عبدالحكيم قاسم عن 56 عاما وعدد كبير من الأعمال الروائية والقصصية والمسرحية أيضا، وثلاث أمنيات تحقق منها نصف أمنية في اليوم التالي لرحيله.

خريف مرتبك

في سنواته الأخيرة كانت أعصابه عارية، ينشر مقالات غاضبة هجائية أحيانا لأصدقائه، ويكتب قصصا بغزارة الشاعر بأن الموت على مرمى مشهد في قصة، وينفعل بحدة لأبسط سبب، فلا يحتمل الاقتراب منه إلا محبّوه. كان يحلم برؤية أيّ من أعماله على شاشة السينما التي أنتجت أعمالا متواضعة لمحدودي الموهبة من مجايليه، وأن يرى قارئا في الشارع أو في قطار يحمل “أيام الإنسان السبعة”، وأن ينال الكاتب حقا أدبيا لائقا ولو بنشر صورته في الصفحة الأولى بالصحف اليومية. ثم كان الوحيد الذي لم يقرأ اسمه في الصفحة الأولى، في خبر منزوع المسرّة، إعلان عن وفاة كاتب صارع إبداعه الموت ذا الحضور الصادم، والانتصار النهائي، كما قال “من يمت إنما يذبح ذبحا، من يمت إنما يفنى ويندثر ويصير ترابا”.

صباح الأربعاء 14 نوفمبر 1990، كنت في سيناء، مجندا عند «خط أ»، آخر نقطة مسموح فيها بوجود للجيش وفقا لما أطلق عليه أنور السادات «معاهدة السلام». خريف مربك تتصارع في الساعة الواحدة أجواء الفصول الأربعة، وانقطاع عن العالم، ويندر وصول الصحف إلا مع عائد من إجازة، ونعيد قراءة ما قرأناه، إلى أن تصادفنا صحيفة تالية.

لا أتذكر الآن كيف قرأت اسم قاسم في صحيفة الأخبار. هل كنت في نوبة حراسة على البوابة؟ طلبت إلى الجندي المكلف بشراء بالصحف لقائد الكتيبة أن ألقي نظرة خاطفة على العناوين، ومن الطبيعي أن تغريني الأهرام، ولكنّ هاتفا جذبني إلى الأخبار، إلى أسفل صفحتها الأولى، لأفاجأ بخبر وفاة عبدالحكيم. قرأت الخبر في ثوان، 25 كلمة تشغل خمسة أسطر. أعدت القراءة وزميلي يظنني معنيا بخبر يعلو عبدالحكيم عن استمرار القبول بجامعة بيروت العربية حتى منتصف ديسمبر، وأبدى دهشته لاهتمامي برجل لا يعرفه، وقرأ العنوان “وفاة الأديب عبدالحكيم قاسم”، وسألني بلا مبالاة، وهو يمضي زاهدا في إجابة: من عبدالحكيم قاسم؟

لم ينتظر حتى أقول له إن قاسم كاد يقتلني ذات ليلة، عام 1989. كان قد دخل أتيليه القاهرة تسبقه ابتسامة الظفر بإنجاز رواية قصيرة يحملها بيده السليمة. لم أنتبه إلى عنوانها وأصر على قراءتها، ونحن في الطابق الثاني بالأتيليه، وشغلني عن العنوان تعثر عبدالحكيم في القراءة، وعدم قدرة لسانه على الاسترسال؛ فهو يعاني آثار جلطة مخية أصابته قبل عامين.

كنا ثلاثة، وهو رفض بعصبية اقتراح أن يكمل أحدنا القراءة. قرأ “ديباجة: ضابط كبير، على وجهه وسامة ونبل وكبرياء حزين. يمشي يتسنّد على عصاه، لكن الواحد إذا تأمله يقول إنه يظلع، إنه بقدرته ينفي عرجه، ويمشي منصوب الطول منتصبا”. وصف صادق ودقيق لعبدالحكيم نفسه. لم يكمل “الديباجة” لدخول شخص رابع عرف بوجود عبدالحكيم فطاب له الاستماع إليه، وكظم عبدالحكيم غيظه، وأعاد قراءة عنوان الرواية “قهوة… وأحاديث”، ثم الديباجة، ومضى منطلقا وانجلى صوته، فانزاحت أعراض الجلطة، واستقام لسانه، ولم يعد الأمر مجرد قراءة لنص رفض أن يقرأه غيره، وإنما أداء صوتي، يتناوب فيه القرار والجواب.

رحلة حالمة

أعمق رواية عن الريف المصري

ولد قاسم في قرية البندرة مركز السنطة بمحافظة الغربية في وسط الدلتا. ويسجل التاريخ الرسمي أنه ولد عام 1935، ولكنه قال لي في زيارة لبيته في سبتمبر 1989 إنه ولد في نوفمبر 1934، ولم يسجل رسميا إلا في 1 يناير 1935. وقبل أن يكمل دراسته في كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية قبض عليه وأفرج عنه عام 1964، وحصل على ليسانس الحقوق في العام التالي.

في فترة الاعتقال كتب قصصا قصيرة قرأها على رفاقه، معتمدا على لغة مشهدية تصلح للغناء والأداء الذي يجيده. وبعد الخروج التمس دائرة أكثر سعة، فنشر قصصا في القاهرة وبيروت، ومنها قصة “عن البنات” في أغسطس 1970 ضمن عدد خصصته مجلة الهلال للقصة القصيرة. ويقول مطلعها “عن البنات أحكي، عن الشعر في داخلي، عن الرؤى الضبابية المرتجفة في أعماقي، عن الشوق واللهفة والضحك والحزن والجنون، عن الحبور، عن فساتين طائرة الذيول، عن شفاه تواقة، عن عيون مفعمة بالجسارة الهشة والغزل، عن الوحدة، عن الأرق في صميم الليل الناعس”، إلا أنه لم يضمها إلى مجموعته القصصية الأولى “الأشواق والأسى” (1984)، ونشرها في مجموعة “الظنون والرؤى” (1986)، بعد إجراء تعديلات كثيرة أصابت ألفاظا وفقرات، بداية من السطور الأولى حتى آخر خمس كلمات في نهاية القصة، كما استبدل بالحوار العامي في نص «الهلال» حوارا فصيحا في النص المنشور بالمجموعة، وذيّله “برلين الغربية 25 مارس 1982”، ولم يقارن باحث بين النصين، لتقصي قلق فني فرض على الكاتب هذه التغييرات، أو معرفة السياق السياسي للنشر في المجلة، والذي استبعد إشارات إلى السجن، فيقول “قلت في خطابي لصديقي إن السرير في الزنزانة كان صدئا شائها معوجا، وإن جسدي كان متقوسا بعنف، وإن الحيطان كانت محدقة، مهوَّلة بالليل والظلام ورسوم خرافية داعرة وكلمات ملتوية الحروف ترقص رقصا همجيا وتقول أكثر الأشياء كفرا وجسارة.

وإنه من بعيد كانت تأتي إليّ صرخات ممتلئة رعبا وقهرا ومهانة وعارا. وكان الليل يدور بي في جنون. ليل أسطواني مفرًّغ ليس له قاع. أسقط وأهوي، أهوي بلا نهاية. كان كابوسا مروعا”. حينها خلا نص الهلال من كلمات منها “الزنزانة”، وأضيفت كلمة “الأطفال”، إلى “صرخات”.

صدرت روايته الفارقة “أيام الإنسان السبعة” في عام 1969. عمل شكّل أعلى تمثيلات التحدي بالنسبة إليّ قبل وأثناء كتابة روايتي “أول النهار”. منذ ذلك العام اعتبر معظم النقاد رواية “أيام الإنسان السبعة” من أصدق وأعمق الروايات عن الريف المصري، وفضّلها البعض على رواية “الأرض” لعبدالرحمن الشرقاوي وغيرها. وظلت “أيام الإنسان السبعة” تدل على عبدالحكيم ويدلّ عليها، لا يذكر أحدهما إلا مقترنا بالآخر، عنوانا ولعنة، كما جرى ليحيى حقي مع “قنديل أم هاشم”، والطيب صالح مع “موسم الهجرة إلى الشمال”. وقد اكتشفت الآن أنها الرواية الوحيدة التي أحتفظ لها بثلاث طبعات.

استعادة العراق لشبه جزيرة الفاو في نهاية الحرب العراقية الإيرانية دفعت قاسم للكتابة مبرزا أفكاره حولها مثل قوله “شاء الله ألا يأخذوها، أغاروا عليها بالحرب، أحرقوا ودمروا". (في الصورة حسين عيد وعائد خصباك وإبراهيم أصلان وعبدالحكيم قاسم. بغداد 1988).

في نهاية الستينات من القرن العشرين كتب روايته الثانية “محاولة للخروج”. عمل لا ينتمي لغة وسياقا إلى عالم “أيام الإنسان السبعة”، ويعزف على ثنائية الشرق والغرب، في لقاء الشاب المصري “حكيم” الذي بلغ الثلاثين ولم ينجز شيئا، بالسويسرية “إليزابيث”، بالقاهرة في صيف 1966. علاقة تذهب إلى تعقّد اللقاء الحضاري، بداية من رغبته في نطق الاسم “إليزابيث”، فيفاجأ بأنه “الزبث”، وانتهاء بالمسافة بين عالمها وموطنه؛ فالناس في قريته “مرضى. في بطونهم جزء تالف. لونهم أصفر. بطونهم كبيرة جدا. مثقلة بالماء. يجلسون بجوار الحيطان ينظرون للعالم نظرات مليئة بالإدانة. أحدق لهذا العالم بعينين صفراوين مليئتين بالإدانة”.

نشرت “محاولة للخروج” عام 1987، بعد تغريبة ألمانية استمرت أحد عشر عاما، نشر فيها عبدالحكيم أعمالا تقطّر الحكمة، وتخلّص اللغة من شوائبها، وتصفّي الروح من مرارة الغربة وبرودتها. بدأت التغريبة بدعوة لمدة أسبوع للمشاركة في ندوة، وامتد به المقام، ولحقت به زوجته وولداه، وعمل في شركة متخصصة في الحراسة الليلية لينفق على أسرته، وبدأ خطة للدكتوراه، ولم يكتمل المشروع.

تدين وفسق

يمكن للقارئ أن يرصد السيرة الذاتية والإبداعية لعبدالحكيم بقراءة أعماله. ففي رواية “قدر الغرف المقبضة” (1982) رحلة شاب ريفي حالم بالعدل، تؤرقه المعرفة وقوة الملاحظة منذ صغره إذ يرى “التدين والفسق يختلطان هنا بطريقة محيرة”، ويعجز عن المواجهة، ويفشل في تجاوز أسوار التقاليد، ويضيق بالأسقف الواطئة العطنة فيلجأ إلى المناورة، إلا أن جولاته ومحاولاته تنتهي “نهاية مروعة حينما تفترسه الغرف المقبضة وتقضي عليه”. يحلم ببيت يسع عالمه الرحيب، فيطارده القبح من القرية إلى المدن الصغيرة والكبيرة، إلى قهر السجن، إلى برلين التي تأكد له فيها “إحساسه العميق بأنه غريب وغير مرغوب”، ولا يجد عزاء إلا في عطر الأحباب، ويتذكر الرحلة إلى بيتي إبراهيم أصلان ويحيى الطاهر عبدالله، ويتناول قصص محمد روميش “الليل الرحم” أعظم مجموعة قصص قصيرة عن القرية المصرية. أعيد قراءة “قدر الغرف المقبضة” فأرى القهر يتعقبه في ألمانيا. قال لي إنه كان يتجنب الكلام مع زوجته باللغة العربية في حضور آخرين.

خلال التغريبة الألمانية كتب مسرحية من فصل واحد عنوانها “ليل وفانوس ورجال”، وعددا من أبرز أعماله القصصية والروائية القصيرة ومنها “الأخت لأب” و”رجوع الشيخ” و”المهدي”، أما “طرف من خبر الآخرة” (الكرمل يوليو 1982 وصدرت في كتاب بالقاهرة 1986) فهي فريدة، عمل رشيق يواجه الفناء بكبرياء لا تخفي الهشاشة أمام المجهول، تحدٍّ لكابوس الموت بكتابة فيها من الشعر شفافيته المستعصية على الشرح، عمل يسعى إلى تحويل تجربة الموت إلى معرفة جمالية.

عاد قاسم إلى مصر أواسط ثمانينات القرن العشرين، وخاض انتخابات مجلس الشعب مرشحا عن حزب “التجمع” ولم يحتمل الخسارة، فأصيب بجلطة أورثته شللا في يمناه، وغضبا لا تطفئه غزارة الكتابة، وإيجازا في نصوصه، وأطولها “قهوة وأحاديث” التي قرأها في أتيليه القاهرة، ثم نشرها في مجلة “القاهرة” (15 يونيو 1989)، باعتبارها “رواية قصيرة”، ولا أتذكر الوقت الذي استغرقته قراءته لها؛ لأنني أشفقت عليه أن يكتب عن حدث عسكري سياسي ساخن، بعد استعادة العراق لشبه جزيرة الفاو في نهاية الحرب العراقية الإيرانية. شغلني عن القراءة تراجع السرد إلى لغة شعارية تقريرية عن رحلة الراوي إلى الفاو. “أرض الفاو ماتت”، “فيا له من خراب”، “شاء الله ألا يأخذوها. أغاروا عليها بالحرب، أحرقوا ودمروا، لكن النحلة لدغتهم ورشق السيف في أحشائهم، فتركوا قتلاهم وفروا راجعين مخلفين وراءهم الحرب على أرض الفاو”. أبدينا الاستحسان، وهو فرح وقال ضاحكا “لو فزت بالجائزة أشتري الأتيليه”.

بعث متجدّد

خبر الدرويش

كان كوب الشاي يهتز في يده، وندمت على سؤالي السابق، ورأيت أن أتغزل في “صباح” التي لا ينساها قارئ “أيام الإنسان السبعة”. وأسعده كلامي، فقلت إن أبطال أعماله يحثون القارئ على حب الحياة؛ لانشغالهم بالجنس، فأغمض عينيه، كأنه يتلو من كتاب، وقال “الجنس قضية تشغلني كثيرا، لا أنكر هذا. والمرأة هي المبتدأ والخبر، كلماتي تفيض حنانا عليها، وسطوري معذبة على جسدها، فكيف أفرّ من قدري؟ هناك مسألة أخرى هي الدين، وهو معذبي وخلاصي وقدري، فكيف أفر من الاثنين؟ الدائرة الثالثة هي الخوف، هو شيء مركب في خلايا جسمي، فلا أخاف من الثعابين أو الجن، ولكني أخاف بشكل مطلق، ولا أعتبر البسالة فرارا من الخوف، بل هي مقترنة به”.

لم يقل إنه يخاف الموت أو يقاومه، وقال إنه في الآونة الأخيرة أصبح يكتب “بيدي ورجلي؛ فداخلي طاقة كبيرة جدا، وأريد أن أكتب مقالة وشعرا ومسرحا، ولو استطعت ألاّ أنام لفعلت، حتى أن زوجتي تقول ‘اتهدّ واقعد!’ (يضحك)، والمشكلة أنني بدأت أتساءل: هل أكرر نفسي أم لا؟ هذا خوف يرعبني، لكنني محصن ضد النجومية، وأرى أن إبداع المقال لا يقلّ عن إبداع القصة”.

كنت قد كتبت في مجلة “سطور” (يونيو 1999)، مقالا عنوانه “الدرويش: طرف من خبر عبدالحكيم» سجلت فيه قول قاسم “آه.. لو أن أحدا يقلّمني؛ فأنمو من جديد كشجرة”، مرويا عن صديق له. وفي عام 2004 نشر الصديق رواية جاء في بداية أحد فصولها “لو أن أحدا يقلمني فأنمو من جديد كشجرة”.

ذكرّته بالجملة المنسوبة لقاسم في مقالي، فقال “يا سيدي، ومن سيتذكر؟”، كأنه يستعيد قول قاسم في قصة “الموت والحياة” (برلين 18 مارس 1982) “من يمت إنما يذبح ذبحا، من يمت إنما يفنى ويندثر ويصير ترابا. لا تبحثوا عن عزاء كاذب في الحكايات القديمة”.

وها هو الدرويش يشهد كل يوم بعثا متجددا، وتعيد دار الشروق نشر أعماله الكاملة.

8