عبدالحليم خدام أكبر الشخصيات التي غادرت مركب الأسد الغارق مبكرا

السبت 2014/12/27
خدام الرئيس السوري بالوكالة لـ37 يوما ومعضلة المعارضة مع المنشقين

عبدالحليم خدام الذي كان وزيراً لخارجية النظام السوري، ثم نائباً لرئيس الجمهورية، والذي اشتهرت أسرته بالتجارة، وكان يتمتع بنفوذ كبير في سوريا ولبنان، الذي اتخذ قراراً بترقية ابن حافظ الأسد من رتبة عقيد إلى رتبة فريق، وتعيينه قائداً عاماً للجيش والقوات المسلحة، بعد ساعات من وفاة والده، وهو من نصّبه رئيساً للجمهورية العربية السورية، قبل أن ينشق عن نظامه بعد خمس سنوات في العام 2005.

ولد خدّام في بانياس البلدة البحرية السورية، لأسرة مسلمة سنيّة، في العام 1932، درس القانون في جامعة دمشق، وعاش الخمسينات، حين كان البعث العربي الاشتراكي يبدأ مرحلته الأولى من الانتشار الجماهيري بعد التأسيس بأعوام قليلة، ولكن تلك المرحلة انقطعت بإعلان الوحدة مع مصر، وحلّ الأحزاب، وقدوم نظام غير ديمقراطي غير تعدّدي على النقيض مما كان قائماً في سوريا منذ الاستقلال، فاشتغل خدام بالمحاماة في اللاذقية واستمرّ منذ العام 1947 وحتى العام 1964 أميناً لشعبة حزب البعث في بانياس.

وحين انهارت الوحدة وأعيد تركيب البعث، لم يكن منطقياً أن يبقى الأقوياء في الحزب من العسكر فقط، والتزم خطّ العسكر في انقلابهم الثاني على مؤسسي الحزب ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وأكرم الحوراني، والحكم عليهم بالإعدام والنفي خارج البلاد، تولى خدام منصب محافظ حماة، وكلّف بمنصب محافظ القنيطرة، وفي عهده سقطت هضبة الجولان في قبضة إسرائيل في الخامس من حزيران 1967، ثم أصبح محافظاً لدمشق، ووزيراً للاقتصاد والتجارة الخارجية في عهد الرئيس نور الدين الأتاسي.


مع الأسد الأب


التزم خدام بمجاورة حافظ الأسد في مسيرته، ولم يكن أفضل منه وجهاً عربياً سنّياً للنظام، سيما في عمله كوزير للخارجية حين كلّف بعلاقات الأسد مع الأنظمة العربية، وقد بقي خدّام وفياً لهذا الالتزام والقناعة بشخصية حافظ الأسد، حتى بعد انشقاقه، فكثيراً ما نفى عنه تهمة التنسيق مع الإسرائيليين في لحظة اتخاذ قرار الدخول العسكري السوري إلى لبنان في منتصف السبعينات، وبالمقابل حمل حافظ الأسد لخدّام صنيعه، ورقّاه في المناصب، وكلّفه بالملف اللبناني حتى ما قبل وفاته بقليل، وعيّنه نائباً لرئيس الجمهورية، واحتفظ له بمقعده في القيادة القطرية لحزب البعث، ودافع عنه في قضية دفن نفايات الكيماوي، التي اتّهم أبناؤه فيها، فكلّف لجنة من ستة وزراء حققوا في الملف، وبرهنوا أن خدام وأسرته لا علاقة لهم بالكيماوي أو دفن نفاياته في سوريا، ولكن أبناء خدام عملوا في التجارة، وجلبوا توكيلات كبرى إلى سوريا، وكان نفوذ والدهم “أبو جمال” كفيلاً بفتح الطريق أمامهم في كل اتجاه، صنع خدّام خلال تلك العقود شبكة علاقات هامة عربياً ودولياً، منها ما أصبح صداقات وقرابات ومصالح، ولعب أدواراً هامة في منعطفات خطرة في تاريخ المنطقة، كما في الحرب الأهلية اللبنانية، وكذلك في الإِشراف على اتفاق الطائف وإنجازه وتحويله إلى واقع.

مات حافظ الأسد، وأصبح عبدالحليم خدام رئيساً بالوكالة لسوريا لمدة 37 يوماً، ورغم قوله: “عرفت أن التوريث كان أمراً واقعاً ولذلك لم أعترض عليه، ووقّعت على مرسوم بشار الأسد ليخلف والده على رئاسة سوريا”، لكن نائب الرئيس لم يتمكن من تحمّل مناخ بشار الأسد كما عاش مرحلة الأسد الأب، فقد تغيّر المناخ الآن، وصعدت قوى، وغابت قوى أخرى، وتم عزل كبار الضباط الأمنيين، وتعيين آخرين، فاختلفت خارطة القوة في سوريا، وانسحب خدّام خطوات إلى الخلف، ولكنه لم يفقد نفوذه، حتى لحظة اغتيال الحريري التي أنذرته بضرورة الإسراع في مغادرة سوريا، لأنه سيكون الهدف التالي للنظام الجديد في دمشق.

بعد أن أتموا إجهاض الثقل الذي يمكن أن يمثله خدام في جبهة المعارضة ضد نظام الأسد، أعلن الإخوان المسلمون السوريون في العام 2009، انسحابهم ليس فقط من جبهة الخلاص المشتركة مع خدام، ولكن تعليقهم أيضاً لكل نشاطاتهم المعارضة ضد بشار الأسد وفتح حوار ووساطات معه


الانشقاق عن النظام


خدام رجل سياسة ودولة، وليس رجل مافيا، لم يكن لديه ما يشعره بالوجود سوى المزيد من النفوذ، الذي أخذ يتآكل في عهد بشار الأسد، ولم تكن الاستثمارات التي انشغل بها أولاده، تسمن أو تغني من جوع، فرجل الدولة يبحث عن التأثير وليس عن الرصيد البنكي فقط.

كان الاستغناء عن خدام خسارة لنظام بشار الأسد، الذي بدأ منذ تلك اللحظة يرتكب الخطأ السياسي تلو الآخر، ليحوّل هيكل النظام إلى تحالف ما بين المافيا وأجهزة المخابرات، وهذا لا يصلح في عالم السياسة، وهو ما لم يكن الأسد الأب ليفعله، لإدراكه أن خط السياسة لابد أن يكون مفتوحاً دوماً، رغم البطش والمخالب الأمنية والدور الوظيفي، مما حفظ لنظامه توازناً خاصاً سيما مع الدول العربية والإقليم، وأصبح تعاطي نظــام بشـار الأسد يأخذ شكلاً صدامياً، سواء في التصريحات أو في التصرفات، وفي عهده بدأت سلسلة الاغتيالات في لبنان، واستثمار أوضاع العراق الصعبة في أواخر سنوات الحصار، واستغلاله لحاجة البلد الجار إلى برنامج النفط مقابل الغذاء، كي يهيمن على الاقتصاد الأسود للنظام العراقي مروراً بلبنان.

خدام كان يراقب هذا كلّه، ويعرف يوماً بعد يوم أنه سيكون حلقة من حلقات سلسلة الأخطاء السياسية المخابراتية، حتى جاءت لحظة اغتيال الحريري الذي كان خدام على رأس المعزين في وفاته شخصياً ببيته في لبنان، خاصة أنه كان قد رفض كل قرارات بشار الأسد المتعلقة بلبنان وبما سمّاه الأسد الإصلاح والتطوير الاقتصادي والسياسي في سوريا، فباتت المسافة بعيدة جداً بينه وبين النظام، فظهر في مثل هذه الأيام من العام 2005، وأعلن على شاشات الإعلام انشقاقه عن نظام بشار الأسد نهائياً وقال إن: “بشار الأسد ورث نظاماً لا يستطيع ولا يريد تغيير أي شيء فيه وإلا فإنه سيسقط على الفور”.


الإخوان وتحطيم خدام


لم يسكت بشار الأسد على انشقاق خدام، فكلف جميع أجهزته بملاحقته، وتم فصله من حزب البعث، ورفع عددا كبيرا من الدعاوى القضائية ضدّه، وحكم عليه غيابياً بثلاثة عشر حكماً بالأشغال الشاقة المؤبدة، وصودرت أملاكه وأملاك أسرته، وتمت إدانته، حسب قضاء بشار الأسد، بالتآمر لقلب نظام الحكم، وبالتعاون مع الصهيونية، والافتراء على الدولة، والنيل من الشعور القومي، ودس الدسائس لتحريض دول أجنبية للعدوان على سوريا، بالمقابل، ومن باريس طالب خدام بالتغيير في سوريا، وبإسقاط الدكتاتورية، وبالتحول الديمقراطي، وأعترف أن لديه الوثائق التي تدين بشار الأسد في قضية اغتيال الحريري، فسارعت المعارضة السورية إلى الترحيب بانشقاق خدام، ولكنها بقيت على مسافة منه، باعتباره رمزاً من رموز نظام الأسد، متهماً في قضايا استغلال نفوذ من قبل تلك المعارضة، وكذلك في مسألة دفن نفايات الكيماوي، وكذلك لدوره في إخماد ربيع دمشق كما شهد رياض سيف وآخرون كانوا على حوار دائم معه حينها في بداية عهد بشار الأسد.

يقول خدام عن الأيام التي قضاها رئيساً لسوريا بالوكالة: "عرفت أن التوريث كان أمراً واقعاً ولذلك لم أعترض عليه، ووقعت على مرسوم بشار الأسد ليخلف والده على رئاسة سوريا"

ولكن خدّام كان قد قرّر المضي في تشكيل جسم معارض للنظام، مستفيداً من المناخ الذي ساد بعد غزو العراق، والضغط الذي تعرّض له نظام الأسد من قبل إدارة الرئيس جورج بوش الابن والدول الغربية، فأسس جبهة الخلاص مع عدد من الشخصيات المعارضة السورية المقيمة في المنفى وعدد من ممثلي الأحزاب الكردية، فهرع الإخوان المسلمون إلى الانضمام إلى تلك الجبهة وعقدوا مؤتمراتها وكلفوا أعضاءهم بتنظيم تلك المؤتمرات والإشراف عليها وعلى تواصلها السياسي مع العالم، وأدخلوا نشاط خدّام الذي كان من الممكن أن يستثمر بصورة أقوى، في متاهات تنظيمية وإدارية لا عدّ ولا حصر لها، في الوقت الذي أعلنت فيها جهات معارضة أخرى مطالبتها لخدّام بتقديم ما سمّوه بـ”كشف حساب” عن السنوات التي قضاها كأحد أبرز وجوه نظام الأسد.

وبعد أن تم إجهاض الثقل الذي يمكن أن يمثله عبدالحليم في جبهة المعارضة ضد نظام الأسد، أعلن الإخوان المسلمون السوريون انسحابهم ليس فقط من جبهة الخلاص، ولكن تعليقهم أيضاً لكل نشاطاتهم المعارضة ضد بشار الأسد، وكانوا وقتها في حالة حوار مع الأجهزة الأمنية السورية، من خلال الوسطاء القطريين والأتراك وكذلك الداعية الإسلامي اللبناني فتحي يكن وغيره، قال خدّام وقتها إن وجود الإخوان في جبهة الخلاص كان “ثقلاً على الجبهة، ومن الجيد أنهم انسحبوا”.


المنشقون عن الأسد بعد الثورة


لم يتردد خدام في تأييد ثورة الشعب السوري، وقام بالإعلان مرة تلو المرة، أنه مع إسقاط نظام الأسد، وظهر على وكالات الأنباء والمحطات الفضائية، لكن أحداً لم يمدّ اليد إليه، رغم تواجد أبنائه في الأوساط السياسية والاقتصادية، وعلاقاتهم الوطيدة مع بعض العاملين بشكل مباشر في الثورة السورية، وأجهزة إعلامها وهياكلها السياسية والإغاثية، وفي الوقت ذاته، كان النظام قد بدأ بالانهيار، وبدأت تبتعد عنه شخصيات أخرى على طريق خدام، فكان رياض نعسان أغا وزير الثقافة والسفير السابق ومستشار حافظ الأسد من أوائل المبتعدين عن نظام بشار، ثم السفير السوري في العراق نواف الفراس، ضابط الأمن والدبلوماسي المعروف، وكذلك فعل رئيس الوزراء المنشق رياض حجاب الذي أعلن موقفه المعارض لبشار الأسد وهو على رأس عمله، عابراً الحدود الأردنية السورية ليشكل التجمع الحر للعاملين في دوائر الدولة، ومعه السفير فاروق طه، والناطق باسم الخارجية السورية جهاد مقدسي، وعدد كبير من الدبلوماسيين ورجال الأعمال وما يمكن أن يطلق عليهم رجال دولة وإدارة، يضاف إليهم عشرات الآلاف من الضباط والجنود.

الاستغناء عن عبدالحليم خدام يعد خسارة لنظام بشار الأسد، الذي بدأ منذ تلك اللحظة يرتكب الخطأ السياسي تلو الآخر، ليحول هيكل النظام إلى تحالف ما بين المافيا وأجهزة المخابرات، وهذا لا يصلح في عالم السياسة، وهو ما لم يكن الأسد الأب ليفعله، لإدراكه أن خط السياسة لابد أن يكون مفتوحاً دوماً

ولكن، كانت بانتظار هؤلاء جميعاً الذهنية التي هيمن عليها الإخوان في تشكيلات المعارضة، المجلس الوطني والائتلاف تالياً، والتي كانت تنظر إلى هؤلاء كخطر يتهدّد الثورة وأدوار تلك التشكيلات فيها، فأبقتهم بعيدين عن الاستثمار والتوظيف، وقطعت عليهم الطريق مراراً، وكان عدم احتضان تلك الأنماط من الشخصيات المنشقة السورية، سبباً في تماسك ما تبقى من النظام من حول بشار الأسد، من جهة، وإعطاء رسالة غير مشجّعة للدول التي تراقب أداء المعارضة السورية، في كيفية تعاملها مع مواطنينا من أصحاب الخبرات والملفات الهامة والحساسة وكذلك العلاقات الطويلة مع المجتمع الدولي والمنطقة العربية من جهة ثانية، وثالثاً إضعاف المؤسسات التنفيذية التي نشأت عن المعارضة السورية، كالحكومة المؤقتة والجيش الحر قبلها، فتولى إدارة مهامه في غالب الأحيان أشخاص لا دراية لهم بالدولة ولا بإدارة المؤسسات العامة، سواء على المستوى السياسي أو التقني البحت.


استثمار المنشقين أو هدرهم


في الأسابيع الأخيرة من هذا العام 2014 كان خدام يعود من جديد، ويطلّ بخطاب موجّه إلى الشعب السوري، موشّح بالعلم السوري الذي لم تعد تعترف به الثورة السورية، وهو علم النظام، متحدثاً عن ضرورة التوحّد أمام ما سيحصل لسوريا، مستنداً إلى معلومات وردته، من أن سوريا مقبلة على التقسيم، وأن سلوك بشار الأسد الإجرامي بقصف المدن والأرياف وقتل الأبرياء بالبراميل، كلّه يشير إلى معرفة الأخير بأن البلاد لن تعود كما كانت، وناشد السوريين أن يعقدوا مؤتمراً وطنياً سوريا جامعاً لكل الأطياف والتيارات التي تريد التغيير والانتقال الديمقراطي.

لم تحفل المعارضة السورية من جديد بدعوة خدام، ولا شك أن قبول رموز نظام استبدادي أمر يحتاج الكثير من الحكمة والتحلّي بالصبر، على الحدث، وإحالة الشؤون القانونية إلى القانون وحده، وليس إلى العقلية الثأرية، التي تريد الانتقام والتنكيل والمحاسبة قبل المحاكمة، والتي لم تقدّم شيئاً في التجربة المصرية، ولم تصنع جيشاً وطنياً في التجربة السورية، ولم تقنع الشعب التونسي بعدم انتخاب رجل من زمن بورقيبة وبن علي رئيساً لتونس بعد ثورة البوعزيزي.

13