عبدالحليم كبيش يستلهم الرموز منتصرا للإنسانية المعذّبة

فتنة النار وأزهار أشجار اللوز تنزف ألما في لوحة جزائرية.
الجمعة 2021/09/17
عبدالحليم كبيش يصادق جرحا اسمه جمال بن إسماعيل

نشر الفنان التشكيلي الجزائري عبدالحليم كبيش على شبكة التواصل الاجتماعي صورة عن لوحة تعبيرية جديدة له عنونها “جمال بن إسماعيل”. اللوحة لا تخرج عن سياق ما قدّمه الفنان سابقا، منذ بداية حياته وشهرته الفنية التي أطلقتها لوحته المعنونة بـ”بعث”، لناحية ميلها إلى التعبيرية الغنائية ووقوفها إلى جانب الإنسان المقهور بشكل عام والموجود على الأرض العربية بشكل خاص، ولكنها لوحة كسائر أعماله أيضا، تتميّز بمعالم خاصة بها أخرجتها من النمطية المملة.

عبر صفحته الفيسبوكية نشر التشكيلي الجزائري كبيش العديد من الصور لعمله الفني الجديد المعنون بـ”جمال بن إسماعيل”، وأرفق الصور بهذه الكلمات “رأيت الفنان فان غوغ في الحلم يبحث عن لوحته ‘أزهار شجرة اللوز’ بين الأجساد المُفحّمة. كان المشهد حزينا!”.

ثم يضيف في موقع آخر، قائلا “اعذرني صديقي ما وجدت قيثارتك، قرأت في الأخبار أنها هي أيضا تفحّمت.. سأحتفظ فقط بلوحتك لأهرب إليها من رماد الحياة!”.

مرثية فنية

لوحة فان غوغ {أزهار شجرة اللوز} التي استلهم منها كبيش مرثيته
لوحة فان غوغ "أزهار شجرة اللوز" التي استلهم منها كبيش مرثيته

هذا “الصديق”، وحسب قول بعض أصدقاء له، هو شاب دمث الأخلاق ومرح الروح ومالك لقلب من ذهب. أما “الصداقة” التي تكلم عنها الفنان على أنها جمعته مع جمال فمنطلقها ليس من المعرفة الشخصية، ولكن من كونها تعاطفا شديدا مع إنسانيته وحبه للفن وممارسته له، تارة من خلال رسم اللوحات المعبّرة عن أفكاره الحسّاسة، وتارة أخرى من خلال العزف على القيثارة والغناء الذي تميّز بنكهة جزائرية هي أيضا، كلوحات الفنان كبيش، خارجة من رحم حبّ الوطن ومناصرة الإنسانية.

العمل الفني الجديد للفنان كبيش يجسّد، بل يجمّد لحظة الشاب بن إسماعيل ما قبل الأخيرة بجليد حارق كالنار التي اجتاحت جسده والغابات التي أراد أن ينقذها مع أهل محافظته تيزي وزو، فسقط بدلا عن ذلك ضحية إجرام مسؤولي المحافظة في حقه بزعم تورّطه في إحراق الغابات فيها.

أما تفاصيل مناسبة اللوحة المؤثرة التي قدّمها الفنان فجاءت عقب ما تعرّض له جمال عند وصوله إلى “منطقة القبائل” في الجزائر بعد تطوّعه لإخماد الحرائق الهائلة التي اندلعت في الأحراش، حيث أسلم بن إسماعيل الروح بعد تعذيب وضرب وتعنيف وسحل تعرّض له، ثم حرق وذبح بعد الموت بوحشية منقطعة النظير.

ولا زالت إلى الآن لم تُكتشف ظروف قتله السياسية الهادفة إلى تأجيج نار الفتنة بين أهل البلد الواحد في أرض الجزائر.

فن إيمائي

الفنان الجزائري يجسّد في لوحته لحظة جمال بن إسماعيل ما قبل الأخيرة بجليد حارق كالنار التي اجتاحت جسده
الفنان الجزائري يجسّد في لوحته لحظة جمال بن إسماعيل ما قبل الأخيرة بجليد حارق كالنار التي اجتاحت جسده

بالعودة إلى لوحة الفنان كبيش يحضر كل ما ذكرناه آنفا بزخم كبير وقدرة منه على اختزال الألم في وجه ووضعية الشاب النحيل المرسوم، وكذلك خلفية اللوحة حيث سخام الحرائق والدخان الكثيف الحاضن لتطاير الشرر الذي بدا خارجا من جسده المتأذّى أكثر ممّا هو منهمر عليه. يظهر أيضا جزء صغير في أسفل اللوحة من القيثارة الخاصة بالشاب الذي علم الفنان باحتراقه مع صاحبه.

في اللوحة تلك تبدو ملامح جمال في حالة تأمل وأسى رغم آنية اندلاع الحرائق، كما تأثر قلب المُشاهد بالسحنة الباهتة للشاب في قلب جحيم لا لبس فيه. ولا بد هنا من ذكر اللوح/الدفتر الصغير الذي يحمله الشاب.

وهذا العنصر بالتحديد هو المَعلم الخاص بهذه اللوحة بالذات والذي جعل العمل الفني مختلفا عن باقي أعمال الفنان المسكونة كلها بهاجس الإنسانية المذبوحة، أو تلك التي صوّرت بطولات إنسانية كما رأينا في لوحاته التي جسّد فيها أفرادا من الطاقم الطبي في كفاحه ضد تفشي وباء كوفيد – 19.

وجه الاختلاف الذي نقصده، أي الدفتر/اللوح، ربطه الفنان بصريا بذكائه الفني بلوحة للفنان التشكيلي الهولندي الشهير فنسنت فان غوغ، إذ أرفق لوحته على صفحته الرقمية الرسمية بهذه الكلمات “رأيت الفنان فان غوغ في الحلم يبحث عن لوحته ‘أزهار شجرة اللوز’ بين الأجساد المُفحّمة..”.

الفن الإيمائي الذي يتّبعه كبيش يعطي للعمل الفني الناجح حياة مُضاعفة وواقعية تحاكي انسياب الزمن في حواسنا

اللوح أو الدفتر على ذراع الشاب تذكّر خامته اللونية والخطوط الدقيقة فيه بلوحة الفنان البهيجة، والتي ليست بالصدفة تعبّر عن نظرة الأمل التي أرسلها فان غوغ إلى حياة جديدة أقل بؤسا وحزنا.

وثمة أمر مميّز آخر ظهر في عمل كبيش الجديد شبيه بالذي قدّمه كتحية وعربون تعاطف شديد مع بيروت بعد انفجار المرفأ، إذ وضع الفنان جسده وفنه داخل الحدث، فأصبح واحدا من ضحاياه.

ظهرت لوحته آنذاك التي عنونها بـ”شظايا بيروت” قابضة على لحظة الانفجار، بينما سال اللون الأحمر الدموي من حافة اللوحة إلى الأسفل، حيث كان مُلقى على الأرض ينزف “رمزيا” وبيده ريشته، وعلى مقربة منه علم لبنان “الجريح”. كذلك فعل الفنان في عمله الفني الجديد، إذ ظهر في الصورة الفوتوغرافية التي نشرها على صفحته الفيسبوكية أمام لوحة “جمال بن إسماعيل” وهو “يسلخ عنها صفيحة ورقية طبعت عليها لوحة الفنان فنسنت فان غوخ”.

إنه ضرب من ضروب الفن الإيمائي/التشكيلي الذي يعطي للعمل الفني الناجح حياة مُضاعفة وواقعية تحاكي انسياب الزمن على النحو الذي نعرفه من خلال قدراتنا الحسية المحدودة.

والفنان الجزائري عبدالحليم كبيش من مواليد 23 أكتوبر عام 1972 في جيجل (شرق الجزائر)، وهو حاصل على دبلوم الدراسات العليا من المدرسة العليا للفنون الجميلة سنة 1998 في تخصص الرسم الزيتي. له العديد من المشاركات على المستوى المحلي الوطني والدولي. وهو حائز على الميدالية الذهبية الخاصة بمختلف الاتجاهات الفنية التشكيلية، والميدالية الفضية الخاصة باتجاه الفن التعبيري المعاصر في المسابقة العالمية لمحترفي الفن، التي نظمتها الأكاديمية العالمية للفنون بفرنسا.

17