عبدالحميد أبوالنعيم سلفي مغربي يتحدى مؤسسات الدولة

الجهل والتطرف والتشدد عناوين بارزة للأفكار الجهنمية لأبي النعيم، الموجه الأيديولوجي للكثيرين عن قرب وعن بعد.
الخميس 2020/03/19
شيخ يدعو المسلمين إلى جحيم كورونا

أعمى يقود أعمى، هذه القاعدة تنطبق على السلفي المتشدد عبدالحميد أبوالنعيم ومريديه، والعمى هنا مرتبط بالبصيرة والنور الداخلي الذي يقود صاحبه إلى النعيم والصراط المستقيم، عكس صاحبنا الذي قاده إلى فرقة مكافحة الإرهاب منذ مساء الثلاثاء، على إثر نشره فيديو مليء بكل وصفات الإرهاب والتطرف والتعصب والتشدد، حيث أفتى أبوالنعيم بكل جرأة بكفر الدولة المغربية بعدما أغلقت المساجد حفظا للنفوس من فايروس يجوب العالم الذي حار في وقفه.

وقياسا للظرف الحساس الذي تمر به البلاد في ظل التعبئة ضد فايروس كورونا ونظرا لما صدر عن هذا السلفي المتطرف، تم اعتقال أبي النعيم بشبهة التحريض على العنف وخطاب الكراهية، حيث فتحت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بحثا قضائيا في حقه بتهمة التورط في تهديد المواطنين والمواطنات بارتكاب أفعال تنطوي على المس بالنظام العام.

فتصريحات السلفي المتطرف، الذي أرادها أن تنتشر في صفوف مريديه، تتضمن عناصر تأسيسية لأفعال إجرامية تنطوي على المس الخطير بالنظام العام، فضلا عن تسفيه جهود السلطات العمومية وتبخيسها لمكافحة وباء كورونا، وهي تدخل في نطاق العناصر المؤسسة للعمليات الإرهابية، لهذا وضع تحت تصرف المكتب الوطني لمكافحة الإرهاب.

ويعتبر أبوالنعيم المولود في مدينة الدار البيضاء سنة 1956، شخصية مثيرة للجدل. حيثما وقعت واقعة يحشر أنفه فيها. فبعدما قرّرت الدولة، واحترازا من فايروس كورونا، غلق أبواب المساجد أدخلها بجرّة قلم نزق في دارة الكفر وأخرجها من دار السلام وهذا ما ستكون نتائجه وخيمة على أمن المواطنين وأمانهم، وبالنسبة إلى مريديه المغيبين هناك شيء جذاب في هذه الفتوى.

الفتوى في زمن كورونا

أمثال أبي النعيم يصورون أنفسهم كهوفا آمنة لاستقرار الباحثين عن المعرفة والحكمة، لكن بمجرد الولوج يتحول المأوى الآمن إلى أمواج متلاطمة في بحر التطرف والجهل بقواعد الاشتباك مع متغيرات العصر وتحدياته

وَطءُ أرض الفتاوى الدينية خطير، يتطلب دربة وعلما ومعرفة ببواطن أمور الشريعة واللغة العربية وأسباب النزول وكل ما له علاقة بحياة الناس وخصوصيات بيئتهم، والأكثر من ذلك ذهن متفتح على المتغيرات، وهذا ما لا توفره عقلية أبي النعيم ولا يمكنه أن يطور مدارك تؤهله لهذا الأمر الجلل الذي يتطلب معرفة الخيط الرابط بين السرعة والتفاعل الحذر بين الأشياء ومعيش الناس.

فهل أبوالنعيم مؤهّلا علميا وفقهيا لممارسة الفتوى؟ وهو الحائز على البكالوريا وشهادة في العلم الأصيل وإجازة في الدراسات الإسلامية وشهادة دبلوم الدراسات العليا في العام 1995، وهو أستاذ مادة التربية الإسلامية بإحدى الثانويات، وجالس شيوخ أكثر منه علما ودراية لكن هل أجازوه فيما أخذ عنهم؟ لا ندري؟ لكن يبدو أنه بقدر ما يتعارض التواضع في طلب العلم الديني مع التنطع في تفسيره، فإنه يكون سببا في تحرك المتعلم بشكل عشوائي وضار.

الأهم من الشواهد هو الممارسة الفعلية والثقافة الواسعة والفهم العميق والتواضع، وكنتيجة، نصنف أبا النعيم كمُهَيِّج أكثر منه عالما وباحثا يبتغي المعرفة والعلم، وهو برأي مصطفى الشنضيض، الباحث في الفكر الإسلامي بالدانمارك، لا يفقه شيئا في فقه التوقع، بل فقط يذكي نار الفرقة والكراهية والخروج على النظام العام، بدلا من الجماعة والرحمة والطاعة، إذ يتحدث عن أن الإجراءات المشددة تكون عند اليقين أو عند الظن الراجح، وليس عند الوهم، متسائلا ألا يكفيه أرقام المصابين بالوباء والموتى بسببه وأيّ يقين أكبر من هذا.

وباعتباره مؤسسة الفتوى الرسمية بالمغرب أفتى المجلس العلمي الأعلى، “بضرورة إغلاق أبواب المساجد سواء بالنسبة إلى الصلوات الخمس أو صلاة الجمعة، بناء على طلب الفتوى الموجه إلى المجلس الأعلى من العاهل المغربي الملك محمد السادس.

وشرع المغرب في تطبيق الأمر مع رفع الأذان في جميع المساجد ابتداء من يوم الاثنين الـ16 من مارس 2020، وطمأنت الهيئة المواطنين والمواطنات بأن هذا الإجراء لن يستمر، وستعود الأمور إلى نصابها بإقامة الصلاة في المساجد بمجرّد قرار السلطات المختصة بعودة الحالة الصحية إلى وضعها الطبيعي.

وكأنه كان يتوقع هذا الإجراء من طرف الدولة، كان الشيخ السلفي عبدالحميد أبوالنعيم جاهزا بدوره للفتوى، حيث أنه لم يجد من طريقة للتفاعل مع فايروس كورونا، إلاّ بالقول إن “الوباء لم يصل إلى الخطورة التي تستدعي غلق المساجد”، وتابع أن “إغلاق المساجد لا سبب له، ونحذر الوزارة المسؤولة الوصية على الدين والمؤسسات العلمية، أن تقرر منع الصلوات المفروضة في المسجد”.

جهاد كورونا

أبوالنعيم شخصية مثيرة للجدل. حيثما وقعت واقعة يحشر أنفه فيها، أما مريدوه المغيبون فيجدون فتاواه جذابة بالنسبة إليهم
أبوالنعيم شخصية مثيرة للجدل. حيثما وقعت واقعة يحشر أنفه فيها، أما مريدوه المغيبون فيجدون فتاواه جذابة بالنسبة إليهم

يتفق الشيخ السلفي عمر الحدوشي، مع زميله أبي النعيم عندما أفتى هو بدوره أن السلف عند ما يجتاحهم الطاعون لم يكونوا يغلقون المساجد، بل كانوا يلزمون المساجد رجالاً وأطفالاً ونساءً وليس العكس.

والأدهى والأمَرُّ كان عندما صعّد في فتواه الضالة بأن أضاف أن “البلد الذي تغلق فيه المساجد ارتدّ عن دينه وكفر بعد إيمانه، وأصبح دار حرب، والعلماء الذين قالوا هذا الكلام متساهلون في باب مسمّى الإيمان ومسمّى الكفر”. وهذا هو السبب الرئيسي في إلقاء القبض عليه واستنطاقه من طرف السلطات المختصة.

وبنوع من التعقل في الرأي أنكر السلفي السابق محمد عبدالوهاب رفيقي، الذي يشغل حاليا رئيس مركز الميزان للوساطة والدراسات والإعلام، المغامرة بحياتنا وحياة غيرنا لمجرد الرغبة في الحفاظ على شعيرة كصلاة الجماعة وبرأيه حفظ حياة الناس أعظم وأكبر من الحفاظ على شعيرة دينية.

ولا جدال أن حرية المعتقد يكفلها الدستور، لكن الاعتدال والوسطية والتسامح من أساسيات الإسلام السني المالكي بالمغرب، والتعامل مع أمر طارئ كفايروس كورونا مثلا، يحتاج إلى حزم الدولة وتعاون المواطن وطمأنة رجل الدين، لكن يأبى أبوالنعيم إلا أن يقتحم أمرا يخص الأطباء وتدبير السلطات فيأتينا بفتوى التكفير والتشديد دون دلائل واقعية من السنة والقرآن.

فعندما يتحدث أبوالنعيم عن وصف العلماء للبلدان التي لا تقام فيها الصلاة بدار الحرب وبأن أهلها مرتدون، فهذا جهل في رأي شنضيض، من طريق أن وصفهم بذلك هو في حال تعطيل الصلوات وإغلاق المساجد في حال الاختيار مع قصد التعطيل ردا للحكم على الله، لا في حال الاضطرار والعذر، كتحقق العدوى بالملاصقة والاختلاط والاحتكاك.

بلحيته الحمراء المخضبة بالحناء ووجهه العابس المكفهر ناطح أبوالنعيم الدولة المغربية بمؤسساتها الدينية وتاريخها ومستقبلها وعلمائها، وبجهل كبير وتطرف مبين أفتى بأن المغرب دار كفر ما يعني أن دماء المغاربة مباحة وشرعا وجب سفكها، وقد سبق له تكفير عدد من المثقفين ووزير الأوقاف بنفسه وسياسيين مغاربة.

تمت متابعة أبي النعيم، في العام 2016 قضائيا بتهم السب والقذف في حق القناة المغربية الثانية، واصفا إياها بـ”القناة الصهيونية الخبيثة والمجرمة”، وقبلها حركت النيابة العامة شكاية ضده بعد اتهامه لشخصيات وهيئات سياسية وفكرية مغربية بالردة والكفر.

من الباحثين وأهل العلم، يعتبر أن "أبو النعيم" محجوب عنه الذكاء والفطنة في استنباط ما وراء التعاليم الحقيقية للدين الإسلامي، وأنه منفصل تماما عن الواقع، رغم أنه ينتسب إلى دين يدعو إلى التسامح وإعمال العقل
من الباحثين وأهل العلم، يعتبر أن "أبو النعيم" محجوب عنه الذكاء والفطنة في استنباط ما وراء التعاليم الحقيقية للدين الإسلامي، وأنه منفصل تماما عن الواقع، رغم أنه ينتسب إلى دين يدعو إلى التسامح وإعمال العقل

حتى النقابة الوطنية للصحافة المغربية، لم تسلم من لسانه حيث نعتها بـ”النقابة الوثنية للصحافيين”، متهما إياها بـالتحكم في الإعلام الرسمي، واستمر أبوالنعيم في غيّه ولم يتنازل قيد أنملة عن النهل من قاموسه المتشدد والمليء بمفردات وجمل متطرفة.

ما ينشره أبوالنعيم على قناته من فتاوى تكفيرية يلقى اهتمام مريديه مع محتوى تنتعش فيه كل مقومات التعصب للفكرة الواحدة ودغمائية قاتلة، لكنه دائم التبرم ولا يقبل من وصف ما يقوم به، بـ”التكفير” و”الظلامية” و”الداعشية” و”الأصولية” و”الإرهاب” فهذا بالنسبة إليه “باطل”، وكل من ينسب إليهم تلك الصفات هم بالنسبة إلى أبي النعيم، مجرد “مجرمين ومفسدين”.

وقبل ذلك اتهم أبوالنعيم الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إدريس لشكر بالكفر والردة، إلى جانب المفكريْن محمد عابد الجابري وعبدالله العروي، ووصف نساء حزب الاتحاد الاشتراكي بالبغايا.

ويُعتبر خطاب أبي النعيم تكفيريا ومرفوضا، حسبما يعتقد الباحث في الفكر الإسلامي والجماعات الإسلامية إدريس الكنبوري، مقترحا أن يُستبدل بالحوار العقلاني والعلمي بدل السب والقذف والتكفير. وقبل خمسة أعوام قضت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء بشهر واحد سجنا مع إيقاف التنفيذ في حق أبي النعيم، وغرامة مالية بقيمة 500 درهم، بعد تعرضه لشخصيات وهيئات سياسية وفكرية مغربية بنعوت الشتم والردة والتكفير، إلا أنه استمر بعد ذلك في مهاجمة هيئات أخرى من قبيل وزارات الأوقاف والسياحة والتربية الوطنية التي اتهمها بـ”نشر العلمانية وإرضاء اليهود والنصارى وتشجيع السياحة الجنسية”.

الجهل والتطرف والتشدد عناوين بارزة للأفكار الجهنمية لأبي النعيم، الموجه الأيديولوجي للكثيرين، عن قرب وعن بعد. وحتى إذا كنت بعيدا عن أرض المغرب وتتمتع بفضيلة الفضول، فبكبسة زر يستطيع هاتفك النقال أو جهاز الكومبيوتر الخاص به السماح له بزيارتك داخل غرفتك وهو لن يمانع بالطبع بقيادتك للمجهول، وهذا هو الأخطر في اللعبة. فإذا كنت ممّن لا يملكون أدوات دفاع  قوية ضد كل فايروسات الفكر المتطرف ستكون فريسة سهلة بإعادة برمجتك لتنضم إلى الجيش الأسطوري للداعشية الافتراضي والواقعي.

إذا كان للأوبئة القدرة على تحويل طبيعة الدول مثل ما يحدث في زمن كورونا، فالفكر المتطرف قد يهدر الدم ويقطع الرؤوس ويحول دولا مستقرة إلى فاشلة برمشة عين، وأبو النعيم كما الداعية الحدوشي وغيرهما من الذين يتمتعون بلغة غامضة وسلطة دينية تُحدِثُ أثرا في حشود تتحرك بالعاطفة وتسبب بأفعالها الرعناء في شروخ بالنفوس والأجساد.

هناك الآلاف من متابعي صفحة الشيخ السلفي على موقع “فيسبوك”، ويتوفر على موقع إلكتروني وقناة على “يوتيوب”، ويفسّر من خلالها ويعطي آراءه في الفقه والسياسة وقضايا مجتمعية، وهي وسيلة استقطاب فعالة لشباب يبحث عن خلاصه الروحي.

التحدي النهائي

تم منع الداعية من إلقاء الدروس بأحد مساجد الدار البيضاء في الماضي بسبب تخصيص بعض دروسه آنذاك للهجوم القاسي واللامسؤول على اليسار المغربي، وهذا الخطاب من جملة أسباب تفريخ المتطرفين الذين يهددون أمن المجتمع المغربي واستقراره، وهو لا تحتاج إلا لبيئة حاضنة تجمع بين الجهل والفقر والاتكالية دون الحديث عن اللامسؤولية والتهور كمحدد أساسي للانتماء إلى الجماعات المتطرفة من فئات اجتماعية متوسطة.

عندما نستقي الآراء حول أبي النعيم، نجد منتصر حمادة الباحث في الفكر الإسلامي والجماعات المتطرفة يقول إنه نموذج تطبيقي يصب في تزكية الحديث عن التطرف الذي يُحيط بنا من كل جانب والذي تساهم مواقع التواصل الاجتماعي في الكشف عنه، خاصة أنه لا تمكن ممارسة التقية في هذه المواقع، ومن المهم حسب حمادة قراءة تفاعلات القرّاء مع ما يقوله وينشره من مواقف، وهي تفاعلات تصب في الدفاع عن هذا “الداعية” المتشدد، مع الإشارة إلى أن مواقف هذا “الداعية” تذكرنا بمواقف “الداعية” وجدي غنيم في مصر.

أمثاله يصوّرون أنفسهم كهوفا آمنة ومأوى لاستقرار الباحثين عن المعرفة والحكمة، لكن بمجرد الولوج يتحول المأوى الآمن إلى أمواج متلاطمة في بحر التطرف والجهل بقواعد الاشتباك مع متغيرات العصر وتحدياته، وعليه نتساءل أين العلم والمنطق والراجح من العقل عندما يقول أحد المريدين إن هذا الرجل شجاع، لا يخشى الحكومة؟

أبوالنعيم وبشهادة الكثير من أهل العلم، محجوب عنه الذكاء والفطنة في استنباط ما وراء التعاليم الحقيقية للدين الإسلامي، فهو منفصل تماما عن الواقع رغم أنه ينتسب إلى دين يدعو إلى التسامح وإعمال العقل والتفكر في خلق الله، وبالنتيجة ليست هناك فائدة من تطبيق الشريعة خدمة للأمة دون استحضار أساليب القياس والمصلحة والظروف، والخوض بدراية في كل ما يخص الأمور المتعلقة بالصحة الخاصة والعامة للمجتمع خصوصا في زمن كورونا الذي نعيشه حاليا.

12