عبدالحميد القائد شاعر عربي آخر يغادر إلى الرواية

الانتقال من الشعر إلى كتابة الرواية بات أمرا عاديا لا يمكن أن يقف ضده أو يمنعه أحد، لكن يبقى الإشكال في ما يكتب، حيث الكثير من الشعراء يكتبون الرواية فيطغى الشعر في أقلامهم على الروائي، ما ينتج نصا ضعيفا سرديا. “العرب” توقفت مع الشاعر البحريني عبدالحميد القائد الذي انتقل مؤخرا إلى كتابة الروايات، وكان لنا معه هذا الحوار.
الثلاثاء 2017/03/07
الشعر لعنة أبدية

هذه المرة، وبعد صفحات طويلة ممتدّة من الكتابة الشعرية، يقدّم الشاعر البحريني عبدالحميد القائد نفسه بوصفه روائيا من خلال روايته الأولى "وللعشق رماد"، والتي وقفت من خلال ذاكرة بطلها على مرحلة التحولات البحرينية المهمة إبّان الاحتلال الإنكليزي. وتأتي هذه الرواية لتؤكد رغبة القائد ومجايليه في التعبير عن المثقف العربي البحريني عبر أكثر من منصة أدبية، فتارة بتكثيف الشعر وأخرى بتفاصيل السرد الروائي. كما أنه معتكف حاليا على كتابة روايته الثانية “طريق العنكبوت” التي سوف تكون -حسب تعبيره- مختلفة كثيرا عن الأولى بعوالمها المغايرة.

لم ينتقل القائد من الشعر إلى منصة الرواية، وإنما هو يرى أن هنالك أشياء لا يمكننا أن نقولها شعرا لأنها تحتاج منا الكثير من الإسهاب. فالرواية -في رأيه- مكملة لمشواره الشعري وليست بديلة عنه. كما يستعد لطباعة ديوانين شعريين جديدين هما “رقص داخل الجسد” و”دهشة الرذاذ” بالإضافة إلى كتاب “وهج الكتابة”، وهو عبارة عن مجموعة من المقالات التي نشرها في صحيفة أخبار الخليج البحرينية.

شرك السيرة

يقول القائد عن تجربة روايته الأولى لـ”العرب” “بعد تجربتي السردية الأخيرة وجدت نفسي ودون أي مقدمات عاشقا لعالم الرواية وبدأت رحلتي الجديدة مفرطا في قراءة الروايات أكثر من السابق، فعوالم السرد لها خصوصيتها ومعالمها الفريدة. يسألونني عن سبب هذه الانتقالة من الشعر إلى الرواية، فأقول إنني لم أنتقل لأن الشعر قد مدّ جذوره عميقا في دمي وروحي وذاكرتي، فالشعر لعنة أبدية لذيذة، بل إنني حرصت على تنويع وسائل التعبير ليس إلا. فالشعر تكثيف وأحيانا بشكل مفرط والسرد إسهاب”.

تبدأ أحداث رواية “وللعشق رماد”، الصادرة مؤخراً عن دار أفكار البحرينية للثقافة والنشر، في خمسينات القرن الماضي في البحرين عبر بطلها عبداللطيف الغريب الطفل المولود في منطقة الحورة وتنتهي في الزمن المعاصر متناولة في تفاصيلها تاريخ البحرين في زمن الاحتلال البريطاني من خلال ذاكرة طويلة لحياة طفل يكبر وهو يتحسس التحولات الثقافية والاجتماعية والسياسية البحرينية وكيف انعكست الحركات الثورية العربية الناصرية الشيوعية اليسارية على ملامح هذه التحولات.

استطاعت الرواية أن تكشف عن تاريخ مهم للبحرين. هذا التاريخ مازال مغيبا، إذ قليلون جدا من المثقفين البحرينيين من دوّنوه أو حوّلوه إلى سيرة أو رواية. وهنا يكمن دور المثقف الذي يستشعر مسؤوليته أمام التاريخ.

الهوية الثقافية البحرينية تأثرت كثيرا بعد قيام الثورة الإيرانية التي شرعت في تصدير ثورتها إلى الدول المجاورة

يقول القائد عن الرواية “الرواية تدور في مجملها حول الفترة من منتصف الستينات لغاية الثمانينات حيث كانت الحركات الوطنية في أوج ازدهارها اعتبارا من انتفاضة مارس 1965 التي أشعلت البلاد تحت أقدام المستعمر الإنكليزي واستمرت فترة ثلاثة أشهر تقريبا، على إثر قيام شركة بابكو الأميركية بفصل 400 عامل تقريبا، وشهدت الكثير من الضحايا، لكنها زرعت وعيا نوعيا لدى الصبيان والشباب في ذلك الزمن والذي شهد أيضا ازدهار الحركة اليسارية بعد فشل الحركات القومية مع هزيمة حزيران.

هذه الفترة الخصبة والهامة كتب عنها الكثيرون ولكن روائيا –حسب اعتقادي وعلمي– فإن الوحيد الذي تطرق إليها هو الكاتب المرحوم عبدالله خليفة، وشعريا الشاعر علي عبدالله خليفة والشاعر قاسم حداد. كانت تلك الفترة في الواقع فترة مخاض حقيقي زرعت فينا الوعي وربما أنبتت فينا بذور الأسئلة والحوار والكتابة”.

الاختيار الصعب

يرى القارئ للرواية الكثير من ملامح الشاعر عبدالحميد القائد في تفاصيل بطله لطيف الغريب، فهو الشاعر المثقف الثوري اليساري والمعتقل السياسي. وربما، هذا أيضا ما لمح إليه الناقد البحريني فهد حسين في ورقته التي قدمها عن الرواية أثناء الندوة التي أقيمت حولها، الأمر الذي جعلنا نتوقف مع ضيفنا حول مدى قدرته على التخلّص من الوقوع في قيد السيرة في الرواية.

رواية تكشف عن تاريخ مهم للبحرين مازال مغيبا

يعلّق ضيفنا قائلا “ربما أكون قد وقعت في شرك السيرة فعلا، ولكن دون قصد، مثل الكثير من الروائيين في باكورة أعمالهم، على الرغم من أن لطيف الغريب ليس عبدالحميد القائد بحذافيره وتفاصيله وملامحه، فهناك الكثير من الخيال والفانتازيا وخاصة في الأحداث الرومانسية. لكنني أعترف بأنني قد سببت لبسا كبيرا لدى القراء على الرغم من أنني وضعت ملاحظة في بداية الكتاب أوضحت فيها بأن الأحداث السياسية في معظمها حقيقية وبأن الأحداث الرومانسية ليست كذلك، لكن من يصدّق؟”.

تناولت الرواية في أكثر من فصل تغيّرات الهوية الثقافية البحرينية التي تأثرت بانتصار الثورة الإيرانية في 1979، وحوّلتها من الانفتاح إلى الانغلاق. ويمكن هنا تحديد “الحجاب الإسلامي” نموذجا متكررا في السرد الروائي. هذا الأثر الذي خلق أسئلة كثيرة حول دور الإسلام السياسي الإقليمي في إيران والسعودية متمثلة في حركة جهيمان في نفس التاريخ وكيف انعكس على الهوية المحلية، أم أنها كانت ارتدادا ثقافيا “محليا داخليا” على مشروع تصدير الثورة وولاية الفقيه؟.

هذه الأسئلة تقلق ضيفنا ويرى أنه “من الطبيعي أن الهوية الثقافية البحرينية قد تأثرت كثيرا بعد قيام الثورة الإيرانية التي شرعت في تصدير ثورتها إلى الدول المجاورة بشتى الطرق وقامت بتشكيل جماعات هنا وهناك ممن يوالونها مذهبيا أو سياسيا، مما قابلها انبثاق حركات سنية متطرفة أيضا فكل فعل له رد فعل، على الرغم من أن معظم الحركات الإسلامية دعمتها بل ربما أسستها جهات معروفة ضمن مخطط كبير وخطير لاستهداف المنطقة”.

يرى القائد أن “الأيديولوجيات أقفلت أبوابها منذ زمن مع انبثاق حركات الإسلام السياسي أو أيديولوجية الإسلام السياسي التي شقت الطوائف والأوطان والقلوب شقا دمويا مؤلما وانضمام عدد كبير من المؤدلجين إلى هذه الجوقة الطائفية الهادرة”، وهنا يتحدث عن اليساريين الذين لم يتمكنوا من نزع جلد الطائفية الخفي على الرغم من أنهم يطلقون على أنفسهم تقدميين، وأيضا وقوف عدد لا يستهان به من القوميين واليساريين في صف النظام السوري القمعي. سقطت الأيديولوجيات، كما يقول محدثنا، “لأنها لم تجدد في نفسها ما يؤهلها لتواكب عصر التكنولوجيا والعولمة وثورة وسائل التواصل الاجتماعي، وشاخ قادتها ولم تدخل إليها دماء جديدة”.

وفي ختام حوارنا مع القائد عرّجنا على المشهد الثقافي في البحرين ليقول “المقاطعة الثقافية التي حدثت لم تكن منطقية وغير مقبولة أبدا، ولكن في حمى الأحداث التي كانت متسارعة جدا والتشنج العصبي يفقد الإنسان أحيانا الحكمة والروية، فالأدباء والكتّاب كان يتوجب عليهم أن يكونوا بمنأى عن المستنقع الطائفي، بل يجب أن يحمل الكاتب دائما شعلة المحبة والسلام وحتى الحياد. لا بد أن ننأى عن هذا السقوط وإنقاذ الثقافة”.

15