عبدالحميد درويش طالباني سوريا واللحظة الكردية بين المحاور المتصارعة

السبت 2016/02/20
سياسي بدأ الخطوات الأولى مع البعثيين لتأسيس أول حزب كردي سوري

بروكسل - اعتقلته الحكومات السورية 11 مرّة. من مؤسسي أول كيان سياسي كردي في سوريا سنة 1957. ساهم في “ربيع دمشق” الذي أسس لـ”إعلان دمشق”، وكان جزءاً من هذا الإعلان. لم يخفِ تواصله وعلاقاته مع النظام، مع استمرار معارضتهِ، ومطالبتهِ منح الكرد حقوقهم السياسيّة والثقافيّة والقوميّة، في إطار وحدة البلاد.

يعترف بأخطائه متأخّراً. حين اندلعت الثورة على نظام الأسد، كان من أوائل الذين ساندوها. دعاه الأسد الابن للقائه ثلاث مرّات، فرفض. معللاً ذلك بالقول “ليس هناك ما أقوله له. جاءت الدعوة متأخرة جداً، بعد قتل العشرات في درعا وحمص ودمشق فماذا سأسمع منه؟ وماذا باستطاعتي قوله له؟”.

إنه جلال طالباني كُرد سوريا، لا سيما وأن الطالباني صديق رحلة عمره منذ البدايات، عبدالحميد درويش زعيم الحزب التقدّمي الديمقراطي الكردي في سوريا.

الكردية السياسية

ولِد سنة 1936 في قرية القرمانية التابعة لبلدة الدرباسية في محافظة الحسكة السوريّة. ينتمي درويش إلى عائلة وطنيّة ميسورة الحال. والده كان من زعامات عشيرة آزيزان، أكبر أفخاذ عشيرة كيكان الكرديّة، الموزّعة على جانبي الحدود. وأثناء المذابح العثمانيّة التي طالت الأرمن والسريان المسيحيين، لجأت بعض العوائل المسيحيّة إلى آل حاج درويش، واحتمت بهم.

حصل على الإعداديّة من المعهد العربي الإسلامي في حلب. ثم سافر إلى دمشق وسجل في الثانويّة البطرياركيّة للروم الكاثوليك. دخل كليّة الحقوق بجامعة دمشق، ولم يكمل دراسته بسبب الانشغال بالهمّ السياسي. في دمشق، نشأت صداقات عميقة بينه وبين شخصيات وطنيّة كالأميرة روشن بدرخان، زوجة المتنوّر الكردي الأمير جلادت بدرخان، والمناضل الكردي عثمان صبري، والشاعر الكردي جكرخوين. ثم تعرّف على الشاعر الكردي الإيراني هجار، أثناء تواجده في منطقة الجزيرة السوريّة.

سنة 1955 أسس درويش مع عثمان صبري، حمزة نويران، محمد صالح درويش، وعبدالمجيد درويش، جمعيّة ثقافيّة في دمشق. وبعد عام واحد، أسس مع صبري ونويران أول تنظيم سياسي كردي باسم “حزب الديمقراطيين الأكراد”. وكان نظامه الداخلي مكتوباً باللغة الكرديّة. ساعدهم في ذلك الدكتور نور الدين زازا وجلال الطالباني المتواجد وقتذاك في دمشق، وعبدالله إسحاقي القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني.

بعثيون يؤسسون حزبا قوميا كرديا

المصادر التي أرَّخت لمرحلة تأسيس أوّل حزب كردي سوري، لا زالت شحيحة. لذا، تبقى الشبهات حول نشأة هذا الحزب قائمة، وبحاجة للمزيد من البحث والدراسة والتدقيق. فثمَّة فرضيَّة تقول: إن الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق، طلب مساعدة ومساندة التيارات القوميَّة الحاكمة في سوريا، لموجهة النظام الملكي في بغداد.

خلافه مع الملا البارزاني بداية السبعينات لم يمنع درويش من معارضة العودة الى القتال في كردستان العراق. حينها رحب بقانون الحكم الذاتي الذي أقره نظام أحمد حسن البكر ـ صدام حسين. ووجه برقية إلى الحكومة العراقيّة وإلى قيادة الثورة الكردية العراقية، يبدي فيها دعمه ومساندته لهذا القانون

كان جلال الطالباني وقتها، عضواً في اللجنة المركزيَّة للحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي، برئاسة الزعيم الكردي الراحل الملا مصطفى البارزاني، وكانت لديه علاقات جيَّدة مع القوميين العرب في سوريا ومصر، من ناصريين وبعثيين. فوافقت التيارات القوميَّة العربيَّة على دعم الحركة الكرديَّة في العراق، لمواجهة نظام نوري السعيد، وحلف بغداد، بشرط أن يؤسِّسوا حزباً كرديَّاً، لا يهتمّ بشؤون كرد سوريا، بل مهمَّته إثارة القلاقل في تركيا، التي كانت أحد أقطاب حلف بغداد، تركيا التي كانت حليفة واشنطن وتحتفظ بعلاقات كاملة مع إسرائيل.

بدأ الطالباني، وبعد أن أخذ الضوء الأخضر من المسؤول الأمني البارز عبدالحميد السرَّاج، بإجراء الاتصالات مع النخب السياسيَّة والثقافيَّة الكرديَّة السوريَّة. اتفق معهم على تشكيل حزب، حمل اسم “الحزب الديمقراطي الكردستاني في سوريا”. وشعاره “تحرير وتوحيد كردستان”. ما يعزز هذه الفرضية، إيفاد الحزب، للشيخ محمد باقي ملا محمود، إلى كردستان تركيا، لتشكيل خلايا الحزب هناك، والتواصل مع التعبيرات والشخصيات الكرديَّة التركية. لكنه فشل في هذه المهمّة. وفي ما بعد سيبدو جليَّاً دور الطالباني في تأسيس الحزب الكردي الأوّل في سوريا، وطبيعة التأسيس وخلفياته، والتوجُّه نحو تركيا، والتغطية البعثيَّة ـ الناصريَّة لهذا الحزب.

أزمة الهوية

شنّت سلطات دولة الوحدة في أغسطس1960 حملة مداهمات واعتقالات بحق قيادات وكوادر الحزب الكردي، في مناطق الجزيرة وكوباني وعفرين. طالت ما يزيد عن 90 شخصا، من ضمنهم رئيس الحزب نورالدين زازا، وأعضاء في المكتب السياسي كعثمان صبري ورشيد حمو. هذه الاعتقالات شكّلت صدمة ومفاجأة، على اعتبار أن هنالك تنسيقا غير مباشر بين الحزب والسلطة الناصريّة الحاكمة في سوريا.

وفي سجن حلب، بدأت بوادر الخلاف تظهر في الحزب بين فريق يرى أنه من الأفضل أن يذكر في التحقيق بأنهم جمعيّة ثقافيّة وليسوا حزباً سياسيّاً. وتزّعم هذا التيّار نورالدين زازا. حيث سألهم قاضي الفرد العسكري عن وجود بند تحرير وتوحيد كردستان في برنامج الحزب. فأنكر زازا وجوده. بينما أصرّ صبري على وجود البند، وأن التنظيم حزب سياسي قومي، وليس جمعيّة ثقافيّة.

هذا الخلاف، تسرّب إلى قواعد الحزب. ومال درويش إلى موقف زازا. وبعد سقوط دولة الوحدة، وإطلاق سراح المعتقلين، دخل درويش سرّاً إلى كردستان العراق، بهدف إقامة علاقات مع قيادة الثورة الكردية في العراق، وإطلاع الملا البارزاني على الوضع الداخلي الكردي السوري.

عاد درويش إلى سوريا وفشل في معالجة الخلافات الداخليّة. لتبدأ مرحلة جديدة، بعد انقلاب حزب البعث في مارس 1963، ومعها جولة جديدة من الملاحقات والاعتقالات بحق القيادات الكردية.

الملا البارزاني دعّم أول انشقاق رسمي وعلني في جسم الحزب الكردي السوري، والذي جرى بقيادة عثمان صبري تحت اسم “الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا – اليسار”. فعقد درويش وتيّاره مؤتمرهم، واصفاً المنشقين بالمتآمرين والمخرّبين. واتخذ قرار طردهم من الحزب، من ضمنهم: عثمان صبري، محمد نيو، صلاح بدرالدين، هلال خلف، وأحمد بدري. وبالتالي، انقسم الحزب الكردي السوري رسميّاً على نفسه.

الطالباني ودرويش أسسا معا بإشراف عبدالحميد السراج وميشيل عفلق وأكرم الحوراني الحزب السياسي الكردي السوري الأول للضغط على الحكم في العراق وتركيا

مع صلاح جديد

ساند عبدالحميد درويش حركة 23 فبراير 1966 بقيادة صلاح جديد، واعتبرها “الجناح التقدمي في حزب البعث العربي الاشتراكي ضد العناصر اليمينية التي كانت تهيمن على الحكم والمراكز الهامة في الحزب”. وعقد الحزب الكردي مؤتمره سنة 1967، وانتخب رسميّاً درويش سكرتيراً. وسرعان ما دخل حزب البعث الحاكم في حوار مع تيّار درويش. في حين بقيت علاقات درويش وحزبه قلقة ومتوترة مع قيادة الديمقراطي الكردستاني العراقي.

سنة 1970، لم يوجّه الملا البارزاني دعوة إلى درويش وحزبه لحضور المؤتمر الثامن للديمقراطي الكردستاني العراقي، بل دعا خصومه في الجناح الآخر. ورغم ذلك، ترأس درويش وفد حزبه وحضر المؤتمر المذكور.

رضخ درويش لضغوط البارزاني ووافق على المشاركة في مؤتمر “ناوبردان” في كردستان العراق، بهدف توحيد جناحي الحزب الكردي السوري، (اليساري واليميني). وأمر البارزاني بحلّ قيادة التيّارين، وفرض قيادة جديدة على الحزب. ووافق درويش على مضض.

لكن فور عودة درويش إلى سوريا، رفض قرارات البارزاني، ودعا إلى كونفرانس سنة 1971، وصادق الكونفرانس على رفض مقررات مؤتمر “ناوبردان” واصفاً إيّاه بـ”اللاشرعي”. وهنا انقطعت علاقات درويش وحزبه بالحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي.

عارض درويش العودة إلى القتال في كردستان العراق. ورحبّ بقانون الحكم الذاتي الذي أقرّه نظام أحمد حسن البكر ـ صدام حسين. ووجّه برقية إلى الحكومة العراقيّة وإلى قيادة الثورة الكرديّة العراقيّة، يبدي فيها دعمه ومساندته لهذا القانون، ويدعو إلى الحوار لحل بقية المشاكل الخلافيّة العالقة بدلاً من القتال والحرب وسفك الدماء التي ستدمّر ما تمّ تحقيقه.

تلك البرقية أحدثت بلبلة ضمن حزب درويش. فأعلنت مجموعة من الكوادر استقالتهم. وتحت ضغط الخلافات الداخليّة التي اعترت الحزب عقد الحزب مؤتمره الرابع، وأبرز قراراته كان تغيير اسمه من “الديمقراطي الكردي في سوريا – اليمين” إلى “الديمقراطي التقدّمي في سوريا”، معيداً انتخاب درويش سكرتيراً عاماً.

في الحياة السياسية السورية

في الانتخابات البرلمانية التي شهدتها سوريا بداية التسعينيات، فاز درويش بمقعد عن قائمة المستقليّن، وشارك درويش في تأسيس “التحالف الكردي الديمقراطي في سوريا” إلى جانب خمسة أحزاب كرديّة سوريّة أخرى. وبدأ حديث الإصلاح داخل حزبه، ولكنه لم يلقَ أيّ اهتمام. فانشقّ عن الحزب القياديان البارزان عزيز داوود وطاهر سفوك، ومعهما كتلة من الكوادر، ليؤسسا حزباً جديداً.

ومنذ استلام شقيقه صلاح درويش رئاسة مكتب الحزب في إقليم كردستان العراق سنة 2005، يجري حديث التوريث ضمن صفوف الحزب. ورغم أنّ درويش بلغ من العمر ثمانين سنة، إلاّ أنه في كل مؤتمرات الحزب التي انتخبته سكرتيراً، منذ العام 1967 ولغاية المؤتمر الأخير المنعقد في شتاء العام الماضي 2015، لم يتم انتخاب أيّ نائب لسكرتير الحزب.

تفاقم الوضع السياسي والإنساني في سوريا، واستشراء التطرف، وخيبة الأمل بالمجتمع الدولي لجهة عدم وضع حد لنظام الأسد، عوامل تدفع درويش للتراجع عن مواقفه، مبديا ندمه على قطعه قنوات الاتصال مع النظام، وأن الفراغ الذي أحدثه ذلك ملأه حزب صالح مسلم الذي بسط سلطته على المناطق الكردية

كان عبدالحميد درويش وحزبه في مرمى الكثير من اتهامات العلاقة مع النظام السوري. ولكن الرجل، لم ينفِ الاتصالات مع النظام، واعتبرها في إطار النضال السياسي الهادف إلى إقناع النظام بمنح الكرد حقوقهم القوميّة والسياسيّة. وككل قادة الأحزاب الكرديّة، حين اندلعت الثورة السوريّة، كان موقف درويش مترقّباً، يميل إلى التريّث وعدم الدفع بالكرد إلى الانخراط بشكل مباشر وقويّ فيها. ولكن سرعان ما أعلن عن موقفه وانقاد للشارع الكردي وانتقد عنف النظام، وطالبه بالإصلاح، وتلبية مطالب المتظاهرين. ثم ساهم في التأسيس للمجلس الوطني الكردي السوري في أكتوبر 2011، والدفع باتجاه انخراط المجلس ضمن “الائتلاف” السوري المعارض لاحقاً.

في غضون ذلك، حاول إقناع “حزب الاتحاد الديمقراطي” بضرورة الانضمام إلى المجلس الوطني الكردي، وإعلان الموقف الواضح المؤيد للثورة السورية، لكنه فشل.

ومع تفاقم الوضع السياسي والإنساني في سوريا، واستشراء التطرّف في القوى العسكريّة المعارضة لنظام الأسد، وخيبة الأمل بالمجتمع الدولي لجهة عدم وضع حد لنظام الأسد، ما ساهم في إطالة أمد الثورة وازدياد حجم الكارثة، بدأ درويش يتراجع عن مواقفه، عبر إبداء الأسف على رفضه الحوار مع الأسد. فسّر مراقبون هذه التصريحات بأنه ندم على قطعه قنوات الاتصال مع النظام، وأن الفراغ الذي أحدثه ذلك ملأه حزب الـ”بي يا دي” الذي بسط سلطته على المناطق الكرديّة.

قرر درويش العودة إلى القامشلي. لكن العودة مكلفة، دفعها تباعاً، حيث بدأت بتجميد الحزب التقدّمي عضويته في المجلس الوطني الكردي. ثم بزيارة درويش إلى جبال قنديل، ولقائه بجميل بايك، الرجل الثاني في حزب العمال الكردستاني. ثم زيارته الى ممثليّة حزب الـ”بي يا دي”، في مدينة السليمانيّة بكردستان العراق. وثم إطلاق تصريحات تشيد بتضحيات المقاتلين والمقاتلات الكرديات، في وحدات الحماية الشعبيّة. كل ذلك ساهم في تطبيع العلاقات بين حزبه وبين حزب صالح مسلم، وطيّ صفحة الخلاف. وفي 10 من نوفمبر2015، عاد درويش إلى القامشلي في أجواء احتفالية. ثم بعد أيام أعلن حزبه، بعد انتهاء أعمال مؤتمره الرابع عشر، انسحابه من المجلس الوطني الكردي المعارض.

جنيف 3

مع التحضير لمؤتمر “جنيف 3” بدا للجميع أن المجتمع الدولي يتجه نحو حشر النظام السوري في الزاوية. ورغم أن درويش كان خارج الوفد الكردي المشارك في جنيف، كونه انسحب من المجلس الوطني الكردي، إلاّ أنه أبدى موقفاً وطنيّاً في غاية الأهميّة حين أعلن دعمه للوفد، بالضد من رغبة حزب الـ”بي يا دي”، الذي هاجم مؤتمر جنيف والمشاركين فيه كرداً وعرباً. وبعد تعليق “جنيف 3” بدأ الروس يحاولون استمالة درويش لئلا تبقى خيارات الروس كرديّاً مقتصرة على حزب الاتحاد الديمقراطي. وفي هذا السياق اندرجت زيارة درويش إلى موسكو في التاسع من فبراير الجاري ولقاؤه بميخائيل بغدانوف.

13