عبدالحي أديب مسيرة نصف قرن من السينما

سيناريست ساهم في نجاحات يوسف شاهين وفريد شوقي وترك بصمة مؤثرة في الصناعة السينمائية.
السبت 2020/06/27
فيلم عبدالحي أديب "باب الحديد" من كلاسيكيات السينما

يهمل الكثيرون اليوم وظيفة السيناريست وكاتب الحوار والقصص للأعمال السينمائية، لذلك بتنا نجد أفلاما مفككة لا تنجح في أن تصنع لها جمهورا، أو نمطا آخر من الأفلام التجارية المبتذلة التي يقبل عليها الجمهور ولكنها لا تحقق رهان الجودة الفنية. ويكفي أن نتأمل تجربة السيناريست المصري عبدالحي أديب في السينما لنفهم الدور الهام لكاتب السيناريو وتأثيره في الصناعة السينمائية.

رحلة نصف قرن من السينما عاصرها عبدالحي أديب (1928 ـ 2007) أحد ابرز كُـتّاب السيناريو منذ انطلاقه مهنيا عام 1958، عاصر كافة المناخات السينمائية وزامل وعاصر نجوم ومعلمين وأسطوات صناع الفن السابع في جميع المستويات المهنية والحرفية والأداء التمثيلي ونجوم الشباك والتحولات الاجتماعية والسياسية التي صاحبت السنوات الطويلة “الخمسينات/ الستينات/ السبعينات/ الثمانينات وحتى مطلع القرن الحادي والعشرين”.

هذه الرحلة يرصدها الناقد السينمائي إبراهيم الدسوقي في كتابه “عبدالحي أديب.. بين الكلاسيكية والحداثة” متتبعا المراحل والمرتكزات التي قطعها أديب ليقدم للسينما المصرية عددا من روائع أفلامها المتفردة في رؤاها وأفكارها ومعالجاتها.

كاتب مجدد

يرى الدسوقي في كتابه، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، أن أديب وصل إلى محطة السينما المصرية كي يكتب القصة أو السيناريو أو الحوار، جاء ووجد كوكبة من نجوم هذا الحقل الراسخ الأقدام منذ زمن، وجد هناك يوسف جوهر، أبوالسعود الإبياري، علي الزرقاني، نجيب محفوظ، السيد بدير، كتبوا النص السينمائي، ولكل منهم طريقة وشكل وطعم ورائحة وروح ومنهج، فأين موقعه من هؤلاء؟ وكيف استفاد من ذلك لإيجاد شكل وإيقاع مميز وخاص به؟

 انعكست أفكاره عبر النصوص السينمائية، التي شكلت ملامح سينما عبدالحي أديب وتميزها، خاصة في قدراته على اختيار عنصر المكان وانعكاساته على الإنسان وسلوكياته والمحركات النفسية والإنسانية والحياتية بما فيها شهواته بدافع العمل إلى الأمام.

الكتاب يتتبع مسيرة أديب متوقفا عند عدد من أفلامه التي تعد علامات مضيئة مستعينا برؤى نقاد آخرين

ويضيف الباحث أن أديب ذهب مبكرا إلى استيعاب مفردات اللغة السينمائية من خلال المخرج نيازي مصطفى، وكيف ساهم هذا وذاك في اختزال التحولات السياسية والاجتماعية وضخها في القوالب والتيارات السينمائية المختلفة خلال رحلة العمل الطويلة، مع اعترافه وقناعته بأنه استوعب درس علاقته مع الجمهور منذ بدايته الأولى، حتى لو صار يفصل ما هو المطلوب منه أكثر مما هو مدفوع بهواجس ما يدور من حوله، فقد ذهب ـ أحيانا ـ إلى مناطق لا تقنعه أو قدم مواقف لا تعنيه، واضعا في ذهنه اعتبارات هامة ألا وهي الجماهير، وحين يجد أن معادلة الجماهير وصلت إلى نصه السينمائي، كان يعمل على أن يتضمن النص ما شاء من أفكاره ورؤاه.

ويشير الدسوقي إلى أن الاعتبارات الجماهيرية خلقت حلقة وسلسلة أكثر من رائعة في التواجد وتكوين شبكة من الأفلام التي يمكن أن نطلق عليها أفلام الحركة من خلال الثلاثي الأشهر في السينما المصرية ألا وهو الأستاذ نيازي مصطفى المعلم والفنان والرائد، واثنين من التلاميذ في ذلك الوقت، الذي أخذ بيد كل منهما وصار كل منهما أستاذا ونموذجا في مهنته ليساهم في تكوين النص السينمائي لدى عبدالحي أديب، وأعاد صياغة فريد شوقي، فكانوا نقطة تحول في السياق العام للسينما المصرية.

ثم أضيفت إلى هذه المجموعة سندريلا الشاشة العربية “سعاد حسني” فصارت المجموعة رباعية تارة وثلاثية تارة أخرى، لكن شكلت ملامح سينما كوميدية تحاورت في حدود سنواتها فعاشت حتى الآن، فكان الهدف الأساسي إمتاع الجماهير والاستجابة لرغباته وميوله بقدر استمتاعه هو.

ويلفت إلى أنه بقدر ما كانت الكتابة السينمائية هي الشغل الشاغل لأديب، والتواجد الفني خلال سنوات التحولات الفكرية والمتغيرات السياسية من حوله، إلا أنه قدم نفسه خلال كل فترة طارحا ما يغوص فيه المجتمع من حوله، بفكر شاب وعقل رحب مستوعبا المتغيرات الحياتية، ووسط هذا كله كانت له من الإسهامات النقدية والفنية ومحاولة إعلاء شأن مهرجان الإسكندرية للبحر المتوسط وخدمته وتقديم شكل مغاير مع أصدقاء وزملاء وشباب المدينة الذين آمن بهم سنوات ودفع بهم إلى مقدمة العمل، وساهم معهم في تكوين جمعية الفن السابع ـ آفاق الفنون ـ بعد أن كانت جماعية سينمائية وصار لها لقاءات سنوية لتبادل الأفكار والمبادرات.

أفلام متنوعة

يوضح الدسوقي أن تجربة العمل الأول أو الضلع الأول في تجربة أديب كانت فيلم “باب الحديد” وأنه “مع البدايات حاول أن يؤكد تميزه في ما يكتبه من نصوص فيلمية، بداية من الفكرة وشكلها، وهي الأقرب إلى حياته، خاصة المكان، والدراما هنا تعتمد على كيفية اختيار المكان، ملعب الأحداث، وعلاقته بالشخصيات، ومدى تأثير المكان فيهم وتأثره بهم، وانبلجت فكرة عبقرية عن المحطة الخاصة بالسكك الحديد حيث كان منزل العائلة مطلا على محطة السكك الحديدية بالمحلة، وحركة دائمة وحياة وهامشيون يطلون بين لحظة وأخرى في سعي حول مطالب الحياة وأفراحها وأحلامها وإحباطها، لكنه اعتمد على مخزون الذاكرة ورصدها من خلال محطة ‘باب الحديد’ وطبق عليها قواعد مادة الدراما التي درسها”.

أديب ذهب مبكرا إلى استيعاب مفردات اللغة السينمائية
أديب ذهب مبكرا إلى استيعاب مفردات اللغة السينمائية

ويضيف الباحث “حتى لو كان أديب قادما من كتابة النص المسرحي، لكنه استطاع أن يخدم شكل وإيقاع المنظومة كلها، ليس هذا فحسب بل جاء المصور العبقري إلفيزي أورفانيللي ليحوّل هذا النص المكتوب إلى إيقاع بصري محققا من خلال المعاينة الكاملة ـ هو ويوسف شاهين ـ للمحطة وعناصرها المختلفة من أرصفة وشكل الحركة وعلاقات دخول وخروج القطارات والمخازن إلى جانب المحطة من الخارج، ومحاولة استخلاص شكل وعلاقات الشخصيات التي تتحرك هنا وهناك”.

ويتوقف مع الضلع الثاني فيلم “امرأة على الطريق” الذي يعتبره من كلاسيكيات السينما المصرية “فيه روح الواقعية الجديدة الإيطالية، في البناء البصري منذ البدايات الأولى، فهناك قدرة عالية على التعامل مع النهار والليل، الأبيض والأسود، وكيفية إضاءة الظلال ورسم صورة لوسط النهار، القيظ والتعبير عنه بالرمز ‘سخونة رمال محطة البنزين تحت الشمس الحارقة والرطوبة العالية، حركة أرجل لواحظ فوقها، متابعة عيون الرجال تحت الشمس الحارقة والرطوبة العالية، البادية في ملابسهم، الديك الهورن الأحمر الذي يرمز إلى الأخ الأكبر صابر، الرجل المفتول جسديا، العاري الصدر دائما’… إلخ كل هذا من خلال التعامل مع مصدر الضوء والتحكم فيه وشدته من أجل صورة فيلمية أكثر وضوحا وجمالية”.

يؤكد أديب من خلال فيلمه الحالة الواردة في النص السينمائي ناقلا وعاكسا روح انفعالات أبطاله حتى يتأكد لنا فهم الصراعات المتبادلة بحساسية شديدة خاصة استخدام المصور وديد سري للضوء الطبيعي ـ في الأماكن المكشوفة ـ حيث يستحضر خصوصية بصرية وحركة كاميرا ساهمت في رفعة النص السينمائي عبر توجيهات المخرج عزالدين ذو الفقار من أجل تقديم صورة سينمائية تكشف ما بداخل النفس البشرية في هذه اللحظة الغريزية عاكسا المعنى من المدلولات التي تؤكد ذلك.

ويضيف الدسوقي “كانت النصوص التي قدمها أديب ‘سواق نص الليل’، ‘سلطان’، و’أبوحديد’ إلى صديقه المونتير محمد عباس والتي قدمها إلى الفنان فريد شوقي كنصوص لواحد مبتدئ، يمكن أن تساهم في تقديم حكايات جديدة ومختلفة ومفتاحا ليدخل بها أديب إلى السينما، والفضل في ذلك لتواجد هؤلاء الثلاثة هدى سلطان وعزالدين ذو الفقار ونيازي مصطفى الذي أعجبه نص ‘باب الحديد’.

وتدخل رابعهم يوسف شاهين الذي وجد في هذا النص ضالته، لكن نيازي مصطفى وجد أن هذا الشاب أديب لابد من رعايته فنيا، فهو لديه الجديد وعليه أن يجد له طريقا وسط هؤلاء العاملين في هذا المجال، وأن يحافظ على خصوصيته من خلال توجيهات أستاذ الأساتذة فكانت الرحلة عام 1958”.

ويرصد أن أديب في مسيرة حياته الفنية قدّم حوالي 36 عملا مع المخرج نيازي مصطفى خلال الفترة من 1958 إلى عام 1985، من خلال نوعيات كثيرة ومختلفة ككاتب للسيناريو فقط أو السيناريو والحوار مضيفا إليها القصة ذات مضامين مهمة على الصعيد الإنتاجي والفكري، ولم تنفصل عن سينما السوق التجارية، أفلام جمعت توازن الصنعة ووضوح الهدف ولو بشكل بسيط أو عفوي، وهي:

ـ أفلام الحركة ذات الطابع البوليسي: “سواق نص الليل”، “سلطان”، “النصاب”، “آخر فرصة”، “أنا الهارب”، “المشاغب”.

ـ أفلام الكوميديا والاستعراض: “سر طقية الاخفاء”، “جوز مراتي”، “الساحرة الصغيرة”، “العريس يصل غدا”، “لعبة الحب والجواز”، “جانب السفير”، “30 يوم في السجن”، “صغيرة على الحب”، “أخطر رجل في العالم”، “شباب مجنون جدا”، “حواء والقرد”، “بابا عايز كده”، “العتبة جزاز”، “عريس بنت الوزير”، “أنت اللي قتلت بابايا”، “سفاح النساء”.

ويتتبع الدسوقي مسيرة أديب متوقفا عند عدد من أفلامه التي تعد من العلامات المضيئة مستعينا أحيانا برؤى كتاب ونقاد سينمائيين، لينتهي إلى وضع قائمة بأعمال ضمت 86 فيلما مع المخرجين: نيازي مصطفى، يوسف شاهين، كمال عطية، فطين عبدالوهاب، نجدي حافظ، محمود ذو الفقار، عاطف سالم، محمود فريد، كمال الشيخ، حسن الصيفي، حسن إمام، أشرف فهمي، نادر جلال، أمين الحكيم، أحمد فؤاد، أحمد ياسين، يحيي العلمي، عاطف الطيب، محمد سلمان، إيناس الدغيدي، عادل أديب.

13