عبدالحي يوسف قرضاوي الخرطوم ينفخ في نار الفتنة لإحباط الثورة ضد الإخوان

تحركات يوسف تجاوزت فكرة مساندة الإسلام السياسي والدفاع عن جماعة الإخوان إلى الارتباط المباشر بجماعات إرهابية دموية.
الأحد 2019/05/12
شيخ يستغل المساجد لمهاجمة التعددية

قبل 240 عاما كان المفكر الفرنسي فرانسو ماري أوري المعروف بـ”فولتير” يحتضر في بيته، وعلمت الكنيسة الفرنسية بذلك فأرسلت له قسا ليعترف ويمنحه المغفرة، وعندما أفاق صاحب العقل المستنير قليلا سأل القس الواقف أمامه “من الذي أرسلك؟”، فأجاب “الله”. اعتدل فولتير قليلا، وابتسم وقال له “إذن أرني أوراق اعتمادك. أنا لا أحتاج إليك”. ونظر إلى السماء وقال “أموت الآن وأنا أعبد الله وأحب أصدقائي ولا أكره أعدائي”.

تكرر الفعل في أزمنة وأمكنة مختلفة. وها هم تجار الدين وسماسرة الإسلام السياسي يرفضون الاعتراف بأن عموم الناس أدركوا هذه الحقيقة. هذا هو حلهم الوحيد للسيطرة والتمكن والتسيد على عباد الله؛ أن يختبئوا خلف شعار “الإسلام هو الحل”. رجال يدّعون أنهم موكّلون بالذود عن الدين، لحى كثة، وعلامات دالة على الصلاة موسومة في أعلى جبهة الوجه، يحاول أصحابها تنصيب أنفسهم متحدثين باسم السماء. أناس في عصور مختلفة وبلدان متنوعة يزعمون أنهم أصحاب الإسلام وحدهم. وكل مَن سواهم ضال وعدوّ لله.

أحدث هؤلاء الداعية السوداني عبدالحي يوسف، الذي نصّب نفسه متحدثا باسم الشريعة الإسلامية ودعا إلى مليونية لنصرة الدين في مواجهة ما أسماه “العلمانية الغازية للأراضي السودانية”، أحبطها المجلس العسكري الانتقالي بدبلوماسية، لكن لا يضمن عدم الدعوة إليها مرة ثانية وإتمامها، في ظل الأجواء المشحونة التي يعيشها السودان، ويحاول أنصار الحركة الإسلامية تحاشي اقتلاعهم من السلطة التي مكثوا على رأسها لمدة ثلاثين عاما، حتى ثار عليهم المواطنون وأسقطوا كبيرهم عمر حسن البشير.

خطيب الدوحة في السودان

يوسف شيخ معروف في الشارع السوداني يشغل مقعد نائب رئيس هيئة علماء المسلمين هناك، وأستاذ بجامعة الخرطوم، وخطيب مسجد الدوحة في العاصمة السودانية، وهو إلى جانب ذلك من مستشاري الرئيس المعزول، وأحد الدعاة العتاة للخلافة الإسلامية.

ولد بالقاهرة عام 1964 في أسرة سودانية متوسطة الحال، وبدأ حياته دارسا للتجارة بجامعة الخرطوم، قبل أن يتحول به المسار إلى دراسة الشريعة بعد سفره إلى الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، ثم تخرج فيها ليعود إلى التدريس بجامعة الخرطوم، وأصبح يمثل نموذجا واضحا للجهر بمعاداة الحريات، ورفض قيم التسامح، ومقاومة التوجهات المدنية والديمقراطية.

فتنة يوسف يفسّرها السودانيون بأنها جرجرة لمسار الحراك الشعبي بعيدا عن غاياته الأساسية، فالغاضبون خرجوا اعتراضا على الفساد والاستبداد والقمع باسم الدين وسوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ولم تكن القضية تخص الشريعة

يسير الرجل على درب يوسف القرضاوي القطري الإخواني المصري، حيث يطوّع الدين لخدمة توجهات سياسية، ويستغل النصوص لدعم بقايا الإسلاميين في النظام السوداني، كاشفا وجهه على حقيقته ليبدو في مواجهة التعددية والديمقراطية.

يمتلك تأثيرا قويا على مريديه من الإسلاميين وفي مقدمتهم الإخوان الذين كانوا يتصدرون المشهد السوداني ويناورون حاليا للبقاء تحت لافتات حماية الدين، ونصرة الشريعة من هجمة العلمانية.

ساكت عن الحق

من مسجده المعروف “سيد المرسلين” بحي جبرة في شمال الخرطوم، وقف الرجل قبل أيام ليخطب بلباقته وفصاحته محرضا المصلين على الخروج لنصرة الإسلام. وقال موجها حديثه إلى رئيس المجلس العسكري السوداني الفريق أول عبدالفتاح البرهان “يا مَن وليتم أمر هذه البلاد. إياكم ودين الله. دين الله خط أحمر. والشريعة غاية الغايات ولا نقبل مساسا بها ولا تعديا عليها”.

عرض يوسف في خطبة الجمعة مشروع دستور معلنا أن “قلة من جموع الشعب السوداني تسمي نفسها تجمع المهنيين، تريد أن تفرضه على الأغلبية المسلمة”. وشدد على أن “إزالة الشريعة الإسلامية باطل ولا يحق لأحد تبديل دين الله”.

وصل الأمر به إلى بث رسالة تهديد بالفوضى على شاكلة الإخوان المسلمين في مصر بعد احتجاجات 30 يونيو 2013 عندما هددوا بحرق البلاد إذا لم يعد رئيسهم المعزول محمد مرسي إلى الحكم. قال “إننا على استعداد للدفاع عن شرع الله حتى لو قتلنا في الشوارع”. ثم وجه كلامه للمناصرين وكأنهم الثائرون على نظام البشير قائلا “هل خرجتم تطالبون بتنحية الدين عن الحياة، هل خرجتم تطالبون بتحرير الدولة من الدين؟”.

بلغ يوسف حدا عنيفا من التصعيد، في محاولة لنهر التجمعات المناهضة للحركة الإسلامية، وتشجيع أتباعه على الاعتصام بالشارع، قائلا “إن كانوا يحشدون فسنحشد أكثر، وإن كانوا يهتفون فسنهتف أكثر ولكننا نهتف باسم الله”. واستخدم خطابا تحريضيا فجا، كأنه يريد التمسك بنظام البشير حتى آخر نفس، دون اعتداد بما يمكن أن يراق من دماء سودانية.

فتنة يوسف فُسرت باعتبارها جرجرة لمسار الحراك السوداني بعيدا عن غاياته الأساسية السياسية، فالغاضبون خرجوا اعتراضا على الفساد والاستبداد والقمع باسم الدين وسوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ولم تكن القضية تخص شريعة استخدمها نظام البشير للحفاظ على شرعية كاذبة تبرر انتهاكاته لحقوق الإنسان واحتضانه لجماعات الإرهاب.

ارتباط يوسف المباشر بجماعات إرهابية دموية، دفع اللواء أحمد المسماري المتحدث باسم الجيش الليبي إلى أن يتهمه صراحة قبل شهور في مؤتمر صحافي بأنه “مُحرض على العنف وداعم للإرهاب ومشجع للدواعش في ليبيا”.
ارتباط يوسف المباشر بجماعات إرهابية دموية، دفع اللواء أحمد المسماري المتحدث باسم الجيش الليبي إلى أن يتهمه صراحة قبل شهور في مؤتمر صحافي بأنه “مُحرض على العنف وداعم للإرهاب ومشجع للدواعش في ليبيا”.

ويرى مراقبون للأوضاع في السودان تهديد يوسف حلقة جديدة من حلقات الثورة المضادة، وتكرارا لثيمة معتادة جربها النظام السوداني مرارا، مفادها تصوير الأمر باعتباره مواجهة مع الدين لا مع نظام فاسد فشل في تحقيق الاستقرار لمواطنيه، وأداتها هي تحريض أنصاف المتعلمين ومهووسي السلفيين ضد إرادة التغيير تحت عناوين “نصرة الدين” و”حماية الإسلام” و”مقاومة مؤامرات الكفار”.

لم يستغرب المتابعون أن يكون حامل رسالة التهديد ذلك الشيخ الذي يحشد حوله الكثير من المتطرفين والقتلة والإرهابيين، ويرتبط بعلاقات بجماعات خارجية، وسبق له الدفاع عن قوانين وضعها النظام الحاكم بدعوى أنها تمثل الشريعة الإسلامية، ودافع علانية عن نظام البشير محذرا في أكثر من مرة من الخروج للتظاهر ضده.

الأخطر في مساندته لنظام الرئيس المعزول أن الأمر وصل إلى اتهامه بأنه قدم فتوى له في يناير الماضي بجواز قتل ثلث الشعب حتى يحافظ على الباقين، مشيرا إلى أن تلك الفتوى ترجع إلى الإمام مالك، وهو ما نقله أحد علماء الدين الذين حضروا اللقاء. لكن الرجل نفى الواقعة عندما وجد الحملة ضارية عليه، وذكر أنه قال “الدين يجب أن يبقى والأشخاص زائلون”.

حتى التحريف والتأويل لا ينفيان أنه في ذلك الموقف يعد تحريضا للسلطة ضد المعارضة، خاصة وإن كانت تلك السلطة تدّعي أنها تمثل الدين أو تحافظ عليه ضد خصومها الذين هم خصوم للدين بطبيعة الحال.

شيخ التكفير والمصالح

لم تمنع محاولات تبرير يوسف استمرار الغضب الشعبي من نظام البشير، بل استدعت وقائع عديدة تفشت فيها المظالم وارتكبت المذابح وشاع الفساد والفقر، ولم يقدر الشيخ الغاضب أن يفتح فمه للدفاع عنها بزعم حماية الشريعة. وكتب سودانيون على مواقع التواصل الاجتماعي وسألوا الشيخ “أين كان حرصك على الدين والشرع وأموال الناس تؤكل بالباطل وحقوق المواطنين تستباح في رضا، أين كان خطابكم واللصوص ينهبون كل شيء بلا رادع؟”.

ارتبط يوسف بمصالح مالية ومكاسب عديدة مع نظام البشير من خلال فضائية “طيبة” السودانية التي تمتلكها قناة الأندلس، وهي قناة يمتلكها عدد من الأشخاص، من بينهم عبدالحي يوسف نفسه، إلى جوار علي البشير، شقيق الرئيس السابق، وقد حصلت القناة على ترخيص بالبث بتدخل مباشر من الرئيس المخلوع.

وهناك معلومات متداولة عن مكاسب أخرى حصل عليها نتيجة قربه من نظام البشير تمثلت في تمتعه بـ14 وظيفة رسمية وشبه رسمية، جنى من ورائها مكاسب كبيرة. ولتلك الأسباب تحفظ الكثير من أساتذة الجامعة على قيام الرجل بالتدريس في جامعة الخرطوم، لأنه غير مؤهل للتدريس في الجامعة، ولم يتمكن من الحصول على درجة الدكتوراه.

يوسف يرتبط بمصالح مالية عديدة مع نظام البشير من خلال فضائية "طيبة" السودانية التي يمتلكها أشخاص بينهم يوسف نفسه، إلى جوار علي البشير، شقيق المخلوع

يبدو يوسف كأبرز المعادين للسودانيين من الأديان الأخرى، وهناك سوابق له في هذا الشأن، إذ اتهم بتحريض طلبة الجامعات لإحراق معرض للكتب المسيحية والكتاب المقدس سنة 1998، واعتبر السودان أرض إسلام لا يجوز فيها بيع كتب غير المسلمين، وله فتوى شهيرة بتكفير دعاة الديمقراطية والعلمانية والمطالبين بالمساواة بين الرجال والنساء.

المثير في تحركات يوسف تجاوزه فكرة مساندة الإسلام السياسي والدفاع عن جماعة الإخوان، إلى الارتباط المباشر بجماعات إرهابية دموية، ما دفع اللواء أحمد المسماري المتحدث باسم الجيش الليبي أن يتهمه صراحة قبل عشرة شهور في مؤتمر صحافي بأنه “مُحرض على العنف وداعم للإرهاب ومشجع للدواعش في ليبيا”.

أكد المسماري وقتها أن “يوسف شارك في دروس دينية عن الجهاد وجهت إلى الميليشيات الإرهابية وعلى علاقة مباشرة بالشيخ الصادق الغرياني مفتي ليبيا السابق، والمعروف بأنه أكثر المحرضين على العنف، ويتخذ من إسطنبول مأوى له.

ورغم محاولات يوسف المستميتة للتبرؤ من الإرهاب، وتكرار صفحته على موقع فيسبوك رفض العنف والدعوة إلى الله بالحسنى، إلا أن هناك فيديو شهيرا للرجل يخرج فيه مؤبنا أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة، عقب الإعلان عن مصرعه في مايو 2011، معتبرا إياه شهيدا عظيما يمثل الإسلام الحقيقي، وحلل له تفجير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك في أحداث سبتمبر 2001.

وقال عنه حينها “لا يفرح بموته مؤمن أبدا. فهذا الرجل جاهد في الله حق جهاده. وكان شوكة في حلوق أعداء الله. أسامة بن لادن أخونا وولينا.. كان في حياته مصدر رعب للكفار والمنافقين وكذلك يوم مماته، فاليوم تسمعون عن سفارات أغلقت أبوابها ودرجات استعداد رفعت، لأنه صدق ما عاهد الله عليه.. عاش لأمته وعاش من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا”.

مساندته لنظام الرئيس المعزول عمر البشير تتجسد في أبرز صور انحطاطها، حين قدم له يوسف فتوى في يناير الماضي بجواز قتل ثلث الشعب حتى يحافظ على الباقين.
مساندته لنظام الرئيس المعزول عمر البشير تتجسد في أبرز صور انحطاطها، حين قدم له يوسف فتوى في يناير الماضي بجواز قتل ثلث الشعب حتى يحافظ على الباقين.

ومثل الكثيرين من مشايخ الإسلام السياسي من ذوي الشعبية في العالم العربي. يمتلك يوسف قدرة على استثارة نفوس الشباب من خلال تكرار تحدي الصليبيين وتهديد الولايات المتحدة، وسرعة الاستدلال بالقرآن الكريم في كل موضع، سواء كان ذلك الاستدلال في محله أو غير محله، فضلا عن تمتعه بصوت عال زاعق يبهر جمهور العامة. هو نموذج له أكثر من شبيه في العالم العربي، رجل ذكي، يفهم طبيعة المجتمعات الإسلامية، يعي تعاطفها مع الدين، يتقن لعب دور المعلم والموجه والناصح. يتاجر بلحيته، ويوحد بين مصالحه ودين الله، ويرفع راية التهديد بالفوضى وبث الكراهية في وجوه كل

من يقف في طريقه. ويحاول اختطاف الربيع السوداني بعيدا عن جذوره المرتبطة بالناس ومصالحهم وأحلامهم في بلد يجاهد للقبول بالتعددية ورفض استغلال الدين.

8