عبدالخالق الركابي كتب التاريخ العراقي روائيا

الروائي العراقي لم يكتف بصناعة مدينته المتخيلة بل خلق شعبه المتخيل، وهو شعب يتسم بطبع شاعري مستلهم من المراثي العراقية التي تعود إلى سومر.
الأحد 2020/05/31
عبدالخالق الركابي خلق مدينته من حكايات كائناته

بدأ شاعرا ودرس الفن التشكيلي. كتب قصصا ثم تفرغ للرواية. وحين انتقل إلى كتابة الرواية انفصل عن الشعر لتكتسب لغته صرامة البحث الواقعي الماكر وذلك من خلال لجوئه إلى الخيال باعتباره واحدا من مصادر الحقيقة. ذلك ما جربه أسلوبيا حين اتجه في ما بعد إلى كتابة تاريخ العراق روائيا.

“نافذة بسعة الحلم” تجربته الروائية الأولى تحمل عنوانا شعريا لرواية واقعية أو يمكن أن تكون كذلك. تلك الرواية هي أشبه بالفاصلة التي لن يعود إليها.  

كان عليه وقد قرر أن يخترق طبقات من السرد التاريخي أن يبحث في الأصول لكي تبعث فيه الشخصيات الواقعية والمتخيلة قوة الإلهام.

تلك سيرة كائناته التي عصفت بحياته فكان يبدو كلما رأيته بقبعته كما لو أنه خرج لتوّه من سيرة رجل آخر. رجل يسبقه ويتكلم ببطء مثله وينظر إلى الآخرين باستفهام فيه قدر كبير من الإشفاق.

كان السؤال بالنسبة له “كيف يمكن أن يحتفظ المرء بهويته في إطار الرواية الحديثة؟” وهو ما دفعه إلى التنقل بين الهويات المتعددة التي شكلت عنوانا لنبوغ الهوية العراقية. ولأنه لم يكن بغداديا مثل فؤاد التكرلي أو عبدالملك نوري فقد قرر أن يكون عراقيا. ذلك قرار يمكن استيعابه من خلال قراءة رواياته التي مزج من خلالها الأزمنة ليصل إلى الروح العراقية الحية التي تقف وراء التحولات السياسية التي شهدها العراق عبر قرون من الظلام ليصل إلى النصف الأول من القرن العشرين.

المسافر بين الأزمنة

[ الركابي ومع أنه لم يكن بغداديا مثل فؤاد التكرلي أو عبدالملك نوري إلا أنه قرر أن يكون عراقيا. ذلك قرار يمكن استيعابه من خلال قراءة رواياته التي مزج من خلالها الأزمنة ليصل إلى الروح العراقية الحية
الركابي ومع أنه لم يكن بغداديا مثل فؤاد التكرلي أو عبدالملك نوري إلا أنه قرر أن يكون عراقيا. ذلك قرار يمكن استيعابه من خلال قراءة رواياته التي مزج من خلالها الأزمنة ليصل إلى الروح العراقية الحية.

هو رسول سلالات لا تزال حية من خلال حكاياتها. يمكنه أن يكون الابن والأب والجدّ في رواية واحدة. كانت تلك لعبته التي أسهب في اختراع طرقها المتشعبة. كان لديه دائما ما يقوله وهو يخترق الأزمنة ليكون الشخص الذي يكتب.  يعثر الركابي على زمنه الروائي من خلال حدث، قد لا يكون واقعيا. سيكون ذلك الحدث الذي لم يقع هو البداية لحكاية ستجر وراءها حكايات. ذلك ما تعلمه الركابي من كتاب “ألف ليلة وليلة” الذي يعود إليه دائما كما يقول.

تقنية الركابي في كتابة رواياته تستند أصلا إلى مبدأ الحكاية التي تلد أخرى. وهي حكايات لا تلتزم بالتسلسل الزمني.

لقد تمكن منه ذلك الأسلوب. حين كتب روايته “أطراس الكلام” ليكون شاهدا على ما جرى في العراق بعد الاحتلال الأميركي فإنه وضع الابن والأب والجدّ في مواجهة الحاضر الذي هو أشبه بالنبوءة القاسية.

مغامر بين التاريخ وحكاياته

ولد عام 1946 في قضاء بدرة بمحافظة واسط، جنوب العراق. مطلع السبعينات تخرج من فرع النحت بأكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، ومارس مهنة التدريس لمدة تسع سنوات وبعدها انتقل إلى بغداد للعمل في مجلتي “آفاق عربية” و”الأقلام” حتى عام الاحتلال الأميركي للعراق.

نشر أولى قصائده في مجلة “الآداب” اللبنانية وأصدر كتابه الأول وهو مجموعته الشعرية الوحيدة “موت بين البحر والصحراء”. وكانت “نافذة بسعة الحلم” روايته الأولى. بعدها توالى صدور رواياته “مَن يفتح باب الطلسم”، “مكابدات عبدالله العاشق”، ”الراووق”، “قبل أن يحلق الباشق”، “سابع أيام الخلق”، “ليل علي بابا الحزين”، “سفر السرمدية”، “أطراس الكلام”، ثم “مقامات اسماعيل الذبيح” و”ما لم تمسسه النار” 2016.

كتب في المسرح “البيزار” و”نهارات اليالي الألف”، وفي القصة القصيرة صدر له “حائط البنادق”. وعن روايته “قبل أن يحلق الباشق” حاز على جائزة أفضل كتاب عراقي عام 1990. وبعد خمس سنين توجت روايته “سابع أيام الخلق” باعتبارها أفضل رواية عراقية.  وفي العام 2017 نال الركابي جائزة سلطان العويس.

ليس صحيحا أن يُقال إن الركابي تخصص في كتابة تاريخ العراق روائيا، فهو لم يكتب رواية تاريخية. غير أن ذلك لم يكن خطأ تاما. ذلك لأن أحدا من روائيي العراق لم يغامر في النبش في التاريخ العراقي بحثا عن وقائع كانت بمثابة ركائز لما انتهى إليه الحال في العراق مثلما فعل الركابي. حيلة الركابي الفنية تتلخص في مزجه ما بين الوقائع الموثقة وبين الحكايات الشفاهية التي سمعها أو تخيلها. ذلك المزيج لا يصنع تاريخا غير أنه بطريقة أو بأخرى قد يخلق رصيدا لذاكرة، لا يمكن تخطيها. ولأن الوقائع التي عالجها الركابي بطريقة روائية لم تلمسها أيادي المؤرخين فإن نصوصه المكتوبة بمتعة قد تشكل مرجعا لمَن يهوى الالتفات إلى الماضي كما لو أنه خزانة حكايات.

سيرته الموزعة

الركابي كتب روايات يمكن النظر إليها باعتبارها جسرا يمتدّ بين ماضي العراق وحاضره من أجل أن يقرأ العراقيون تاريخهم بطريقة تحترم خيال أجدادهم
الركابي كتب روايات يمكن النظر إليها باعتبارها جسرا يمتدّ بين ماضي العراق وحاضره من أجل أن يقرأ العراقيون تاريخهم بطريقة تحترم خيال أجدادهم

يقول الركابي “منذ طفولتي وجدت نفسي وسط جو أسري تتحكم فيه أهواء الموتى أكثر من طموحات الأحياء. فتلك الحجرة المغلقة مات فيها جدي وهذا التخت المركون ماتت عليه أختي وتلك السدرة المسكونة بالأرواح زرعها عمي قبل أن يلفظ أنفاسه بأيام. ولم أر أمي إلا وهي في حداد دائم على موتاها. ترثيهم كلما جنحت الشمس نحو الغروب”.  من ذلك العالم استخرج الركابي مدينة الموتى التي بعث في أرواح سكانها الحياة من خلال رواياته المشوقة. تلك الكائنات التي تختبر قدرتها على العيش من خلال ما تنطوي عليه يومياتها من تأثير سحري، هو في حقيقته مستلهم من حكايات جانبية، سيكون من الصعب التأكد من صدقيتها وسط ذلك الفيض الجمالي الذي تنعم به لغة السرد.

ما بين الـ”هنا” والـ”هناك” يتنقل الركابي بخفة ودعة وهدوء كما لو أن كل شيء ممكن وما هو عسير واقعيا يمكن أن يكون يسيرا إذا ما بسطت الحكاية سجادتها أمامه. لذلك يمكن النظر إلى روايات الركابي باعتبارها سيلا لا ينقطع من الحكايات التي لا تهدف إلى تأكيد واقعة بعينها بقدر ما تسعى إلى أن تحقق وجودها بمعزل عن زمنها. يروي الركابي ما يعزز مهارته باعتباره كاتبا وفي الوقت نفسه فإنه يخلق تاريخا مجاورا. هل كان الركابي يكتب سيرته وهو يتنقل خفيفا بين غرف عائلته؟ يقول “في ما يخص تجربتي الروائية فقد توزعت شذرات من سيرتي على العديد منها حتى أنني قد استعيض بها عن كتابة سيرتي الذاتية. بيد أن ذلك لم يمنعني من الحذر من الوقوع في مأزق استنساخ التجربة الشخصية مما دفعني إلى ابتكار مدينة الأسلاف المفترضة ليتسنى لي بذلك التحرك بحرية في مدينة من نتاج مخيلتي جمعت فيها شذرات من المدن العراقية التي عشت فيها فضلا عن مدن وهمية قد حلمت بها”.

لم يكتف الركابي إذا بصناعة مدينته المتخيلة بل خلق شعبه المتخيل. وهو شعب يتسم بطبع شاعري مستلهم من المراثي العراقية التي تعود إلى سومر. ذلك ما يوحي بأن الركابي كان يسعى إلى كتابة ملحمته الخاصة التي يتصل من خلالها بالملاحم العراقية الخالدة. تلك فكرته عن رواية عراقية لم تُكتب من قبل. رواية معاصرة غير أنها لا تنسف الخيوط التي تصل بينها وبين الحكايات التي كُتب لها الخلود. 

كتب عبدالخالق الركابي روايات يمكن النظر إليها باعتبارها جسرا يمتد بين ماضي العراق وحاضره من أجل أن يقرأ العراقيون تاريخهم بطريقة تحترم خيال أجدادهم من خلال حكايات ستظل نضرة إلى الأبد.

من رواية "سابع أيام الخلق"

قال الراوي: ولكنْ… أحدثَ الأمر بهذه الصورة؟ أم بشكل آخر؟ سؤالان عزّز جوابهما الآراء المتناقضة حول حقيقة “السيد نور”؛ فثمة من عدّ الأمر واحدة من كراماته، في حين أكد آخرون أن الأمر لا يخرج عن احتمالين: إما أن يكون مجبل هو الذي تسلل من بيته، تحت جنح الظلام، حاملا صديقه المحتضر إلى جناح قلعته، أو أن “مطلق” نفسه استطاع الوصول إلى هناك زحفا!

الركابي والكتابة الروائية لتاريخ العراق الحديث
تاريخ العراق الحديث

ووسط هذه الآراء المتناقضة بقيتِ الأعين ترمق التل بنظرات هلع أياما وليالي. وبقيت الألسن تردد السؤال المفزع: ـ تُرى ألا يُحتمل أن يكون قد أعدانا بهذا الوباء الرهيب؟ الطاعون! إنها الكلمة المرعبة التي لا تكف الأفواه عن ترديدها، مشفوعة بالتفاتات ذُعر نحو القلعة.

الطاعون! إنها الكلمة المقيتة التي تخطر في الأذهان تلقائيا طوال ساعات النهار، حتى إذا ما هرب الناس منها باللجوء إلى النوم طاردتهم في الأحلام. الطاعون! إنها الكلمة التي تحول بين الآباء ومداعبة أطفالهم لحظة عودتهم من الحقول والبساتين متعبين: تُرى أيحصدهم الوباء ليبقى فلذات أكبادهم من بعدهم دون معيل؟ أم كتب الله عليهم أن يروهم وهم يذوون تحت أبصارهم دون أن يملكوا للقضاء ردا؟

الطاعون! إنها الكلمة التي كانت تطفئ الآمال في عيونهم لحظة كانوا يتطلعون غربا حيث تنداح حقول القمح على مدى البصر وقد انحنت السيقان تحت ثقل السنابل. قال الراوي: ومرت الأيام، والآذان مرهفة في انتظار سماع الصرخة المتوقعة وهي تنطلق من فوق التل.

كانوا موقنين من هذا الأمر حتى أنهم أخذوا يحددون موعد انطلاقها: غروب هذا اليوم. وحينما يخيب توقعهم كانوا يقولون: لا بل منتصف الليل.. أو صباح الغد.. أو عند الظهيرة.. لكن الأيام تعاقبت دون أن يسمعوا تلك الصرخة إلى أن حلّ فجر يوم لا ينسى؛ فقد هبّ الجميع من نومهم القلق الحافل بالكوابيس على دويّ الصرخة المنتظرة، وفتحوا الأبواب، وأطلوا برؤوسهم إلى الخارج، وهم يترحّمون على روح “مطلق” شاعرين في أعماقهم بشيء من الراحة لكون العبء قد أُزيح عن صدورهم. لكنهم لم يصدقوا أسماعهم حين فوجئوا بمن يقول إن أول ضحايا الوباء ليس “مطلق” إنما هو رجل من بينهم؛ فقد انطلقت الصرخة من أحد بيوتهم!

وما كاد الليل ينتصف حتى انطلقت صرخة ثانية من بيت آخر، في حين بقي باب جناح القلعة مغلقا لا يُفتح إلا أمام مجبل الذي لم يعد ثمة من يمنعه من تفقد أحوال صديقه! ومرّ أسبوع لم تكفّ الصرخات خلاله عن الانطلاق من هنا وهناك. وكان الموتى قد كثروا حتى عزّ على أهلهم الحصول على الأكفان. وكانت أعدادهم تتضاعف يوما بعد يوم: تسقط النساء وسط حلقات الندب والبكاء، ويسقط الرجال وسط مجالس الفاتحة. وصار الموتُ أمرا مألوفا.

9