عبدالرؤوف شمعون رسام مشاهد تجريدية لا تنكر واقعيتها

الرسام الأردني مارس الكتابة محترفا، فهو يتحاشى العناوين الأدبية التي لا يمكن أن تعبر عن جوهر الممارسة الفنية وتظل مقطوعة الصلة بالرسوم.
الأحد 2020/05/17
"رسام استفهامي" يظل يحتفظ بمسافة من الغموض تحيط به

"هندسة الخراب" تعبير ليس من اليسير الإفلات من شحنة التشاؤم التي ينطوي عليها. فكيف يمكن التقاط الصور التي تبعث الأمل من بين ثناياه؟ تلك فكرة خيالية تستمد قوتها من الواقع.

ذلك ما حاوله الرسام الأردني عبدالرؤوف شمعون حين اتخذ من ذلك التعبير عنوانا لأحد معارضه. وهو يدرك جيدا أن محاولته تتقاطع من خلالها الوقائع والأوهام في زحمة من الحكايات.

ولأن شمعون مارس الكتابة محترفا فإنه يتحاشى العناوين الأدبية التي لا يمكن أن تعبر عن جوهر الممارسة الفنية وتظل مقطوعة الصلة بالرسوم. لذلك وجد في عبارة مثل “الوحدة والتنوع” عنوانا لتجربته الفنية.

لقد عمل على أن تكون تلك الثنائية مصدر إلهام لطريقته في التفكير الفني كما أنه اتخذ منها قاعدة لتحولاته الأسلوبية التي حرص على أن تكون بطيئة، إضافة إلى تداخلها بطريقة تؤكد عدم انفصالها.

مكيدة بصرية

شمعون لا يشبه أحدا من الرسامين الذين سبقوه أو جايلوه
شمعون لا يشبه أحدا من الرسامين الذين سبقوه أو جايلوه

في لوحة واحدة نراه واقعيا وتعبيريا وتجريديا. غير أنه في لوحات أخرى يمكن أن يكون واقعيا أو تجريديا خالصا. ليست لديه وصفة أسلوبية مسبقة يلتزم بها بالرغم من أن لوحته يمكن تمييزها من غير الحاجة إلى قراءة توقيعه.

سلوكه أثناء الممارسة الفنية هو ما يملي على يده طريقتها في التصرف. وهو ما جعله لا يشبه أحدا من الرسامين الذين سبقوه أو جايلوه. حتى في الرسوم الواقعية وغالبا ما كان يرسم وجوه نساء فإن هناك مسحة تعبيرية تميزه، مصدرها طريقته في استعمال العناصر وإنشاء التكوين وهي طريقة تزيح الواقعية عن مكانها المدرسي.  

الوجوه التي يرسمها ليست لأحد بعينه ولكنها يمكن أن تكون قناعا لكل أحد. فهي ذات طابع رمزي يعبر عن معان تتخطى اللحظة التي تُرسم فيها. وكما يبدو فإن تلك الوجوه كانت ملاذ الرسام الذي يعود إليه بين حين وآخر ليبقي على الخيط الذي يصل بينه وبين الواقع. ذلك شأن شخصي لا ينفي أن شمعون كان ولا يزال واحدا من أهم الرسامين التجريديين في الأردن.

استفهامي في غموضه

شمعون يبني لوحته انطلاقا من مفردات توحي أشكالها بتجريديتها
شمعون يبني لوحته انطلاقا من مفردات توحي أشكالها بتجريديتها

ولد شمعون في عمان عام 1945. وبالمستوى نفسه كان كاتبا ورساما. لم يتأخر الكاتب ولم يتقدم الرسام ولم يلتحق أحدهما بالآخر. وهوعضو في رابطة الكتاب الأردنيين وفي الوقت نفسه عضو في رابطة التشكليين الأردنيين. وقد نشط منذ بدء ظهوره في مجال الكتابة النقدية والنظرية عن الفن، فكان ناقدا فنيا تثير أراؤه اهتمام المتابعين للشأن الفني بسبب ما تنطوي عليه من خبرة بمقومات العمل الفني من داخله، غير أن شمعون آثر في مراحل لاحقة أن يخفف من نشاطه الكتابي ليتفرغ كليا للرسم.

حاز على جائزة الدولة في الفنون عام 1990 كما حاز على الجائزة التقديرية لبينالي الشارقة عام 1992 وأقام أكثر من 15 معرضا شخصيا. كان قد أقام معرضه الشخصي الأول عام 1972.

يقول في وصف علاقته بما يرسم “صورتك تحت عينيك. حينما تنظر تشاهد الآخرين، وعمقا داكنا غير السواد، حيث حساسيتك المعلقة بزمن يمضي مجافيا للتوقعات.

فهل هذا يعني، أنك تعطي أفضلية للحلم؟ ذلك يمكن أن يحدث، ولكن كيف باستطاعتك أن تملأ بالغموض الموحي عصر المكائد واشتباك المعايير القيمية حين تلامس أداة الرسم؟ ومتى؟ في الصحو المربك وأين؟ في بقعك المكشوفة للنهايات، أم في فضائك المفرط نفسه الذي شهد مصادرة الأسطورة أولا، ثم الهتك الأخير للرومانسية تاليا؟“.

“رسام استفهامي” يمكننا أن نصفه من غير أن يكون ذلك وصفا أكيدا لعالمه التجريدي الذي يظل يحتفظ بمسافة من الغموض تحيط به. ذلك الغموض هو مصدر إيقاعات غنائية تنبعث من اصطدام الخطوط والمساحات الملونة، بعضها بالبعض الآخر. في النهاية نكون أمام رسام غنائي لا يكترث كثيرا بالمعاني. 

بعد جمالي استثنائي

لعبة ماكرة مارسها شمعون من أجل أن تعلو القيم الجمالية فوق كل قيمة أخرى
لعبة ماكرة مارسها شمعون من أجل أن تعلو القيم الجمالية فوق كل قيمة أخرى

وبالرغم من عزوفه عن الاسترسال في العاطفة فإن شمعون يبني لوحته انطلاقا من مفردات توحي أشكالها بتجريديتها غير أن تلك المفردات في الحقيقة كانت مستعارة من الواقع ليستدل الرسام من خلالها إلى أصول الحكاية التي تشكل واحدا من أهم الدوافع التي تقود إلى الانفعال ومن ثم الرسم.

ولو لم يمارس شمعون نوعا من الضبط لعاطفته لكنا قد رأينا تلك المفردات واضحة ولذهب تذوقنا لرسومه في اتجاه مختلف. ففي جزء كبير من رسومه تظهر الخيمة باعتبارها رمزا لحياة طويلة وليست مأوى مؤقتا. ذلك ما جعله يستأنف السؤال الوجودي من لحظة ضياع، خلق منها بؤرة تتمحور حولها تفاصيل تجربته الجمالية.

يمكنك أن ترى العالم الخارجي من خلال شقوق تلك الخيمة وفي المقابل يمكنك أيضا أن تجعل العالم يرى في الخيمة نفسها مقياسا للألم والعذاب والشعور العميق بالحرمان من الحياة الحقة. تلك كما أعتقد واحدة من أهم الرسائل التي حملها فن عبدالرؤوف شمعون كما أنها كانت وسيلته لاستدراج التحولات الأسلوبية.

كان كل تحول هو عبارة عن طريقة جديدة في النظر إلى المفردات التي صنع منها الرسام عالما وبالأخص الخيمة التي كانت عنوانا لمسيرة امتزج فيها التلفت الحائر بالرغبة في احتضان العالم.

لعبة ماكرة مارسها شمعون من أجل أن تعلو القيم الجمالية فوق كل قيمة أخرى. ذلك ما أضفى على رسومه طابعا إنسانيا يتفوق في تأثيره على الألم الشخصي الذي قد يكون غامضا بالنسبة لآخرين. صنع شمعون بعدا جماليا استثنائيا فشل كثير من رسامي القضية الفلسطينية في الوصول إليه بسبب انغماسهم في سرد الحكاية وسماحهم للعاطفة بأن تلتهم الجزء الأكبر من الطاقة التعبيرية. لقد حرص على أن تستقل لوحته عن الحكاية التي ترويها.

9