عبدالرحمن آل رشي مات قبل أن يظفر أحد برأس غليص

الأحد 2014/04/27

برلين - “عاشت سوريا ويسقط بشار الأسد” تلك هي الجملة الجريمة التي نطق بها لسان الفنان والمخرج السوري محمد آل رشي، في بداية التظاهرات السلمية التي لم يكن لها طابع مسلح ولا ديني، في مواجهة نظام بشار الأسد الأمني وشبيحته، تناقلت مواقع الإنترنت وصفحات التواصل الاجتماعي كلمات آل رشي، ومن تلك الجملة بدأت معاناة طبقة من الفنانين والنخب السورية، التي لم تكن قد أعدّت العدّة ليوم كهذا، ففوجئت بأجيال خرجت من تحت جناحيها جرّتها إلى الانتفاضة جرّاً، من هؤلاء كان أقرب الناس إلى محمد آل رشي، إنه والده الفنان السوري الكبير عبدالرحمن آل رشي الذي رحل عن عالمنا منذ أيام في دمشق.

كان عبدالرحمن آل رشي، الكردي السوري، ابن الشمال البعيد، والذي اختار حارات الأكراد في جبال دمشق مسكناً له، منذ عقود طويلة، ليخوض غمار الحياة الفنية، معتمداً على حضوره الخاص، وصوته الخاص أيضاً، والأدوار التي قبل أن يؤديها مغامراً بالجماهيرية، الأدوار الشريرة، التي توقع كثيرون أنها ستجلب له حقد المشاهدين وغضبهم، ولكنها في الواقع صنعت له شعبية جارفة، فمن لا يذكر ” رأس غليص”؟

كان غليص، الشيخ القبلي الشرير، هو عبدالرحمن آل رشي، في عمل درامي أنتجه تلفزيون دبي في العام 1975 وبث في العام 1976 عن قصة لمريم المشيني وسيناريو وحوار الكاتبين السوريين الراحلين خالد حمدي كاكا وعبدالعزيز هلال، وشاركت آل رشي بطولته الفنانة المصرية هناء ثروت بدور حمدة، وكان من إخراج المخرج السوري علاء الدين كوكش، وقد صوّر المسلسل في دبي في العوير، وكان غليص رجل جريمة، تعرّض لغدر في طفولته تسبب بمقتل والده، مما غيّر تكوينه الإنساني وهو لم يزل في السابعة من عمره.

درج اسم ” غليص” على ألسنة الناس، في السبعينات، وكان الكل يطالب بـ” رأس غليص” في تعبير رمزي عن المجرم المطلوب في كل بلد عربي، عرف القمع والإفقار، ومع اسم غليص تناقل الناس اسم عبدالرحمن آل رشي، الذي انتقل على الفور إلى أعمال أخرى مستعيناً بمعرفته العميقة بالتراث والعربية، فكانت الأدوار التاريخية يسيرة عليه، تجعله حاضراً على الفور في أذهان صنّاع الدراما والمشاهدين، وكان قد حصّل رصيداً أصيلاً في السينما من خلال أدوار خاصة، لم يقدر عليها غيره، سواءً في "اليازرلي" أو"كفر قاسم" أو "المخدوعون" عن قصة الشهيد غسان كنفاني، ليتوسع عمله ويدخل بيوت الناس من جديد عبر ثورة الدراما السورية بالكثير من الأعمال التلفزيونية، التي تجاوزت المئتي عمل.

نسي المشاهدون “غليص” وأطلقوا على عبدالرحمن آل رشي لقب ” الزعيم” لأنه عرف بدور زعيم الحارة في مسلسل “باب الحارة” وفي أعمال شامية أخرى غيره، تعلقوا بكبير الحارة، وبكبير الدراما السورية، الذي لم يكن يرخص ذاته للحضور هنا أوهناك في الأوساط الفنية والإعلامية، فكان قليل الحضور كثير الكلام، في مجالسه ويومياته، يختلف كلياً عن صوره على الشاشة، متمرد وغاضب ونزق، سليط اللسان، ورافض لكل شيء.

عرف الجمهور العربي على امتداد بلدانه عبدالرحمن آل رشي في مسلسل "رأس غليص" حين أدى أكثر أدواره الشريرة ولكن المشاهدين تعلقوا به ولم ينسوه يوماً وبعد عشرات السنين أطلقوا عليه لقب "زعيم الحارة"


عقل الكردي


ولد عبدالرحمن آل رشي في بدايات الثلاثينات، وفي سن العشرين بدأ ميله إلى الفن في نادي الشرق، وشارك في أول عمل مسرحي لنادي الشرق في القاهرة بمسرحية “لولا النساء”، ليعمل في الدراما الإذاعية، ويواصل العمل المسرحي من مسرحية “أغلى جوهرة بالعالم” لكولييت خوري، إلى مسرحية “شيترا” في العام 2006 من تأليف الشاعر والفيلسوف الهندي طاغور، وإخراج رامي شقير، وكان أول مسلسل ظهر فيه “بياع الحلوين”، ثم في مسلسل "القيد" من إخراج غسان جبري؛ و"مذكرات حرامي" 1968 لحكمت محسن، ومسلسل "حارة القصر" 1970 تأليف عادل أبو شنب، إخراج علاء الدين كوكش أيضاً؛ و مسلسل "غضب الصحراء" 1993 من تأليف هاني السعدي وإخراج هيثم حقي؛ وفي مسلسل "نهاية رجل شجاع" 1993 سيناريو وحوار حسن- م- يوسف، إخراج نجدت أنزور، وأعمال أخرى كثيرة، كان منها مسلسل” جواهر” الذي أدى فيه دور الأب المولع بالشعر.

قبل ذلك كانت البيئة التي خرج منها آل رشي بيئة محافظة، منعته من العمل في مجال الفن، يقول آل رشي “كنتُ أخاف من والدي كثيراً؛ فتحولت عن الفكرة ولم أدخل مجال التمثيل إلا بعد وفاته؛ وكان ذلك من خلال النادي الشرقي عام 1955 النادي الذي ضم أعضاء متمكنين في اللغة والآداء والقراءات وقد سبقوني وقتها بأشواط ما حفزني واستفزني بقوة على تطوير ذاتي عن طريق المعرفة؛ خصوصاً أن مستوى ثقافتي كان سيئاً في بداياتي إذ توقف تحصيلي التعليمي عند (السرتفيكا) سنة 1944 وإن كانت في وقتها شهادة مقبولة نسبياً إلا أنها لا تتناسب مع وضعي الجديد؛ فواظبتُ على القراءة وكان المخزون الثقافي الرفيق الأجمل الذي قلب حياتي وإلى الآن فإني أحفظ عن ظهر قلب أكثر من ألف بيت من الشعر العربي وأشعر بسعادة غامرة عند استذكارها”.

بقي عقل الكردي يسيطر على عبدالرحمن آل رشي، فهو صديق الريح والجبال، ولا يسمع إلا صوت نفسه، ولا يأتمر إلا لما يصدر عن ذاته، أصرّ على ما يريد وفعله حتى آخر لحظة في حياته.

لم يستطع جيل عبدالرحمن آل رشي الفكاك من الواقع الذي عاشوه طويلاً وانسجموا مع مناوأته ووطّنوا أنفسهم على آليات دفاع واضحة تقبلها عقولهم وحين انتفض الشعب ضد النظام السياسي الأمني مال هذا الجيل إلى الصمت أولاً رغم أنهم كانوا أكثر الناس احتجاجاً ورفضاً لما رفضه الشباب فيما بعد


حفظ التراث العربي


وكان لعبدالرحمن آل رشي ولعٌ خاص بالأعمال التاريخية التي يصدح فيها صوته باللغة العربية التي سحرته، فكان أداؤه لشخصية "ابن جني" في مسلسل "المتنبي" والأدوار المماثلة له، كما البرامج التي اهتمت بالشعر والتراث واقتطفت من أمهات الكتب، فتربت أجيال على معلقات كبار شعراء العربية بصوت عبدالرحمن آل رشي، واعتمدتها الموسوعات الإلكترونية كوثائق على بدعة الإلقاء، قال آل رشي إنه حفظ في بداية حياته ألف بيت من الشعر ليكون ذخيرة له في المنابر السورية، وقد قام بالفعل بإلقاء الكثير منها في مناسبات عدّة، وعبر الإذاعة والتلفزيون، فنفعته ذخيرته وبقيت لمن بعده.


أزمة جيل آل رشي


لم يستطع جيل عبدالرحمن آل رشي الفكاك من الواقع الذي عاشوه طويلاً، وانسجموا مع مناوأته، ووطّنوا أنفسهم على آليات دفاع واضحة تقبلها عقولهم، وحين انتفض الشعب ضد النظام السياسي الأمني، مال هذا الجيل إلى الصمت أولاً، رغم أنهم كانوا أكثر الناس احتجاجاً ورفضاً لما رفضه الشباب فيما بعد، وقد نالهم نصيبهم الكبير من الاضطهاد والنفي والإبعاد عن الحياة الطبيعية، حتى أنهم عرفوا مبكّرين أن هناك ما يدفعهم أكثر إلى الانزواء، فلا تجد لهم حضوراً في ساحات الإعلام الرسمية، بل إنهم كانوا يعانون من الإغفال والتجاهل، فقصروا اعتراضهم واحتجاجهم على يومياتهم الخاصة، وفي جلساتهم الخاصة، ولم يخطر ببالهم أنهم سيضطرون إلى المجاهرة بتلك الآراء في يوم من الأيام، ولكن نظام الأسد لم يتركهم على صمتهم، بل ضغط عليهم بكل الوسائل، فاعتقل أقاربهم وهددهم، وروّعهم، ليدفعهم إلى تأييده دفعاً، فكان عبدالرحمن آل رشي من هؤلاء الذين غنّوا لبشار الأسد وهو يقتل السوريين، ليدفع بلاءً آخر كان أدرى به من الناس جميعاً، فأشاعت أجهزة نظام الأسد أن عبدالرحمن آل رشي تبرأ من ابنه بعد موقفه المعارض للأسد، ولكنه سارع إلى نفي هذا بالقول: ” لم أتبرأ من ابني لأنه قال عاشت سوريا ويسقط بشار الأسد.. هو حر في رأيه، وأنا لن أتدخل في السياسة” ولكنه كان في تصريحاته تلك يردّد العبارة ذاتها.. المشكلة.

10