عبدالرحمن الأبنودي صانع الحلم والثورة وصديق الأنظمة

الأحد 2015/02/22
شاعر دخل بيوت الناس بحناجر عبدالحليم وشادية وصباح

لا شك أننا عندما نتحدث عن الشاعر عبدالرحمن الأبنودي، فإننا نتكلم عن قامة سامقة بقدر لا يمكن التحفظ عليه سوى عبر ما يمكن أن يتلمسه المرء في مقاربات خارج الشعر، ومن ثمة فتقديراتنا لمواقف الشاعر خارج شعره ستظل محل مراوحة، بين التأييد والمعارضة، لا سيما إذا طرحنا السؤال المجهد، هل يمكن للمواقف السياسية والعقائدية أن تخصم أو تضيف إلى منجز الشاعر؟

هناك تيار من الرومانسيين لازال يربط بين منجز الشاعر ومواقفه، باعتبار أن الشاعر ما هو إلا حاصل جمع قناعاته وأفكاره ومواقفه، وثمة تيار آخر يدّعي أنه الأكثر عقلانية وحداثة، يرى أن الشاعر لا يجب أن يخضع لمثل هذه الأحكام الأخلاقية التي تغيب عنها الموضوعية، بحسبان أن الأحكام الأخلاقية نفسها تعد تعبيرا عن منظومة من القيم المتحولة وغير الثابتة تاريخيا.

في كل الأحوال لا يمكن للمرء أن يسلّم، مكرها أو راضيا، بكلا الاتجاهين فمنجز الشاعر عبدالرحمن الأبنودي، وإن لم تنل منه مواقفه السياسية إلا أنها مواقفه في نهاية الأمر، لا بد من التوقف أمامه كما يحلو لكثيرين أن يتعاملوا مع شاعر بقامة الأبنودي، باعتبار أن دوره تجاوز كونه منتجا لنص شعري إلى كونه واحدا من المؤثرين في صناعة سلّم القيم المجتمعية، بسبب شهرته الذائعة وتأثيراته الجمة على أكثر من صعيد.


من بيرم التونسي إلى الأبنودي


لا يجب أن يمنعنا هذا اللغط الذي يبدو منهجيا أكثر مما ينبغي، من الإقرار بأن المنجز الشعري للأبنودي في جملته تأكيد وتعزيز لسلسلة من القيم الجمالية التي ورثتها الذائقة الحديثة، في العقل العربي عموما، والمصري علي نحو خاص، وهو مناط طليعيته وتقدميته، فقد ارتبط شعر العامية قبل بيرم التونسي وفؤاد حداد وصلاح جاهين بنموذج للتعبير الاجتماعي أطلق عليه النقاد فن “الزجل”، وهو شكل تعددت روافده وأشكاله، غير أنه بقي تعبيرا عن الأنماط التقليدية في الوعي، لأنه ظل مرتبطا بالوظيفة الاجتماعية كشعر مناسبات بالأساس، فظلت روح الشاعر بعيدة تماما عن الحفر في المعني، ومن ثمة بعيدة عن التأثير في تجديد اللغة، كذلك تجديد معرفتنا بالعالم، عبر غناء منفرد، هو أعلى تمثيلات الذات الشاعرة.

لذلك كانت ثمة حتمية لدى الشعر الجديد أن يعيد النظر في الدور الاجتماعي للفن، دون أن يكون ذلك ضد وظيفته أو ضد قارئه، وقد كان الإدراك المبكّر للشاعر عبدالرحمن الأبنودي بحتمية إعادة النظر في القيم الجمالية البالية الموروثة عن تركة المحافظين من الشعراء الشعبيين، استباقا واستكمالا لوعي أسّس له رواد العامية الجديدة.

العلاقة الدافئة بين الأبنودي والأنظمة الجمهورية الثلاثة، لم تمنعه من تأييد واسع النطاق، بل مسرف في تجلياته لثورتي الخامس والعشرين من يناير ثم الثلاثين من يونيو، وقد سطر ولازال الكثير من الشعر في مديح الثورتين

قارئ الأبنودي، لا شك ستعاوده تلك التصورات بمجرد مطالعة الأعمال الأولى للشاعر، وقد يكون ديوان “الأرض والعيال” واحدا من تلك التمثيلات، مع أنه الديوان الأول للشاعر، كان هذا الديوان إيذانا بحلول مرحلة جديدة من الوعي الجمالي والسياسي والمجتمعي، حيث الزجل وشعر المناسبات يغادران موقعهما، تاركين الساحة أمام وعي جمالي شديد الجدة والطزاجة، لأنه كان يملك كل مقومات الإزاحة.

تلك التحفظات العاقلة أبداها الناقد سيد خميس في مقدمته المهمة لهذا الديوان الذي صدر عام 1964 عن دار “ابن عروس″ التي أسسها الأبنودي وسيد حجاب، وشاركهما فيها الشاعر الكبير صلاح جاهين، حيث صدرت عنها ثلاثة دواوين من أهم ما صدر في الشعر المصري والعربي الحديث هي: “رباعيات صلاح جاهين”، والديوان الأول للشاعر سيد حجاب “صياد وجنية”، ثم الديوان الأول أيضا للشاعر عبدالرحمن الأبنودي “الأرض والعيال”.

مقدمة الناقد الراحل سيد خميس، أنكرها الأبنودي بعد ذلك، رغم أنها كانت إحدى الروافع التي ساهمت في نجاح كبير حققه الديوان، أشارت بوضوح وجزم إلى أن جيل الأبنودي جاء لاستكمال بناء قائم بالفعل، ولم يأت ليخط بداية جديدة، ما يعني أن فكرة إنكار الماضي بما فيه من أسلاف ليس واردا.

لكنه في الوقت نفسه يشير إلى أن تمدد مناخات الوعي القومي الجديد، الذي ارتبط بمشروع سياسي كبير، قاده الرئيس الراحل جمال عبدالناصر الذي كان الأبنودي واحدا من أكبر مناصريه ومناصري ثورة يوليو 1952 بصفة عامة، كان يعني بالضرورة مزج عناصر مركبة أكّدت أن الشعر الجديد، كان أكثر وعيا بلحظته، عبر ارتباطه بموقف إنساني أكثر شمولا، بدا في انحيازات جمالية على صعيد التركيب اللغوي وابتكار أشكال جديدة للتعبير والانفتاح على آلام الإنسان المعاصر، كذلك ولوج الشعرية الجديدة إلى الصراع الحضاري دون انفصال عن الصراعات العقائدية والسياسية التي كانت الأكثر تأثيرا في مصير البشرية منذ بزوغ العصر الصناعي.

هذا ما جعل من الأبنودي وجيله طاقة أمل حقيقية ساهمت في تجديد الروح الشعرية والإنسانية، لأمّة كانت تبحث عن صوتها في صوت من انتخبتهم ممثلين لروحها الجديدة.

موقع الأبنودي كواحد من صناع القيم العامة يعززه الانتشار الواسع لقصائده المغناة من قبل كبار المطربين المصريين، منذ أن بدأ مشواره مع الفنان الصاعد آنذاك محمد رشدي، بالأغنية الشعبية الشهيرة (تحت الشجر يا وهيبة)، ثم مع عبدالحليم حافظ وشادية ونجاة الصغيرة وصباح وآخرين


شقة العجوزة


لم يكن الأبنودي المولود في العام 1938 بقرية أبنود في محافظة قنا بصعيد مصر، سوى واحد من تلك “الشلة” التي سميت بشلة “شقة العجوزة”، وهي شقه تعد بين أشهر الشقق في الوسط الثقافي المصري آنذاك، فقد كانت تلك الشقة محط اجتماع القاص والروائي يحيى الطاهر عبدالله، والشاعر أمل دنقل، والشاعر سيد حجاب، والتشكيلي عدلي رزق الله، والناقد سيد خميس، والكاتب الصحافي صلاح عيسي، ثم انضمت إلى تلك الكوكبة فيما بعد أسماء مهمة أيضا مثل الشاعر الراحل عبدالرحيم منصور.

تلك الجغرافيا الضيقة التي جمعت كل هؤلاء متسعة الرؤيا بدرجة دفعتها لاستيعاب المختلف والمؤتلف، على المستويين الفكري والجمالي، حيث خرج من عباءتها فنانون مثلوا فيما بعد واحدة من أبرز ملامح الفن المصري.

كان الأبنودي يسير دائما، وخلفه الكثير من التراكم الحضاري القادم معه من أقصى الجنوب، ومن أكثر مناطق صعيد مصر فقرا، حيث ولد بمحافظة قنا لأب يعمل مأذونا شرعيا، وباعتباره رجلا أصوليا كان يمزق كل ما تقع عليه عيناه من منجزات الابن المارق في رأيه.

هذه المناخات دفعت الأبنودي للتمرد على وظيفته الحكومية في محكمة قنا، التي التحق بها بمؤهله المتوسط، غير أنه أدرك مبكرا أن موهبته لن تتبلور سوى في قلب مركزية القاهرة وأضوائها الساطعة، وهو ما حدث بالفعل.

ثم كانت محطته الأهم بزواجه من مخرجة الأفلام التسجيلية ذائعة الصيت عطيات الأبنودي، التي عاشت معه حلم الفن وحلم اليسار السياسي باليوتوبيا الأرضية، التي ارتبطت بالمشروع القومي، وفي ظل هذه الزيجة أصدر الأبنودي أهم أعماله الشعرية التي صنعت منه ذلك الاسم الكبير والمؤثر في حياتنا، غير أنه انفصل عن زوجته في نهاية ثمانينات من القرن الماضي، وتزوج من المذيعة الشابة آنذاك نهال كمال وأنجب منها ابنتيه “آية” و”نور”، وهو يعيش اليوم في مدينة الإسماعيلية، على قناة السويس، استشفاء من مرضه الصدري المزمن الذي يلازمه منذ فترة طويلة.


عباءة اليسار


ارتبط الأبنودي بعلاقات وثيقة بكل الأنظمة السياسية، التي عاصرها شابا وكهلا وشيخا، ورغم أنه لم يعتنق الفكر اليساري في أيّ لحظة، إلا أن عباءة اليسار المتسعة في خمسينات وستينات القرن الماضي، التي استوعبت عشرات الأصوات الطليعية على صعيد الفكر والفن، كانت واحدة من أسباب تأييده لثورة يوليو ونظامها السياسي، وقد استطاع أن ينجز على ظلالها أهم دواوينه الشعرية وفي مقدمتها ديوانه “الأرض والعيال” الذي صدر في طبعته الأولى عام 1964، ثم ديوانه “الزحمة” الصادر عام 1967، و”عمّاليات” عام 1968، ثم ديوانه “جوابات حراجي القط” 1969، وهو واحد من أهم دواوينه الشعرية، حيث كرسه لمؤازرة مشروع السد العالي، الذي كان يمثل بؤرة المشروع الناصري، خاصة بعد هزيمة يونيو 1967.

ثم أصدر الأبنودي ديوانه المهم “الفصول” الذي شهد أعلي تحقق شعري له، ورغم أنه سُجِن لأيام قلائل، إلا أنه لم يتخل عن تأييده لثورة يوليو حتى الآن.

ارئ الأبنودي تعاوده التصورات الجمالية بمجرد مطالعة الأعمال الأولى للشاعر، وقد يكون ديوانه “الأرض والعيال” إيذانا بحلول مرحلة جديدة من الوعي الجمالي والسياسي والمجتمعي في مسار الشعر

أما في حقبة الرئيس الراحل أنور السادات، التي ظلت حتى انتصار أكتوبر 1973 تمثل امتدادا للحلم القومي، فقد ظل الأبنودي واحدا من المشاركين الرئيسيين في المشهدين الشعري والسياسي، بأناشيده الوطنية حتى نهاية حقبة الرئيس الأسبق حسني مبارك، التي شهدت اكتمال نجومية الأبنودي.

يبدو أن العلاقة الدافئة، بين الأبنودي والأنظمة الجمهورية الثلاثة، لم تمنعه من تأييد واسع النطاق، بل مسرف في تجلياته لثورتي الخامس والعشرين من يناير، ثم الثلاثين من يونيو، وقد سطر ولازال الكثير من الشعر في مديح الثورتين، لكنه ظل مؤيدا للجيش وللرئيس عبدالفتاح السيسي ولازال، وكان في مقدمة المثقفين الذين التقوا رئيس الجمهورية، عقب انتخابه، ضمن وفد من المثقفين المصريين الذين التقوه.

غير أن ذكاء الشاعر عبدالرحمن الأبنودي جعله دائما، محافظا على المسافة بين علاقته بالسلطة، وبين مضامينه الشعرية التي احتفظت بزخمها الثوري رغم تلك العلاقة، وقد تواتر ذلك في أكثر من ديوان شعري له، في حقبتي السادات ومبارك، فقد حملت العديد من دواوينه في تلك الفترة انتقادات مؤلمة لعسف السلطة السياسية بشعبها.

كانت التمثيلات الشعرية على ذلك شديدة النصاعة في دواوينه: “المشروع والممنوع″، و”الأحزان العادية”، و”الموت على الإسفلت”، وهو الديوان الذي حمل أقسى القصائد ضد عسف الأجهزة الأمنية في مواجهة معارضي النظام السياسي، من هنا احتفظ المشروع الشعري للأبنودي بحيويته، ومن ثمة تجدده، وظل ولازال واحدا من أهم المشروعات المؤسسة في الشعرية الحديثة في مصر.

وقد عزز موقع الأبنودي، كواحد من صناع القيم العامة، الشيوع الواسع لقصائده المغناة التي كتبها لكبار الفنانين والمطربين المصريين على نطاق واسع منذ أن بدا مشواره مع الفنان الصاعد آنذاك محمد رشدي، بالأغنية الشعبية الشهيرة “تحت الشجر يا وهيبة”، حيث استمر بعدها في التعاون مع رشدي حتى رحيل الأخير، ثم انفتح على الكثير من الفنانين وكبار الملحنين مثل عبدالحليم حافظ وشادية ونجاة الصغيرة وصباح وغيرهم.

كذلك كان ارتباط اسم الأبنودي بمطرب السيرة الهلالية الراحل جابر أبو حسين، واحدا من أهم أسباب حضوره الطاغي، لدى النخبة، ولدى الفئات الشعبية الأقل تعليما، وهي السيرة التي تتبعها الأبنودي من جنوب الجزيرة العربية حتى وصوله إلى تونس مستقرّ الهلالية، ثم جمعها بعد ذلك في مجلد ضخم يقول دائما إنه ليس من تأليفه وإنما هو غناء الشعب العربي.

حصد الشاعر عبدالرحمن الأبنودي عشرات الجوائز وأرفعها في مصر وخارجها، حيث حصل على جائزة الدولة التقديرية عام 2001، ثم حصل على الجائزة الأعلى “جائزة مبارك” عام 2010، وينظر إلى الأبنودي الآن باعتباره واحدا من رواد قصيدة العامية الحديثة في مصر، غير أن ذلك لم يمنع منتقديه من كيل السباب له كلما ذُكِرت سيرته مع الأنظمة السياسية التي أسقطتها ثورتا مصر، لا سيما علاقته الحميمة بنظام الرئيس المخلوع حسني مبارك.

10