عبدالرحمن السليمان مؤرخ أجيال سعودي يصنع مزاجه الجمالي

التشكيلي السعودي وجد في الرسم متسعا من المزاج الذي يصل المكان بالحكاية التي لم تكن إلا تجسيدا لأثر الزمن الذي عني السليمان بالقبض على إيقاعاته الموسيقية.
الأحد 2018/04/01
عبدالرحمن السليمان رسام وناقد أغنى الواقع بعاطفته

خارج الرسم وداخله لا يزال عبدالرحمن السليمان ينقّب بحثا عن المعنى الذي تنطوي عليه الظواهر الجمالية.

مرة واحدة حاول أن يكون محايدا. حدث ذلك حين كتب مؤلفه “مسيرة الفن التشكيلي السعودي” ليؤرخ من خلاله لأربعة أجيال فنية. كان يومها مؤرخا صارما في إخلاصه للوثيقة.

رسام قبل كل شيء

إذا ما كان قد ترك يوما ما الرسام والناقد فيه يتصارعان حين أُنتخب رئيسا لجمعية الفنانين في سنواتها الأولى، فإنه سرعان ما عاد إلى سيرته الأولى رساما حريصا على تلمّس الطريق في اتجاه عناصر هويته وناقدا لا يمكن النظر إليه باعتباره كيانا مستقلا.

رسوم السليمان، التي يعتقد البعض أن أصالتها تكمن في تصويرها للإشارات والرموز الممعنة في محليتها، تحمل في حقيقتها دعوة مفتوحة بأريحية لتأمل عالم الرسم. هناك معجزات صغيرة ينطوي عليها ذلك العالم

ذلك لأنه غالبا ما كان يحضر بزيّ الرسام. وهو ما شكل علامة فارقة تميّزت بها كتاباته التي كانت بمثابة مرجع مهمّ، يتعرف المرء من خلاله على واحدة من أكثر التجارب الفنية في العالم العربي خصوصية.

شغف الرسام ببيئته المحلية. وهي البيئة التي تعلّم من خلالها كيف يتسلل إلى روح الأشياء. لم يكن رساما وصفيا. لقد وجد في الرسم متّسعا من المزاج الذي يصل المكان بالحكاية. ولم تكن تلك الحكاية إلا تجسيدا لأثر الزمن الذي عني السليمان بالقبض على إيقاعاته الموسيقية.

ليس من اليسير أن يكون الرسام ناقدا. ذلك لأن المعادلة لن تكون متكافئة. لن يكون الرسام محظوظا برقابة الناقد الصارمة. أما الناقد فقد حظي بحظ عظيم حين زوّده الرسام بكل أدوات المعرفة.

غير أن السليمان أدار تلك الأزمة من خلال انحيازه للرسام الذي يسكنه. وهو ما يمكن أن يكتشفه المرء ما أن يقرأ مقالاته التي عزّزت من مكانة الفن التشكيلي السعودي في العالم العربي. في كل ما كتبه السليمان كان منحازا لروح الرسم.

لم تغرّه العقائد السياسية ولم تستوقفه الموضوعات. كانت حاجته إلى الرسم الخالص هي هاجسه التي لجأ من خلالها إلى تفسير علاقته بتجارب الآخرين الفنية. لم يمش السليمان عبر مراحل حياته إلا مقتفيا أثر الرسام.

المبشر بالجمال

رسومه تتضمن إشارات إلى حياة يمكن استعادتها عن طريق الذاكرة
رسومه تتضمن إشارات إلى حياة يمكن استعادتها عن طريق الذاكرة

ولد السليمان عام 1954 في مدينة الهفوف بالأحساء شرق المملكة العربية السعودية. في مرحلة صباه أتيحت له فرصة أن يتعلم شيئا عن مواد الرسم وكيفية إعداد اللوحة وطريقة النظر إلى الأشياء من أجل رسمها، فكانت تجاربه الأولى في الرسم على قدر من الإتقان الحرفي.

 لذلك يعود عرضه الأول في مدينة الدمام إلى عام 1971، حيث شارك في معرض جماعي والذي تحول إلى معرض شخصي. فبعد أن شارك السليمان بـ16 لوحة في ذلك المعرض حدث وأن سحب الفنانون الآخرون لوحاتهم فعوضها الفنان بلوحاته.

بعد الدراسة المتوسطة التحق بمعهد إعداد المعلمين الذي سلمه لوظيفته معلما لسنوات، عاد بعدها إلى الدراسة في كلية المعلمين، فرع التربية الفنية الذي تخرّج منه عام 1991.

حين تخرجه كان السليمان فنانا وناقدا مكرّسا. لقد بدأ بنشر كتاباته النقدية في صحيفة اليوم السعودية عام 1983 وهو العام نفسه الذي أقام فيه معرضه الشخصي الأول وذلك في مدينة الدمام، محل إقامته حتى الآن.

شارك في تأسيس جماعة أصدقاء الفن التشكيلي وهي تجمّع تألف من عدد من الفنانين الخليجيين أقيمت له معارض عديدة حول العالم. بعدها أصبح رئيسا لقسم الفنون التشكيلية في جمعية الثقافة والفنون بالدمام حتى عام 2000 حين صدور كتابه القيم “مسيرة الفن التشكيلي السعودي”.

سيرة السليمان تكشف عن شعوره العميق بالمسؤولية والواجب الاجتماعي. كان داعية جمال ورجل تنوير في ظروف صعبة، سعى إلى ألا تقف في طريقه وهو الذي كان مصرا على أن يستغل كل ثغرة من أجل التبشير بالفن

دأب السليمان على إقامة معارض شخصية داخل السعودية وخارجها في القاهرة، الشارقة، الدوحة، طنجة والكويت، وفي عام 2007 تم تأسيس الجمعية السعودية للفنون التشكيلية حيث انتخب رئيسا لها.

سيرة السليمان تكشف عن شعوره العميق بالمسؤولية والواجب الاجتماعي. كان داعية جمال ورجل تنوير في ظروف صعبة، سعى إلى أن لا تقف في طريقه وهو الذي كان مصرا على أن يستغل كل ثغرة من أجل التبشير بالفن. بحيث لجأ في واحدة من مراحل حياته إلى إعداد برنامج إذاعي بعنوان “المجلة التشكيلية”.

التقيت السليمان أول مرة في الشارقة نهاية التسعينيات. وكنت قبلها قد عرفته جيدا من خلال كتاباته الفنية في العديد من الصحف العربية. لم أكن يومها قد رأيت إلا صورا لرسومه.

 ولأن السليمان رجل يثق بالجمال حلا إنسانيا وأخلاقيا فقد وفاؤه عنوانا لعلاقته بالآخرين ومن خلالهم بالأشياء التي تحيط بهم وتؤثث بيوتهم بعاطفتها. لذلك كانت صداقته مليئة بمختلف أنواع المفاجآت التي تصدر عن رفعة نفس كريمة. كل ذلك يمكن العثور عليه في رسومه وكتاباته.

القطيعة مع الواقع

دعوة مفتوحة بأريحية لتأمل عالم الرسم
دعوة مفتوحة بأريحية لتأمل عالم الرسم

على صعيد الكتابة النقدية عن الفن كان يُظهر حماسته لتجارب الفنانين الآخرين من غير أن يبدو عليه أي شعور بالتنافس، كونه رساما. فهو يدرك بسبب سعة معرفته أن الأرض تسعنا جميعا بل لا يزال هناك فراغ في انتظار أن يُملأ.

أما على صعيد الرسم فإن رسوم السليمان التي يعتقد البعض أن أصالتها تكمن في تصويرها للإشارات والرموز الممعنة في محليتها تحمل في حقيقتها دعوة مفتوحة بأريحية لتأمل عالم الرسم. هناك معجزات صغيرة ينطوي عليها ذلك العالم الذي يتألف من مزيج من العناصر التي تصنع حياة مجاورة يعمّرها الجمال.

لم تكن به حاجة إلى التراث لكي يتعرف السليمان على المكان الذي هو موقع هيامه. فهو فنان معاصر لا تحتاج رسومه إلى سند تراثي لتثبت انتماءها العاطفي إلى المكان. وكما يبدو فإن السليمان اختار أن يكون متأنيا في انفتاحه على المرئيات من نوعه. فصار يرسمها كما لو أنه يتذكرها. هناك شيء من التجريد يضفي على علاقته بما يرى إيقاعها مستلهما من ذاكرة، ليست بصرية بالكامل.

يرغب السليمان في أن تكون رسومه مصدرا تنبعث منه أسطورة الأشياء التي خصها بعاطفته. إنها عناصر محيطه الذي هو واحد من أعظم مخترعيه.

“رسام تجريدي هو” يمكن قول ذلك بيسر. لا لأنه كان محايدا في التقاط صور الأشياء بل لأنه مضى بتلك الأشياء إلى حافات عاطفتها. لم تكن الأشياء التي تظهر في لوحاته مقصودة لذاتها. كان إلهامها هو الطاغي. ولأنه كان يتفادى الوقوع في فخ التعبيرية فقد تحاشى أن يكون لما يرسمه طابع رمزي. لقد تضمنت رسومه إشارات إلى حياة، يمكن استعادتها عن طريق الذاكرة بشرط أن لا يكون التذكر هو مأثرة الرسم الوحيدة.

هذا رسام يود أن يقطع صلته بالواقع من أجل أن لا يكون الرسم ملحقا بذلك الواقع. يود السليمان أن يثني جماليا على ما يراه غير أنه لا يرغب في أن يذكر به باعتباره ضالة جمالية. ما يفعله الرسم قد لا يصل إليه خيال الواقع.

وقد لا يكون المرء محظوظا بشروط الواقع التي كان على السليمان أن يفك ارتباطه بها. لذلك يمكن اعتباره بطلا. لأنه في حقيقة ما فعله، رساما وناقدا، نجح في تقديم صورة مغايرة عن المألوف.

عبدالرحمن السليمان رسام حداثوي. هذا صحيح غير أن ما فعله من خلال الكتابة يؤكد أنه كان مخلصا لنبوءة ستجد طريقها إلى الواقع. كان السليمان ولا يزال طليعيا في رسومه وكتاباته.

انحياز لروح الرسم
انحياز لروح الرسم

 

9