عبدالرحمن الغابري.. ذاكرة اليمن الضوئية

مكتبة المصور الفوتوغرافي عبدالرحمن الغابري تحفل بنفائس الصور التي التقطها لعمالقة الأدب والثقافة في اليمن كما ترافق يوميات اليمنيين في الريف والمدينة.
الثلاثاء 2021/08/03
فنان عاشق للمكان والإنسان

بعدسة مصور فوتوغرافي محترف وبعين فنان عاشق للمكان والإنسان، عمل عبدالرحمن الغابري لعقود على تكثيف وتوثيق لحظات اليمن في سلاسل من الضوء وثق خلالها تفاصيل الحياة اليومية لليمنيين وفنون العمارة وبهاء الطبيعة البكر، مستعينا بثقافة واسعة بتاريخ هذا البلد المتدفق منذ الأزل وحالة شغف مفعمة بأرض اليمن وناسها.

تجوّل الغابري في جبال اليمن وفي صحاري البلاد وأوديتها وجزرها، يوقف عجلة الزمن حتى نشاركه جمال اللحظات التي عاشها وحيدا، وليلتقط أجمل الصور الضوئية للوجوه التي طالما أحبها، والتي تداخلت مع قسوة الطبيعة اليمنية حينا ودفئها أحيانا أخرى.

وطوال مسيرته الفنية الممتدة، وثق الغابري عبر أعماله الفوتوغرافية التي رسمها بعين فنان تشكيلي وقلب مبدع ولهفة عاشق، التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدها اليمن خلال العقود الأخيرة، عبر الآلاف من الصور التي رصد فيها حياة الريف اليمني الذي ينتمي إليه والحياة الاجتماعية الصاخبة في مجتمع متجدد يقاوم النسيان ويتجاوز العوائق.

رافقت عدسة الغابري يوميات المرأة اليمنية في الريف والمدينة، في الجامعة والحقل وفي خضم معركتها وكفاحها اليومي من أجل ذاتها وأسرتها، كما لامست صوره عيون الأطفال وأحلامهم وشغفهم اللامتناهي بالمستقبل، ولم تغب كذلك وجوه الرجال في اليمن عن أعمال الفنان الغابري وأيديهم التي تقدح في الصخر وتغالب المشاق وهم يكابدون الحياة وينحتون الجبال ويعيدون تشكيل ناطحات السحاب العملاقة التي تنتمي إلى بيئتهم.

شاهد العيان

◘المتغيرات الاجتماعية والثقافية التي شهدها اليمن، رصدها الغابري مصورا حياة الريف اليمني، والحياة الاجتماعية الصاخبة في مجتمع متجدّد يقاوم النسيان.
المتغيرات الاجتماعية والثقافية التي شهدها اليمن، رصدها الغابري مصورا حياة الريف اليمني، والحياة الاجتماعية الصاخبة في مجتمع متجدّد يقاوم النسيان

ولم تقتصر تجربته الثرية على توثيق ورصد الحياة الاجتماعية لليمنيين البسطاء، حيث رافقت عدسته أيضا الأطوار السياسية التي شهدها اليمن كذلك في العقود الأخيرة، من خلال مرافقته للعديد من الرؤساء والسياسيين والوفود والتقاط صور بالغة الندرة يمكن وصفها في بعض الأحيان بسيرة اليمن السياسية المعاصرة، عبر توثيق حياة وأنشطة ساسته الذين كان بعضهم في هامش الصورة وهامش الحياة السياسية، قبل أن ينتقل إلى المتن في خضم التحولات العاصفة التي تلاحقت على البلد الذي يتأرجح بين جحيم الحرب والصراعات وبوارق الأمل.

وإلى جانب كونه شاهدا مميزا على جزء مهم من تاريخ اليمن المعاصر اجتماعيا وسياسيا، يمكن القول إن الغابري أحد أهم الشهود على تاريخ اليمن الثقافي الحديث، حيث تعج مكتبته بنفائس الصور التي التقطها لعمالقة الأدب والثقافة في اليمن من أدباء وفنانين ومسرحيين، في مقدمتهم أديب اليمن الراحل عبدالله البردوني الذي تعود معظم صوره المتداولة اليوم على وسائل الإعلام اليمنية والعربية للمصور الغابري الذي رافق كبار أدباء اليمن كما رافق كبار ساستها بعدسته الفريدة.

ولا تكاد تخلو مناسبة سياسية أو ثقافية أو اجتماعية أو فنية يتردد صداها اليوم من دون أن يدلي الغابري بدوله فيها، عبر الكشف عن المزيد من الصور النادرة التي يزخر بها أرشيفه الثري والذي يحوي الآلاف من المشاهد والصور لواحدة من أكثر حقب اليمن تقلبا. ولا يكتفي الغابري عادة بالإدلاء بشهادته البصرية فقط على الكثير من الأحداث والشخصيات التي يتفاعل الحديث حولها في الشارع اليمني، بل إنه غالبا ما يردف شهادته البصرية تلك بأخرى نصية يستحضر فيها ذكرياته ومعايشاته للأحداث والشخوص، بأسلوب إبداعي فريد يمزج فيه بين جمال الصورة وروعة النص ومشاعر الصدق التي تفيض من كتاباته التي ينشرها على مواقع التواصل الاجتماعي.

حياة من الجمال

◘ الغابري يرى أن اليمن لا يزال غير مكتشف جماليا، وأن رحلته رغم ثرائها إلا أنها ما زالت غير كافية للإحاطة بكل ذلك السحر، الذي جعله يتمنى أن يولد من جديد لينال عمرا إضافيا لاكتشاف المزيد من هذا الجمال
الغابري يرى أن اليمن لا يزال غير مكتشف جماليا، وأن رحلته رغم ثرائها إلا أنها ما زالت غير كافية للإحاطة بكل ذلك السحر

ولد الغابري سنة 1956 في محمية عتمة الطبيعية باليمن، حيث تشبع بجمال المكان الذي غذى رؤيته البصرية ووسع خيالاته اللامتناهية التي أحاطت بمراحل طفولته في القرية، قبل أن ينتقل إلى مدينة صنعاء للالتحاق بمدرسة الأيتام الشعبية، بعد اندلاع ثورة 26 سبتمبر سنة 1962 التي أحدثت تحولات هائلة وعاصفة داخل المجتمع اليمني وأعادت الاعتبار لأبناء الفلاحين اليمنيين الذين كان الغابري واحدا منهم.

في صنعاء التحق الشاب المفعم بالأحلام بقسم التوجيه المعني في الجيش اليمني، حيث بدأ أول ارتباط له مع عالم الصحافة، كفنّي جامع للمقالات، وشرع في ذات الفترة من العام 1968 بالتدرب على التصوير الفوتوغرافي، الذي استطاع احترافه خلال مدة قياسية مدفوعا بشغفه، قبل أن يغادر إلى سوريا لدراسة الإعلام لمدة أربع سنوات، أتبعها في ما بعد بالتخصص في مجال السينما الوثائقية، كمخرج سينمائي تسجيلي في بيروت.

وينتمي الغابري إلى عدد من المنظمات المهنية والإبداعية اليمنية والعربية والدولية، فهو عضو مؤسس في نقابة الصحافيين اليمنيين، وعضو اتحاد الصحافيين العرب والاتحاد الدولي للصحافيين، كما أنه رئيس اتحاد المصورين العرب “إقليم اليمن”، ويرأس مؤسسة الهوية اليمنية، وله العشرات من المعارض الفوتوغرافية الشخصية التي أقامها داخل وخارج اليمن تناهز الثمانين معرضا، وقد نال العديد من التكريمات الثقافية والإبداعية، عوضا عن حالة الاحترام البالغ التي يحظى بها في الأوساط الثقافية اليمنية.

فن واحتراف

ولا يكاد يذكر تاريخ التصوير الفوتوغرافي في اليمن الذي يعود إلى العشرينات من القرن الماضي، من دون أن يوضع اسم الغابري كواحد من أعلام ومؤسسي هذا الفن، حيث ألهم بمثابرته وشغفه جيلا من المصورين اليمنيين الشباب، كما يعد إلى جانب رواد هذا المجال واحدا من المصورين اليمنيين الذين نقلوا فن التصوير الفوتوغرافي اليمني إلى مرحلة الاحتراف.

ويقول الغابري إن التصوير الفوتوغرافي في اليمن في بداياته كان في الأغلب عبارة عن أستوديوهات لتصوير الأشخاص لأغراض خدمية تتعلق باستخراج الأوراق الثبوتية مثل بطاقات الهوية وجوازات السفر، ولم يتجاوز حاملو الكاميرات عدد أصابع اليد الواحدة في ذلك الوقت، كانوا يقومون بتصوير المدن القريبة وتوثيق المناسبات الوطنية.

ويعود الفضل في تطور فن التصوير في اليمن ونقله إلى مستوى آخر من الاحتراف والإبداع، إلى جيل من المصورين ينتمي إليه الغابري عمق معارفه ودراساته في هذا المجال وأدخل الأفلام الملونة يدويا، في التصوير الخارجي، الصحافي، تدوين المدن، الفعاليات الاجتماعية في المدن والريف، أما الطبيعة فكانت ولا زالت هي أبرز الموضوعات التي أحبها واستلهم منها الغابري وعمل على كشف أسرارها.

◘ الغابري بتجوله في جبال اليمن وصحاري البلاد وأوديتها وجزرها، يوقف عجلة الزمن ليجعلنا نشاركه جمال اللحظات التي عاشها وحيدا
الغابري بتجوله في جبال اليمن وصحاري البلاد وأوديتها وجزرها، يوقف عجلة الزمن ليجعلنا نشاركه جمال اللحظات التي عاشها وحيدا

وتعود بدايات الارتباط العاطفي بين الغابري والتصوير إلى مرحلة مبكرة جدا من طفولته حيث ظل يحلم بتدوين وتوثيق المشاهد التي كانت تبهره في قريته من دون أن يدري أن ذلك يمكن أن يتم عبر الكاميرا التي لم يكن قد رآها أو سمع بها حتى ذلك الوقت، حيث كان يستعيض عن ذلك برسم الصور في مخيلته، على ذات الطريقة التي كان يقوم بها شقيقه الأكبر الذي كان مبتعثا للدراسة في العراق منتصف القرن الماضي فيها برسم الوجوه.

وعندما تعرف الغابري على آلة الكاميرا لأول مرة في حياته في نهاية الخمسينات، ظل يحلم باقتناء هذه الآلة السحرية كما يصفها والتي تعرّف عليها عن كثب بعد ذلك بسنوات عندما ذهب إلى صنعاء والتحق بالإعلام العسكري وعمل في مجال الطبع والتحميض قبل أن يحصل على الكاميرا التي ظل يحلم بها، لتبدأ مرحلة جديدة من علاقته بهذه الآلة التي عزز معرفته وعلاقته الوطيدة بها بعد ابتعاثه للخارج وتخصصه في مجال فرز الألوان والتصوير و”الزنكوغراف” وامتلاكه بعد ذلك للكثير من الكاميرات والتي التقطت بها الكثير من الصور التي كان يرسمها في مخيلته ويتمكن من تخليدها ضوئيا والتي كان أحبها إلى نفسه كما يقول صورة أمّه في حقل القرية.

وتوالت بعد ذلك رحلة الغابري الغامرة بضوء الكاميرات وتوهج اللحظات التي استوقفتها عدسته في جبال اليمن ووديانه، مستلهما رحلته الإبداعية من ثراء المكان وتنوع التضاريس وحيوية الإنسان، والذي يقول إنه رغم السنوات الطويلة التي قضاها في اكتشاف جمال اليمن وأسراره إلا أنها ما زالت غير كافية للإحاطة بكل هذا السحر الذي جعله يتمنى أن يولد من جديد لينال عمرا إضافيا لاكتشاف المزيد من هذا الجمال.

◘ مرافقة الغابري للعديد من الرؤساء والسياسيين والوفود مكنته من التقاط صور بالغة الندرة تعد سيرة سياسية معاصرة لليمن
مرافقة الغابري للعديد من الرؤساء والسياسيين والوفود مكنته من التقاط صور بالغة الندرة تعد سيرة سياسية معاصرة لليمن

 

13