عبدالرحمن بسيسو: علينا قراءة التراث بعيون الأحياء لا بعيون الموتى

الثلاثاء 2015/03/31
عبدالرحمن بسيسو: من الضروري إعادة قراءة التراث النقدي بأكمله، منذ نشأته

يذهب البعض من الباحثين والمفكرين إلى أن عملية النهوض بالنّقد الأدبي العربي وتجديده لا يمكن أن تتمّ بعيدا عن مواكبة إجراءات منهجية وخطوات عملية وجريئة، مع توجّه صادق ومكثف نحو قراءة ما تراكم من موروث، على مرّ السّنوات، من نصوص إبداعية في جميع مجالات الأدب.

ولعل كتابات الناقد الفلسطيني عبد الرحمن بسيسو ودراساته المحكمة تتنزل في هذا المجال. “العرب” التقت بسيسو وكان لنا معه هذا الحوار حول العديد من المواضيع النقدية ورؤيته لمكانة القناع في قصائد الشعراء العرب المعاصرين.

بدأنا مؤخرا نقرأ للأستاذ عبدالرحمن بسيسو دراسات ومساهمات عبر مجلة “الجديد” الثقافية اللندنية الوليدة، بعد احتجاب دام سنوات، مستغرقا في العمل الدبلوماسي، وإن كان هذا وعدا بعودة مديدة إلى الكتابة والتعبير والإسهام النقدي في قراءة النص والواقع، يجيبنا بسيسو «لست متأكّدا تماما من أنني قد كنت ظاهرا يوما في مجال “الكتابة والتعبير والإسهام النّقدي في قراءة النّص والواقع”، ليعتبر غيابي “احتجابا بعد ظهور، وليس ذلك لأنني مقصّر أو مقلّ في فعل ذلك، أو لأنني لم أكن راغبا في فعله أو لأنني لم أكن أحبّذه وأتوخى حدوثه، وإنما لأسباب أخرى كثيرة لا تعود إليّ، كفرد، بأيّ حال، بل تعود إلى واقع الحال العربي المتردّي على كلّ مستوى وصعيد، وضمن ذلك بالطّبع الصّعيد الثقافي العام، حيث لي، مثل عديدين غيري من المبدعين والكتاب والنّقاد وأصحاب القلم، تجربة مفلسة مع النّشر والانتشار المؤسّسين لظهور النّصوص والكتابات الإبداعية والنّقدية وغيرها في الحيّز المتاح للثقافة في أغلب بلاد العرب».

التقنع هو المبدأ الجماليّ الأول الذي يحكم انبثاق أي إبداع، ولذلك فهو ليس مجرد تقنية أسلوبية، وإنما هو مبدأ جماليّ

العودة مع مجلة "الجديد"

يقول عبدالرحمن بسيسو «النّاس في بلادنا لا يقرأون، ولم يكن الكتاب في أي وقت سلعة مطلوبة إلى الحدّ الذي يحفّز النّاشرين على الاستمرار في النّشر، وتحمّل أوزار تقديم كتابات جديدة تتميّز بالأصالة والعمق، ولا سيما منها تلك التي تحمل أسماء كتّاب لم يتوّجوا نجوما في المجتمعات العربية بأمر سلطاتها السياسية الحاكمة، مع أنّ الواحد منهم قد يكون شمسا أو كوكبا أو مجرّة نجوم في سماوات الفكر والإبداع والكتابة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإنّ كتاباتي النّقدية ذات المنهج الأكاديمي الرّصين لم تكن، بطبيعة الحال، لتوائم ما نريده، أو نحتاجه فتطلبه الصّحف اليومية والمجلات الأسبوعية التي قد تكون واسعة الانتشار نسبيا».

ومع ذلك، ومع استمرار وجود غيره من عوائق وعراقيل لا يتّسع لذكرها مقام أو مقتضى حال، يقول عبدالرحمن بسيسو «إنني لست يائسا إلى الحدّ الذي يجعلني أتابع ما سميتموه أنتم “احتجابا” وما أراه أنا “حجبا” أو “تغييبا” أو “تغيبا” ناجما عن الشروط التي تحكم الواقع الاجتماعي والثقافي والحياتي العام في بلادنا؛ فما إن عاود الشاعر نوري الجرّاح التواصل معي، بعد غيبة دامت ثلاث سنين، ليطلعني على مشروع مجلّة “الجديد” ويزوّدني بنسخة من عددها الأول المتضمّن لبيانها التأسيسي أو “المانفيستو” الذي يحدّد توجهاتها ويرشد خطوها بوصفها “منبرا عربيا لفكر حرّ وإبداع جديد”، ويطلب إليّ الإسهام في المجلة كشريك في مشروعها وليس كمشارك فحسب، حتّى وجدتني أستمهله الإجابة ريثما أتمّ قراءة العدد بأكمله، قراءة نقدية متفحّصة، لمعرفة المدى الذي يمكن أن تذهب إليه المجلّة، والجهد الذي يتوجّب عليّ بذله لأكون كما أراد لي أن أكون، شريكا فاعلا في تحقيق مشروعها».

ويواصل حديثه «أصدقك القول، وجدت في “الجديد”، مشروعا متضمّنا في البيان التأسيسي وبداية للتجسّد الفعلي المتحقّق في عددها الأول، ما أثلج صدري لكونه استجابة لجانب ضروري مما تقتضيه الحاجة إلى إنهاض حراك ثقافي مستنير وعميق يسهم في بناء الأسس الثقافية الشّاملة التي ينبغي لأي مشروع نهضويّ عربي أن يرتكز إليها، وينبني عليها، بحيث لا يكون تجاوز الواقع القائم عبر مواجهة التحديات المزمنة والرّاهنة التي تحكم قبضتها عليه وتكبح إمكانية انتقاله إلى واقع ممكن إلا محصّلة للحراك الثّقافي الذي تتوخّى مجلة “الجديد” إطلاقه لتتصاعد فاعليته ويتوسّع نطاق تأثيره مع كل جديد يأتي به عدد جديد من أعدادها التي آمل أن يتم إعادة بثها عبر أكثر من طريقة ووسيلة، ولا سيما عبر الأشكال العديدة للتواصل المباشر ما بين الكتاب والمثقفين والنّاس، أو عبر المواقع الإلكترونية وشبكات التّواصل الاجتماعي التي صارت تشكّل واقعا اعتباريا قائما في الواقع الفعلي، وليس في واقع افتراضيّ متخيّل، بحيث لا يجوز إغفال فاعليته وجدواه إن أحسن استثماره وتوظيفه».

بسيسو يؤكد أن مجلة "الجديد" ساهمت في إنهاض حراك ثقافي مستنير

عن تصوّره لواقع النقد الأدبي العربي اليوم، في ظل الغيبوبة الفكرية التي تضرب عالمنا العربي، كيف يقيمه وكيف يرى مستقبله؟ يجيب محدثنا «هذا السؤال ينطوي على نصف الجواب متمثلا في الإشارة إلى “الغيبوبة الفكرية التي تضرب عالمنا العربي”، ففي ضوء هذه الخلاصة الواقعية تماما، والتي لم يعد أحد في حاجة إلى مزيد من البرهنة الإضافية على صدقها، يصحّ إيجاز تقييم “واقع النّقد الأدبي العربي اليوم” بالقول إن هذا النّقد، على غرار غيره من العلوم الإنسانية، وربما العلوم العلمية والتطبيقة أيضا، ليس إلا محض هيكل فارغ أو كيان موجود بالقوّة لا بالفعل، أو هو محض إمكانية مجرّدة لم تتهيأ الشّروط الموضوعية في واقعنا العربي لتحويلها إلى إمكانية فعلية، فالّذي توفّر، أو الذي توافر عليه الواقع الموضوعي في عالمنا العربي بكثرة لافتة وإمعان في الحضور هو تلك “الغيبوبة” الفكرية، وغير الفكرية، والثقافية عموما، وهي الغيبوبة التي حالت، مع اقترانها بالاستبداد السياسي ومثلث المحرّمات “التابوات”، دون تنشيط القدرات الذاتية للنقاد والباحثين والطلاب والدارسين الذين يتوقون إلى إحالة أنفسهم في الواقع الموضوعي “نقادا” للأدب بأنواعه وأشكاله وأنماطه المتعدّدة، أو للفنون على تعدّد أنواعها وأشكالها وأنماطها».

ويؤكد بسيسو أنه «إذ أتكلّم على الإمكانية المجرّدة، يعرف على وجه اليقين ما تنطوي عليه من مكونات داخلية ومقوّمات وأسس تجعل إمكانية تحوّلها إلى إمكانية فعلية أمرا واردا ومنتظرا، فهو يلمح إلى أنّ للنقد الأدبي العربي، إن توفّرت الشروط الموضوعية لانطلاقه في سياق مشروع نهضويّ عربي شامل، أن يكسر القمقم المعتم الذي حبس فيه منذ قرون عديدة، وأن يبني لنفسه مكانة مرموقة ذات فاعلية وتأثير ليس على الصعيد العربي فحسب، وإنما على الصعيد العالمي أيضا، وليس من شرط داخلي، أي من شرط يتعلّق بالنقد الأدبي العربي نفسه إلا أن ينطلق هذا النّقد من نفسه كي يجدّد نفسه، أعني أن تتأسّس نهضته، أولا وقبل أي شيء آخر، على مقوّمات نظامه الخاص من نظريات ومصطلحات ومناهج، وقواعد، وأساليب تحليل نصيّ متنوّعة، وغير ذلك، وهو الأمر الذي يتطلّب إعادة قراءة التراث النّقدي الأدبي العربي بأكمله، منذ نشأته الأولى في أواخر القرن الثاني الهجري، وعلى امتداد مراحله المتعاقبة بما يميّز أيّا منها من نهوض أو جمود أو أفول، حتّى يومنا هذا».

ويضيف الناقد «من الطبيعي، بل من الضروريّ والجوهريّ، أن يقرأ هذا التّراث بعيون الأحياء لا بعيون الموتى، وأن تجعل النّصوص النّقدية التأسيسية، لا الهوامش والمؤلفات التي كتبت على هوامشها، في مركز هذه القراءة النقدية الفاحصة.

كما ستسترشد بما تراكم في ثقافات العالم بأسره، وليس فقط في أوروبا وأميركا الشمالية، من نظريات في علم الجمال والأدب والنقد الأدبي، ومن بحوث ودراسات تأسيسية وتطبيقية في المجالات الثلاثة التي أشرت إليها بوصفها الحيّز الأضيق، وفي إطار العلوم الإنسانية المتنوّعة والمتعدّدة بوصفها المجال الحيوي الأوسع الذي يحتضن هذا الحيّز وينسج من العلاقات المتشابكة مع جميع مكوناته ما يجعل إمكانية دراسة أيّ منها على نحو عميق غير ممكنة أبدا في معزل عن إدراك هذه العلاقات وتعرّف كيفيات تشكّلها وآليات اشتغالها وتأثيراتها على العلم المدروس».

النقد الأدبي العربي على غرار غيره من العلوم الإنسانية والتطبيقية أيضا، ليس إلا محض هيكل فارغ أو كيان موجود بالقوة لا بالفعل

ويؤكد بسيسو أنه لا بدّ إذن من قطع القطيعة واستعادة الصلة التفاعلية مع ما هو متجدّد أو قابل للتجديد من عناصر التراث النقدي الأدبي العربي ومكوناته، والقطع تماما مع الاستغراق في “الاستغراب الأعمى”، والسّعي، بوعي مستنير وتفحّص معمّق يدرك جوهر ما يحتاجه أمر إنهاض النّقد الأدبي العربي، إلى إقامة التواصل والتفاعل الثّري والحوار الخلاق مع المنجز النّقدي في آداب اللغات الأكثر حيوية وحضورا في ثقافات العالم.

غير أنّ أمر إنهاض النّقد الأدبي العربي وتجديده والذّهاب به إلى مستقبل يليق بما ينطوي عليه تراثه العريق من ممكنات ومقوّمات تنفتح على التّطوّر، وبما يتوق إليه المثقفون العرب وكلّ من يتكلّم العربية من أهل البلاد من نهضة شاملة، لا يمكن أن تتمّ بمعزل عن مواكبة ما ذكرته للتّو من إجراءات منهجية وخطوات عملية، مع توجّه جادّ، مكثّف وبالغ التركيز والدّقة، نحو قراءة ما تراكم، على مرّ السّنين، من نصوص إبداعية في جميع مجالات الأدب من أنواع وأشكال وأنماط قد يكون بعضها جديدا لم يسبق أن تمّ تحليله، على أن لا تكون محض علوم جامدة تنأى بنفسها عن أن تكون، في الآن نفسه، فنا.

ما بعد التموزيين

تعتبر كتابات عبدالرحمن بسيسو ودراساته المحكمة في القناع بالشعر العربي أبرز ما كتب نقديا في هذا المجال، حول رؤيته النقدية لمكانة القناع في شعر الشعراء العرب المعاصرين، أو شعراء ما بعد الشعراء التموزيين. يحدثنا بسيسو قائلا «سنكون في حاجة إلى استعادة خلاصات الدراسة بأكملها للإجابة عن هذا السؤال، غير أنني سأوجز هنا مراعاة للمقام، داعيا من يرغب من النّاس في الإطلال على ظاهرة التّقنّع في الأدب والفنّ عموما، وفي الشّعر على وجه الخصوص، أن يتفضّل مشكورا بقراءة الكتاب الذي آمل أن تكون جميع أجزائه متاحة للقراء ذات يوم قريب. أقول بإيجاز، إنّ التّقنّع هو المبدأ الجماليّ الأول الذي يحكم انبثاق أي إبداع، وهو لذلك ليس مجرد تقنية أسلوبية، وإنما هو مبدأ جماليّ يفضي الأخذ به، وجعله المبدأ ذي الأولوية في إبداع العمل الفني أو الأدبي، إلى انبثاق أنواع فنية وأدبية تتأسّس بنيويا عليه».

الأشكال الفنية والأدبية ليست إلا بيوتا للحياة ليس لها مفتاح واحد

وعلى ذلك، يلفت محدثنا إلى أنّ ظاهرة التّقنّع في الشّعر العربي لم تفض إلى انبثاق شكل فنيّ محدّد لقصيدة هي “قصيدة القناع”، وإنما أفضت إلى انبثاق نوع شعريّ هو “قصيدة القناع” ذات الأشكال المتنوّعة والتّجليات النّصّيّة المفتوحة على تعدّدية لافتة. وإن كان يعتقد أن قصيدة النثر العربية ابتعدت عن نص القناع وعن استلهام الأقنعة الميثولوجية والتاريخية وغيرها في الشعر، يجيب بسيسو «من خلال متابعتي للمنجز الشعري الذي تؤطّره قصيدة النثر، ولا سيما النماذج عالية القيمة سبكا وبناء ومقترحا شعريا مميّزا، أستطيع أن أقدّم أطروحة مؤداها أنّ التقنّع كظاهرة، أو كمبدأ راسخ في تقاليد الإبداع الفني والأدبي، لم يغب، وليس له أن يغيب، أبدا، عن قصيدة النّثر، وهو الأمر الذي يفتح آفاقا واسعة، ليس لدراسة ظاهرة التّقنّع، أو القناع، في قصيدة النّثر فحسب، بل لدراسة قصيدة النّثر نفسها، كنوع شعريّ قائم بذاته، وذلك من منظور العلاقات التي تنسجها هذه القصيدة مع مبدأ التّقنّع، وما قد أسفرت عنه هذه العلاقات من تجليات نصية جديدة ومتنوّعة شرعت في التّحقّق والظهور، ولأشر هنا على سبيل التمثيل إلى عناوين مجموعات أو دواوين شعرية كـ”حدائق هاملت” أو “يأس نوح” أو “يوم قابيل”، أفلا تقترح علينا مثل هذه العناوين أن نبحث عن علاقة الأعمال الشعرية التي تسمّيها بالتّقنع كمبدأ، وبقصيدة القناع كنوع شعري؟ أعتقد أنها تفعل.

ولكن الأمر يحتاج إلى تفحّص وتحليل متأنيين ومعمّقين، لمعرفة ما الذي يجري في تلك النّصوص من حيث صلتها بالتّقنّع على مستويات بناها الثلاث: الدرامية، والموضوعية، والرّمزية».

عن تقييمه للتطورات الجديدة في الشعر العربي الحديث، يقول بسيسو «إنه لا يمكن الحديث إلا عن نقلات مهمّة وتحولات وإبداعات تتعلّق بمقترحات لأشكال شعرية جديدة، فالأشكال الفنية والأدبية ليست إلا بيوتا للحياة، وعلينا أن نذهب إلى هذه البيوت ونحن نحمل مفاتيحها جميعا، وليس مفتاحا واحدا يفتح أيّا منها (Master Key)، لنتبيّن، بعد تفحّص هذه البيوت عن كثب، ودراستها بعمق منهجيّ متعدّد المداخل والمنظورات، أيّ نوع من الحياة هذا الذي يحتويه كلّ بيت منها إن كان ثمة من حياة فيه؟».

15