عبدالرحمن فخري الراحل غريبا وبعيدا عن اليمن

الأحد 2016/09/11
انحاز إلى الحداثة بوصفها أفقا للحياة وأفقا للنص

الشاعر الكبير والمثقف المختلف الذي كان يقيم الدنيا ويقعدها يرحل الاثنين (22 أغسطس 2016 م) في صمت مطبق، هل ثمة غرابة في الأمر؟ بالتأكيد لا، فهذه من أكبر عاهات الحياة الأدبية في اليمن، حيث النسيان موت قبل الموت.

ولد عبدالرحمن فخري في عدن عام 1936. وتخرج في الجامعة الأميركية ببيروت ـ قسم الاقتصاد والعلوم السياسية. عمل وكيلا لوزارة الاقتصاد، ثم عمل حوالي 20 عاما في منظمة اليونسكو الدولية، بعدها دخل في المنطقة الضبابية التي فرضها عليه الجحود والنكران قبل أن يفرضها عليه التقدم في السن.

في السبعينات من القرن الماضي كان فخري صوت الحداثة الشعرية في اليمن، وبمقدار ما كانت نصوصه الجريئة تهز حتى التقدميين في عدن كان هو على جاهزية دائمة للتحدي، فلم تكن المسألة بالنسبة إليه مجرد حداثة على الورق كانت الحداثة في وعيه هي حداثة الموقف بامتياز، وقد حدث -كما روى الكاتب فضل النقيب -أن تم تحريف جملة شعرية له نصها “سأمنح كل كلب زهرة” فصار أحد قادة الحزب يقف في اجتماعات المكتب السياسي المتوترة معرّضا به ومكايدا زعماء آخرين ويقول “ستنبت في ذيل كل كلب زهرة”.

لقد ساهم فخري أثناء تلك الفترة في تأسيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، كما كان واحدا من نجوم المهرجانات الشعرية اليمنية والعربية وارتبط بصداقة واسعة بأدباء كثيرين شملت في اليمن قامات مثل عمر الجاوي وعبدالله البردوني وعبدالرحمن إبراهيم واتسعت عربيا لتشمل وجوها وتجارب مميزة على رأسها أدونيس الذي بلغ من شغفه به أن سمى ابنه على اسمه، كذلك أدباء من طينة عبدالوهاب البياتي وأحمد عبدالمعطي حجازي ونجيب سرور وقاسم حداد ومحمود درويش، لكنه كعادة معظم أدباء تلك الفترة لم يصدر من أعماله، إلا مجموعته الشعرية الأولى “نقوش على حجر العصر” – اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1978، ثم صدر له من عدن كتاب نقدي بعنوان “الكلمة والكلمة الأخرى”. وفي سنة 1988 تُرجم جزء وافر من تجربته الشعرية إلى الإنكليزية ونشرت في مختارات تحت عنوان “ليالي الأدب العربي الحديث”.

اكتشاف مميز

عند نهاية التسعينات من القرن الماضي كانت هناك محاولات لاستعادة شغف عبدالرحمن فخري، كان الأمر أشبه ما يكون بالصحوة بالنسبة إليه ولمجايليه، وكان اكتشافا مميزا بالنسبة إلى أبناء الجيل التسعيني، لم نكن نحن نعرف أن عبدالرحمن فخري كان صديقا مقربا للزعيم عبدالفتاح إسماعيل، وأنه كان يسكن قلعة “المعاشيق” في ذلك الزمن الذي كان الشعراء فيه نجوما تدوي كلماتهم ويعتبرها بعض الزعماء وحيا يوحى. وكنا معذورين فقد جئنا في زمن تكفير المبدعين وتهميشهم وتجويعهم ولعن “سنسفيل” الذين خلفوهم، وفي هذه الصحوة الممتدة بين نهاية التسعينات ومطلع الألفية الجديدة صدرت له من عمان – الأردن – مجموعة بعنوان “من الأغاني ما أحزن الأصفهاني” 2000 ثم تبعتها مجموعة أخرى هي “من جعبة الفراشة” عن اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين – صنعاء 2007.

الكتابات التي تتناول إبداعات فخري ومكانته الأدبية قليلة جدا قياسا إلى دوره المهم في مشهد الحداثة اليمنية، كذلك الكتابات التي تتناول حياته وأنا أقصد هنا ما يمكن العثور عليه من كتابات تتعلق به وبتجربته على الشبكة العنكبوتية، ولعل سبب ذلك يعود إلى انصراف الراحل الكبير خلال العقدين السابقين عن الظهور وزهده في الأضواء، وهي الفترة التي ازدهرت فيها عوالم الشبكة العنكبوتية في اليمن، زد على هذا إجحاف الوسط الثقافي والأدبي في اليمن بشكل عام تجاه الرموز من أمثاله، إذ أن أهم عيوب هذا المشهد أنه لا يهتم إلا بذي نفوذ أو بمن يزاحم ويعرض نفسه باستمرار، وأظن أن العودة إلى صحف السبعينات ومطلع الثمانينات في اليمن ستكشف عن اهتمام واسع بتجربة الرجل ومواقفه والبعض من جوانب حياته بحكم حضوره الإعلامي والأدبي الواسع في تلك الفترة.

في السبعينات من القرن الماضي كان فخري صوت الحداثة الشعرية في اليمن، وبمقدار ما كانت نصوصه الجريئة تهز حتى التقدميين في عدن كان هو على جاهزية دائمة للتحدي، فلم تكن المسألة بالنسبة إليه مجرد حداثة على الورق

رفيقته ترثيه

البحث عما يشفي الغليل حول عبدالرحمن فخري على غوغل أو على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، يبدو مخيبا للآمال ولعل الشهادة القصيرة التي نشرتها زوجته السابقة سعاد محمد بمناسبة رحيله هي أكثر الكتابات محورية في إبراز جوانب من شخصية فخري المبدع والإنسان “أبكيك كثيرا اليوم لأَنِّي أعرف كيف كنت تعشق الحياة وتصحو في الصباح لتستحم وأبيات شعر لك ولزملائك أو للمتنبي أو المعري تطغى على صوت الماء بصوتك الإذاعي الرخيم المعروف..على يديك تفتحت عيني على ثقافات العالم وكنت في ثقافتك تجمع بين التقليدي والحديث والشرق والغرب. كنت أول من عرفت منه أشعار ت إليوت وطاغور ولوركا. والنكات والسخرية والقهقهات”.

تضيف سعاد أيضا “كل من عرفك يعرف أنك كنت رجلا وشاعرا متميزا ومتفردا ولا تكل المحاججة والنقاش ولا تستسلم لإرضاء التيار أدبيا أو سياسيا، كنت من الرعيل الأول في عدن الذي صمم على نيل الثقافة والسفر إلى الخارج مهما استعصت الظروف. عملت وكيلا في وزارة العدل ووكيلا في وزارة الثقافة وموظفا دوليا ولكنك كنت تأبى دوماً أن تكون مسمارا في كرسي، أي وظيفة حسب تعبيرك أنت. وكان الإبداع والاطلاع هما غايتك، أتذكر محمود درويش في زيارته لعدن عندما قال لك إنك في خارج زمانك. وأتذكر أدونيس وهو يسأل عنك بشغف في نيويورك قبل سنوات، كنت مبدعا وعاشقا للفن وجماله والارتقاء به، ويسعدني عندما أرى تلك البصمة على أولادنا، هل تتذكر عندما رفضت أن يدخل مولودنا أدونيس البيت قبل أن تضع السيمفونية الخامسة لبيتهوفن، ابنك من يومها يتذوق الموسيقى الكلاسيكية”.

مقتطفات من شهادة قصيرة، لكن فيها الكثير مما يمكن أن يقرأ بين السطور فنحن أمام كاتب ومثقف امتلأ من كل شيء وعاش الإبداع كلا لا يتجزأ، لم يترك فرصة للتخلف المتوطن في هذه البقعة من العالم أن ينال منه، وهو بالفعل لم ينل منه، إلا إذا نظرنا إلى الموضوع من زاوية التهميش السخيف الذي طاله فيما هو يعيش شيخوخته وحيدا قبل أن يرحل عن ثمانين عاما.

النص المتمرد

قبل المرور سريعا إلى عوالم فخري الإبداعية لا بد من التأكيد مرة أخرى على انحيازه التام للحداثة بوصفها أفق الحياة وأفق النص، كان يرى بوضوح أن النص الناجح هو غير المطلوب سلفا، أي ذلك النص الذي سيبدو دائما غريبا على المتلقى سرياليا وغير منطقي بالنسبة إلى المؤسسات أو البنى الثقافية التقليدية، النص الذي لا يريد له صاحبه أن يوضع في قالب محدد هو الاشتغال الواقعي والحقيقي كما تشير مداخلة له في ندوة أقامتها في صنعاء جماعة الشجرة الأدبية حول البيان الأدبي “موت الكورس″ الذي نشره البحرانيان قاسم حداد وأمين الصالح سنة 1984، فخري كان شديد التوجس من المؤسسات كيفما كانت توجهاتها، فهي من وجهة نظره في الغالب مؤسسات أدبية معروفة “تقليدية” تحاكم الأدب بمقاييس قديمة بحيث تفرض على المبدع أن يكون كما أراد له الآخرون، بل إن هناك مؤسسات تمد الأدباء بالمال بحجة التضامن لتفرض عليهم مواقف لا يريدونها ففي النهاية لا بد وأن يكون لهذا الدعم قصد ما.

كان يعلن صراحة أنه من البديهي أن يكون للكتابة -أي كتابة -قصد معين -وأنه يمكن أن يتغاضى عن المؤسسات الداعمة إذا كانت تتغيّا دعم التغيير، إنه من وجهة نظره مُبَرّرٌ إذا دفع بالحياة إلى الأمام. كان يعلن أنه سيكون مبتهجا لأي كتابة لا تتمسك بالشواهد فهي في هذه الحالة بحث عن عصر جديد. وما دامت تلقى بالأفكار القائمة بعيدا فهي عمل منطقي.

نظرة خاطفة

بمعاينة سريعة للبعض من إنتاجه الشعري سيبدو فخري مختلفا كليا عن مجايليه من شعراء اليمن. لقد انتمى فنيا إلى مغايرة كاملة للواقع الإبداعي اليمني. فضاؤه عالمي بامتياز. وهو حتى في فضائه العالمي ينتمي إلى حداثة ذلك الفضاء وإلى تجاربه الأكثر صيرورة واختلافا ورفضا، وفي انتظار قراءة شهادات معاصريه ليس على إبداعه، ولكن على مثاقفاته ومعاركه في عدن إبان سبعينات القرن العشرين تلك المثاقفات والمعارك التي أسلفنا إشارة عنها اعتمادا على نفثة لصديقه الكاتب فضل النقيب في آفاقه عام 2015، فإن في وسع قارئ فخري أن يتبين مقدار واحديته في موقعه آنذاك. فلطالما قادته معاركه مع الوعي التقليدي لمجايليه إلى الاستعانة بحشد كبير من أصوات مبدعي العالم ومفكريه، وهو يكاد يكون أكثر شعراء اليمن استدعاء لأصوات من أنحاء العالم تقف إلى جانب نصوصه لتشكل متكآت لتجربته وروافع لصوته الوحيد في محيط يعج بـ” شعراء بالجملة” -كما وصفهم في أحد نصوصه -لكنهم جميعا صوت مألوف وعادي وتقليدي.

هكذا كان يريد بوعي أن يكون مختلفا:

الشاعر في غير زمانه

بوادي الأشياء

جبلا ونبيّا

ستصبح إرادتي لقيطة

لا تعرف الحساب

إيه يا (كتاب الموتى)

يا من خلدتك الخرافات

ودُفنت فيك نظارة العصر

سأتقلب كالفناء

من عزاء…

إلى عزاء

هذا نص يعود إلى عام 1973، نشر مع خمسة نصوص أخرى في مجلة “مواقف” العدد 49 فبراير 1984، وهو يقول بوضوح إنه لا يريد لصوته الشعري أن يكون مُنَسّبا ولا يرضى بانتمائه إلى كتاب الموتى – كناية عن اجترار موروث لا يليق بالزمن الذي يعيشه -إن متعته هي في موت هذا الركام من الماضي، وسيكون سعيدا بالتقلب في عزاءاته فيما يشتعل فرحا بصوته اللقيط الذي لا ينتمي إلى ماض.

لغة الحواس، إحدى منجزات فخري المتقدمة، وهي لغة يجترحها ببساطة ويعزف عليها بمهارة رائعة:

الأصابع

الأصابع

والعطر سلطان أسمر

تأملات عميقة واشتغال ساطع وحفر في اللغة، لأن عبدالرحمن فخري رغم إعلانه القطيعة مع الماضي مسكون بلغة باذخة وغير عادية، جملته الشعرية مسبوكة بحذق وعشق، ولعله كان يكتب نصوصه بصوت مسموع فثمة جمال وسلاسة في بناء الجملة كما في الانتقال من سطر شعري إلى آخر، وربما كان لمنبريته الشهيرة دور في ذلك فقد كان نجما من نجوم الإلقاء الشعري وتلك ميزة كانت تجعل قصيدته النثرية في المهرجانات تتفوق على نصوص كبار شعراء العمود والتفعيلة من كل مكان، ناهيك عن شعراء قصيدة النثر وذلك جلي حتى في نصوصه المبكرة كما في هذا النص الذي يعود إلى سنة 1967:

لو أني متُّ

هل تموتين؟

ستموتين، تماما

سيغرق البحر في عينيك

وتسقط الأشرعة، كالضحايا

في فصل الحرب؟

هل يبكي الشجر، كالنساء

على صمت الدمى؟

هل تنام الأغاني

على شفاه الأطفال؟

وتفقأ كل الكراريس عيونها،

ستنتحر كل المصابيح في الشارع

ولن يخرج الليل إلى الحانة،

هذه الليلة.

لطالما قادته معاركه مع الوعي التقليدي لمجايليه إلى الاستعانة بحشد كبير من أصوات مبدعي العالم ومفكريه

هل سيحرث أوديب وادي الدموع

فيروي قبرك بالندم

هل يموت اسمك،

في يوم واحد مع اسمي

وكل المواعيد معنا

وكل الصحف

هل تموتين قبلي

برابعة النهار؟

إن عبدالرحمن فخري لم يكتب قصيدة مميزة ومتقدمة فحسب، ولم يكن شاعرا ومثقفا مختلفا وكفى، لكنه كان حضورا إبداعيا وثقافيا مغيّرا، وهو وإن كان قد عانى من عزلة منحاه الكتابي بين معظم أبناء جيله، إلا أنه قد نجح في تغيير العديد من مجايلية، أما من جاؤوا بعده فقد كان تأثيره عليهم ملموسا وواضحا غاية الوضوح، كل ذلك ناتج عن قدرته على تحكيك وتجويد نصه، وعلى تخليق العصف الذهني حول الكتابة من حيث الشكل والمضمون. وثمة شهادة قوية للمقالح عنه نشرت في صحيفة الحياة بتاريخ 16 / 4 / 2006. تقول “الشاعر عبدالرحمن فخري واحد من هؤلاء المجددين الذين كتبوا شعرهم أو معظمه بمنأى عن الالتزام ببحور الخليل بن أحمد الفراهيدي. وشهادة حق، فقد كان في طليعة رواد قصيدة النثر في اليمن. ولا يخفي عدد من الشعراء الشبان -أو الذين كانوا شبانا- أنهم تأثروا به وحاولوا في بداية أمرهم محاكاة طريقته في الكتابة الشعرية ليس على مستوى التمرد ضد الأوزان فحسب، وإنما في بناء الجملة الشعرية المكتنزة بقدر من الغموض، وفي اجتراح المغامرة المؤدية إلى ابتداع نوع من المعنى المثير للجدل. ولن ينسى تيار الشعر الجديد في اليمن دور الشاعر عبدالرحمن فخري في الدفاع عن هذا الاختيار ومقاومة أنصار المحافظة الأدبية بعامة والشعرية بخاصة”.

كاتب من اليمن

14