عبدالرحمن قطناني يشيد أسلاكا جارحة بشاعرية التذكر

يسمّيه أصحابه بـ"عبدل"، إنه الشاب عبدالرحمن قطناني، فنان فلسطيني عاش وأقام محترفه الفني في المستشفى الذي ولد فيه بعد أن تحول إلى مبنى سكني. وأطلق الفنان على هذا المبنى اسم “المخيم العمودي”، مخيم مكث فيه هو وأهله وأشقاؤه حتى بعد أن تحسنت أحواله المادية إثر نجاح أعماله الفنية عالميا.. اكتفى لفترة طويلة بتوسيعه، ثم انتقل بعد ذلك هو وأهله إلى شقة قريبة، حيث تحسنت ظروف العيش وإمكانية العمل الفني.
الخميس 2015/07/16
إعصار ضخم يجتاح المنطقة العربية بأكملها

بيروت - بدأ التشكيلي الفلسطيني عبدالرحمن قطناني الشهير بـ”عبدل”، حياته الفنية بجمع “مفردات” المخيمات الفلسطينية أي الأشياء المهملة ومخلفات البناء، ثم عمد إلى التفنن في لصقها على مساحة لوحته وفق نص سردي محدّد.

قطع أقمشة ممزقة، ملابس بالية، ألواح توتيا، مخلفات خشبية ومعدنية وزجاجية وجدت طريقها إلى عالمه الفني الناطق بيوميات حياته كفلسطيني، يعيش في مخيمات يختلط فيها فرح الأطفال البسيط بعمق المأساة المعيشية.

“توتياء، وأسلاك شائكة وحرية” كان هذا عنوانا لآخر معرض أطل عبره الفنان الفلسطيني على الساحة الفنية سنة 2011. قدّم آنذاك مجموعة لوحات تجسد أطفال المخيمات ولعبهم المتخيلة، وتلك التي صمموها من أتفه المواد وأرخصها لكي يمنعوا شبح الإحساس بالتخلي من أن يبهت ألوان طفولتهم.

أما معرضه الجديد في صالة “أجيال” البيروتية فشهد تطورا كبيرا لم يخرج بتاتا عن روحية أعماله الفنية السابقة المجترحة من الحياة في المخيمات الفلسطينية.

عنوان لافت

وضع الفنان لمعرضه الجديد عنوانا لافت اقتبسه من نص للمخرج الفرنسي إريك رومير وهو “لين الدائرة وحدة الخط المستقيم”، “الدائرة اللينة” التي تكلم عنها المخرج الفرنسي حاضرة في الخلفية الفكرية للأعمال المعروضة، إذ تحيل إلى لا نهائية الخيبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، وقابلية تلك الدائرة على التفكك فالاضمحلال في الآن ذاته.

كما تشير من ناحية أخرى إلى التفاف سكان المخيمات الفلسطينية على بعضهم بعضا من خلال نسيج ذاكرة النكبة وقصصها المنتقلة من جيل إلى جيل. ذاكرة ترق وتلين تحت ضغط كفاح المعيش اليومي، ولكن فقط لتعود أكثر تماسكا في مواجهتها للنسيان.

أما الخط الجارح فهو ظاهر في التوتر المتمثل بصريا وبشكل مباشر في الأسلاك الشائكة التي استخدمها الفنان بكثافة، ليشيد بها مشهدا رماديا يخترق فضاء الرؤية ويصعّد من وتيرة القلق.

شجرة زيتون عبدالرحمن قطناني هضمت الأسلاك الشائكة إلى حد الاتحاد معها

تتزاحم مجموعة من الأسئلة في ذهن المشاهد، وهو يدور في أرجاء الصالة، بحثا عن أطفال المخيم الذي برع الفنان في نقل خصوصية أحلامهم وبساطة فرحهم من خلال أعمال أوصلته إلى الشهرة. عبثا يبحث.. لن يعثر زائر المعرض على أحد منهم.

هنا تماما تكمن نقطة التحول التي حدثت في مسيرة عبدالرحمن قطناني الفنية، فما كان مباشرا في معرضه السابق دخل حيز الترميز والاستعارات. وما كاد أن يصير إضافة باهتة على سلسلة من الكليشيهات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، خرج من محدوديته واكتسب ألقا جديدا يعمّق من شمولية الأفكار المطروحة التي طالما هجس بها الفنان.

ماذا حدث لأطفال المخيم الذي اجتهد الفنان سابقا على تخليد حيوية حركاتهم؟ أين هي تلك الألعاب التي ابتكروها؟ كيف لها أن تغيب وهي كانت المحرك الأساسي لمنطق عمله الفني؟

لن يلبث زائر المعرض طويلا في حيرته قبل أن يعثر على هؤلاء الأطفال المفقودين- الحاضرين، وقد تحولوا من “مظاهر” واقعية في لوحاته السابقة، إلى طاقة مخفية تحرك أربع نسخ لشجرة زيتون واحدة شيّدها الفنان بالأسلاك الشائكة بشاعرية كبيرة.

قوة المعدن

لا يخفى على أحد المعنى الذي تكتنزه شجرة الزيتون، شجرة ترمز إلى تعلق الفلسطيني بجذوره المتأصلة في الأرض المسلوبة.

تزاحم مجموعة من الأسئلة في ذهن المشاهد، وهو يدور في أرجاء الصالة، بحثا عن أطفال المخيم الذي برع الفنان في نقل خصوصية أحلامهم وبساطة فرحهم من خلال أعمال أوصلته إلى الشهرة

ليس الفنان هو أول من أدخل شجرة الزيتون إلى عالمه الفني، لكنه أول من أنجزها بالأسلاك الشائكة التي تحيل في ظاهرها إلى معان مرتبطة بالاحتلال والألم والعزلة، ولكن لتقلب، في قراءة أعمق للعمل، “السحر على الساحر”.

ها هي شجرة زيتون عبدالرحمن قطناني قد هضمت الأسلاك الشائكة إلى حدّ الاتحاد معها بعد أن امتصت منها قوة إضافية، قوة المعدن الجارح ضد كل ما يمثله الاحتلال.

إلى جوار أشجار الزيتون “الفضّية” ترتفع هيئة إعصار ضخم مكون من أسلاك شائكة تنطلق من أرضية الصالة حتى سقفها الذي تكاد أن تخترقه. بهذا العمل أتمّ الفنان مراده، إذ لم تعد الأعمال الفنية المعروضة في كليتها متعلقة بفلسطين وحدها، بل بكل المنطقة العربية التي تعيش إعصارا لا سابق له، قوامه التغيير والتوق إلى الحرية.

يحتفظ الفنان بمفتاح بيت العائلة العتيق الذي هدّم في فلسطين المحتلة مُعلقا على جدار بيته الجديد، يحلم بالعودة كغيره من الفلسطينيين، غير أن حلمه هذا امتلك أجنحة إضافية متمثلة بأعماله الفنية التي هي وحدها قادرة، حتى إشعار آخر، على حمله افتراضيا إلى حيث يريد ويتمنى.

16