عبدالرحمن منيف السعودي الذي تنبأ بذوبان مدن الملح

الأحد 2014/11/09
منيف جرب البعث وغادره فخربت المخابرات السورية قبره

لم تكن قراءة المثقفين لعبدالرحمن منيف بيقينها المتسرّع دقيقة بما يكفي، فمدن الملح التي تكلّم عنها منيف، لم تكن سوى الحواضر العربية الكبرى التي تذوب الآن أمام حرب المحاور والنفوذ على الإقليم، وكان منيف يدرك ويقول دون أن يسمعه أحد، إن الملح هو الإنسان الذي تم تخريبه، ولم يتح له شكل حياته أن يبني القوام القوي الكافي للصمود أمام رياح العصف، كما يحدث اليوم.

قال متعب الهذال لابنه الصغير مقبل: “ذيك النخلة، الرابعة على اليسار، بعمرك يا وليدي ، وكل ما تكبر إنت تكبر معك، وباكر إنت تزرع نخلة لابنك وابنك يزرع نخلة لابنه، وسنة بعد سنة ويظل وادي العيون أخضر، ويظل الناس يمرون بالوادي ويشربون من ماي الوادي، ويترحمون على الأموات ويقولون وهم بظل الشجر (الله يرحم كل من زرع نخله وعرقاً أخضر)” (من مدن الملح -التيه: ص 52).

مشهد بالأبيض والأسود من صفحات عبدالرحمن منيف، الروائي السعودي الكبير، الذي صنع وحده ظاهرته، وغادر في لحظات كان الوعي العربي يتفتح فيها بحثاً عن منجز منيف ذاته، وعن أثره الجارح في الرواية العربية، والعالم الفكري والسياسي العربي في النصف الأخير من القرن العشرين.

عاش طويلا، ولكنها كانت حياة غنية وسريعة، مليئة بالأحداث والمغامرة، يقول: “هناك لحظات شديدة الغموض، ولا يعرف الإنسان كيف تأتي أو متى لكنّ إحساسا غامضا، حدسا مفاجئا، ينبئ أن شيئا قد انتهى، انكسر، ولا بد أن يقوم على أنقاضه شيء آخر”، وعلى أنقاض العالم الذي رآه عبدالرحمن منيف أول مرة حين رأى النور من أب سعودي من قرية قصيبا القصيمية، وأمّ عراقية، في العام 1933، كان التحوّل آخذاً بالجريان كنهر في الإقليم.

أحد أبناء العقيلات، الذين اختاروا مغادرة نجد إلى الشام والعراق، بحثاً عن التجارة والرزق، فعاد معظمهم بعد عشرات السنين، بعد أن عاشوا

طويلاً في بيئات مختلفة، لم ينسوا خلالها أصولهم النجدية، ولا عاداتهم ولا تقاليدهم ولا حتى لهجاتهم، ولد عبدالرحمن منيف في عمّان، ودرس في الكتاتيب، في عمّان “القرية” كما يحب أن يسميها، وتنقل ودرس في مدن وعواصم كثيرة، كانت أولاها بغداد، التي درس فيها الحقوق، حيث تم طرده من الجامعة بعد إعلان “حلف بغداد”، فذهب إلى القاهرة ليواصل دراسته في الحقوق، ثم غادرها إلى بلغراد في يوغوسلافيا في العام 1958، وبقي فيها حتى حصوله على الدكتوراه في العلوم الاقتصادية في تخصص اقتصاديات النفط في العام 1961.

عاش منيف طويلا، ولكنها كانت حياة غنية وسريعة، مليئة بالأحداث والمغامرة، يقول: "هناك لحظات شديدة الغموض، ولا يعرف الإنسان كيف تأتي أو متى لكن إحساسا غامضا، حدسا مفاجئا، ينبئ أن شيئا قد انتهى، انكسر، ولا بد أن يقوم على أنقاضه شيء آخر"، وعلى أنقاض العالم الذي رآه عبدالرحمن منيف أول مرة حين رأى النور من أب سعودي من قرية قصيبا القصيمية وأم عراقية

في تلك السنوات كان منيف قد أصبح ماركسياً، ولكنه فضّل الانتماء إلى حزب عربي بحكم ميله القومي، فدخل حزب البعث العربي الاشتراكي مبكراً، وتدرج فيه ليصبح عبدالرحمن منيف عضواً في القيادة القومية للحزب على المستوى العربي، ثم قرّر في العام 1962 الرحيل إلى دمشق، لأمرين غيّرا مسار حياته، الأول كان الاستقالة من حزب البعث بعد مؤتمر حمص، الذي رأى فيه منيف اختلاف الطروحات الفكرية القومية التي آمن بها، عن النهج التطبيقي الذي كان البعث سائراً فيه، وقال عن هذا: “بعد تجربة استمرت أكثر من خمسة عشر عاما تبين لي أن الأفق السياسي هو أفق مسدود لا يلبي رغباتي فانصرفت إلى الرواية”، أما الأمر الثاني، فكان التفرّغ للعمل في تخصصه في شركة النفط السورية.


متنقلا بين مدن الملح


أكثر من أربعة عشر عاماً قضاها عبدالرحمن منيف في دمشق الستينات وبداية السبعينات، عاش فيها التضاريس الصعبة التي كانت تضرب وعي المؤمنين بالقضايا الفكرية الكبيرة، كالفكر القومي والحرية والعروبة، وفيها سحب جواز سفره السعودي أول مرة في العام 1963، رغم مواقفه المعلنة من أنه لم ير في السياسة أفقاً يحقق له ما يريد، قرر بعدها مغادرة العاصمة التي أحبها وعاش مع شعبها ومثقفيها، وصاهر إحدى أكبر أسرها، إلى بيروت، حيث عمل في مجلة “البلاغ” في العام 1974، فبقي حتى العام 1975، حين قرّر الرحيل إلى بغداد والعمل في النفط من جديد، فعاش في العراق حتى اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، وخلال سنوات حياته هناك عمل كخبير اقتصادي و تولى إصدار مجلة متخصصة باقتصاديات النفط ” النفط والتنمية”، ثم ترحّل من جديد، في العام 1981 إلى باريس، بعيداً عن فوضى المشرق العربي، متفرغاً للكتابة، ولكنه بعد خمس سنوات فقط عاد إلى دمشق ليستقر فيها حتى آخر لحظات حياته بعد ذلك بعشرين عاماً تقريباً.


شرق المتوسط


لم يكن عبدالرحمن منيف مجرد مواطن محلي سعودي أو سوري أو عراقي أو أردني، بل نظر إلى نفسه على أنه قطعة مكثفة من الإنسان في العالم العربي، وقد رأى أن شرق المتوسط الذي وصفه بأدق تفاصيله وحياة سكانه وأحلامهم وانكساراتهم، هو مناخ واحد، لا فرق فيه بين هذه الدولة أو تلك، فانصب نقده على المجتمع والسلطات والإنسان، يقول في روايته “شرق المتوسط مرة أخرى”: “إن السجن ليس فقط الجدران الأربعة وليس الجلاد أو التعذيب، إنه بالدرجة الأولى خوف الإنسان ورعبه، حتى قبل أن يدخل السجن، وهذا بالضبط ما يريده الجلادون وما يجعل الإنسان سجينا دائما”.


قصة حب مجوسية


عاش عبدالرحمن منيف قصة حبه مع هذا العالم، قصة حب مجوسية، كما قال بنفسه على غلاف إحدى أشهر رواياته، فحفر عميقاً في الإنسان، وفي الأفكار، وفي صراع الحريات والعقول، قال: “لم يعد ما ينزل من الغيوم الثقيلة المطر. كان الفرح الملون. شعرت بالأصوات المتداخلة حولي وكأنها الأناشيد تأتي من مكان بعيد، وفي لحظات أخرى شعرت بالكون وكأنه يد أم. وظللت أترك عينيّ تسافران.. لكن ما تكادان تعودان لتستقرا في عينيها حتى أحس أني أولد من جديد. كانت نظراتها عالماً طفلاً يركض برعونة نحو الفرح والحزن معاً، قلت لنفسي بتحد أخرق: سأقتل الكراهية والحقد. سأقتل الخيبة والكبت. أمّا التأملات البلهاء التي تسرقني من كل ما حولي فسوف أدفنها في أقرب مزبلة، وفي لحظة أخرى قلت بتصميم: أنا أحترق الآن، احترق بلهفة شيء لم أكن أحس بمثله من قبل. ومرت تساؤلات عربيدة في رأسي: أين كنت أعيش؟”.

لم يكن عبدالرحمن منيف مجرد مواطن محلي سعودي أو سوري أو عراقي أو أردني، بل نظر إلى نفسه على أنه قطعة مكثفة من الإنسان في العالم العربي، وقد رأى أن شرق المتوسط الذي وصفه بأدق تفاصيله وحياة سكانه وأحلامهم وانكساراتهم، هو مناخ واحد، لا فرق فيه بين هذه الدولة أو تلك، فانصب نقده على المجتمع والسلطات والإنسان


من كان عبدالرحمن منيف


لعلّه متعب الهذال، بطل مدن الملح، أو المحملجي، أو صبحي الطعان، أو أي واحد منهم، أو كلّهم معاً، ولعلّه لم يكن أياً من هم، فقد قال منيف: “بقدر ما يحتاج الروائي إلى أن يكون متواجدا في رواياته، فإنه يحتاج إلى تقليل حضوره فيها، أو أن يجعل حضوره ذاك مقنّعاً”، على أن الميزة التي لم تتواجد عند أحد سوى عبدالرحمن منيف، كانت تعدّد الهويات، واتساع الأفق نحو الآخر بلا عقد ولا حرج ولا استئذان، فكان عبدالرحمن منيف يكتب كما لو كان ابن أي بلد مشرقي متحسساً قضاياه وخرائطه، حتى أنه تشارك مع جبرا إبراهيم جبرا في الرواية المدهشة “عالم بلا خرائط” لتأكيد هذهالفكرة.

قال عنه محمد القشعمي كاتب سيرته إن: “السياسة التي انشغل بها عبدالرحمن منيف كانت انطلاقته للتحول باتجاه الأدب والرواية تحديدا، ومن الأدب تم الانطلاق باتجاه جديد نحو السياسة، حيث بقيت السياسة في كل التنقلات، وقال منيف بنفسه: “لما جاءت الأحداث الكبرى التي هزت واقع المجتمع العربي، وأدت إلى الكوارث المعروفة، اتضح أن التنظيم السياسي، والفكر السياسي المسيطرين والسائدين يتمتعان بحد كبير من التخلف والعجز وعدم القدرة على فهم المرحلة وبالتالي على قيادتها، ومن هنا كان الابتعاد عن السياسة اليومية بمعناها التنظيمي، والالتفات أكثر إلى الثقافة وإلى الرواية بشكل خاص”.


فضح الهزيمة


تلمّس عبدالرحمن هزيمة الأيديولوجيا مبكراً، ورأى النظام الرسمي العربي وهو يتهاوى واقفاً، في انحرافه عن أهدافه المعلنة، في التفاته إلى تحطيم الإنسان بدلاً عن تحريره، وكان قرار منيف بمغادرة الحياة السياسة تمهيداً لفضحها والانقضاض عليها من خلال الفن الروائي، فاعتبر أن تلك المؤسسات الأيديولوجية المساهم الأول في انحطاط الأفكار والقيم، وفي “جعل الهزيمة حالة دائمة لا يمكن تجاوزها”. قال عنه الناقد فاروق عبدالقادر: “إن شروطا ذاتية وموضوعية تحالفت كي تجعل من عبدالرحمن منيف المواطن العربي بامتياز″. مواطن عربي هزم الهزيمة بالكتابة، وصمد حتى السبعين لتقتله كليته.


الانتقام من قبر منيف


مات عبدالرحمن منيف في دمشق، بسبب نوبة قلبية ناتجة عن فشل عمل الكلية، في العام 2004، ودفن في مقبرة الدحداح الشهيرة في قلب دمشق، في قبر بسيط تغطيه لوحة عملاقة من البرونز صنعها محبوه من الفنانين السوريين، نقشت عليها رموزٌ وكتابات من أعماله على شكل رقعة جلدية بوزن مئتي كليوغرام.

وبعد سنوات قليلة على وفاته، فوجئت أسرته باعتداء من مجهولين على قبره، حطموا من خلاله رخام الضريح، وشوهوه، وقالت زوجته سعاد القوادي حينها: “ما حصل ليس بخلفيات سياسية، ويبدو أن من قام بذلك يريد توجيه إصبع الاتهام إلى السعودية وأنا أرفض ذلك، ولا علاقة للأصوليين بالأمر، فقد كانت أعماله قريبة للإنسان البسيط بلا تحديات، ولم تكن لديه مشكلة مع أي جهات معينة”.

صاحب “الأشجار واغتيال مرزوق”، و”حين تركنا الجسر”، وشرق المتوسط”، و”سباق المسافات الطويلة” لم يغادر مطلقاً مكتبات المثقفين العرب، في بلاده والبلاد التي عاش فيها، فاستمر حضوره قوياً كما كان غيابه قوياً في الماضي، وكان عبوره لذاك الجسر عبور النجديّ شمالاً في رحلة العقيلات اللانهائية.

8