عبدالرحيم سالم ابن دبي المقيم في نبوءتها

الأحد 2018/01/28
رسام الأنوثة المحلقة في أحلامها

“أن نصل إلى الفن عن طريق فتاة مجنونة، لم يتأكد أحد من وجودها” كان ذلك رهانه الذي انعكس تحولا كبيرا في أسلوبه الفني.

حدث ذلك في بلد خيالي لم تكن حكاياته قد كتبت بعد. كان تراث ذلك البلد الذي سيصبح في ما بعد واحدة من معجزات عصرنا الحديث عالقا بالشفاه.

لقد فكر عبدالرحيم سالم بالموروث الوطني وهي عادة اكتسبها من سنوات دراسته في مصر. لم يجذبه المكان ولا عناصره التزيينية الصامتة. لم يرغب أيضا في المضي وراء حكايات الصيادين في المجهول الذي تجسده مرئيات، هي عبارة عن مفردات محدودة فقدت الكثير من إيحائها الجمالي بسبب تكرارها. في حقيقة محاولته للوصول إلى هويته الشخصية كان هناك عنصر حركي غامض تصنعه العاطفة.

لقد سحرته أصوات النساء. ذلك ما قاده إلى ضالته. ولم تكن تلك الضالة سوى “مهيرة” الفتاة التي قادها امتناعها عن الحب إلى الجنون. حكاية شعبية سمعها في طفولته من جدته واستعادها شابا لكن عن طريق الرسم.

الذي جرى بعد ذلك هو الأهم.

ميل سالم إلى التجريد وهبه الجرأة على أن يصب شغفه بتصوير حركة النساء المحليات في قالب الفتاة التي أطاح بها الحب حين سلمها إلى الجنون. لقد امتزج البحر والريح في طقس تعبيري نجا بـ”مهيرة” من رمزيتها.

رسوم عبدالرحيم سالم لا تروي ولا توضح ولا تشرح. إنها تهبنا روح الحكاية من غير أن تعلبها في صبغة شكلية بعينها.

نساؤه هن الحوريات اللاتي يلقي بهن موج البحر على الشواطئ ملتفات بعصف إلهامهن. هذا رسام يقف عند الحدود ما بين ما يراه وبين ما يحلم في رؤيته، وهو ما قاده إلى أن يصنع أسلوبه في الرسم من خيال كائن يعده الجنون بالكثير من التجليات. استفاد الفنان من موضوعه فصار يرسم كما الريح.

مهيرة وهي لقية حياته

ولد سالم في منطقة الصبخة بدبي عام 1955. انتقلت عائلته إلى البحرين، فدرس هناك إلى مرحلة الثانوية. “حياة لا يمكن معرفة جدواها وقيمتها إلا حين نتجاوز الخمسين من العمر، وكأن الحياة تكتسب قيما جديدة بمرور العمر” يقول. بعدها عاد إلى الإمارات ليقضي وقتا قصيرا يكون بعدها واحدا من الطلبة المبتعثين إلى الخارج. ذهب سالم إلى القاهرة ليدرس النحت في كلية الفنون الجميلة التي تخرج منها عام 1981. مفارقة تذكر بالرسام الإيطالي مودلياني الذي درس هو الآخر النحت وانبعثت شهرته من رسومه.

رسام يقف عند الحدود ما بين ما يراه وبين ما يحلم في رؤيته

تميز سالم عن سواه من دارسي الفن في مصر بتحرره من التأثيرات المصرية وهو ما كان واضحا أيضا في تجربة القطري يوسف أحمد الذي درس هو الآخر في مصر. ما رسمه بعد ذلك لم يحمل تأثيرات معلميه وهو ما صنع شخصيته المتميزة.

حمل عام 1981 حدثا مهما بالنسبة لتاريخ الفنون التشكيلية في دولة الإمارات. شهد ذلك العام ولادة جمعية التشكيليين الإماراتيين. كان سالم واحدا من مؤسسي تلك الجمعية وكان معه عبيد سرور ونجاة مكي وحسن شريف ومحمد حسين وعبدالكريم السيد وأحمد حلبوز ومحمد يوسف وحسين شريف. تأخر سالم في إقامة معرضه الشخصي الأول إلى العام 1991.

يومها عرض تخطيطات بقلم الرصاص على الورق للمرأة التي شغف بها حبا. “مهيرة” التي لن يرافقه شبحها. إنها لقية حياته التي استلهم منها أسلوبه الفني وصار ينهل من جنونها حكاياته البصرية.

بعد ذلك المعرض أقام سالم عددا من المعارض في بلاده وفي دول عديدة منها الكويت وقطر ومصر وفرنسا والهند وسوريا وإسبانيا وألمانيا وكانت مهيرة ترافقه، المرأة التي أهدته أسلوبه في الرسم.

تستمد مغامرة سالم قوتها من رغبة عميقة في التجريب. هذا رسام لا يخشى الأسلوب المتاح ولا يهابه. لا يخشى أن تفلت خيوط اللعب من بين يديه. إنه يمضي إلى هدفه الشكلي محملا بطاقة لا تنتهي، مادتها الغامضة تتكاثر تلقائيا من غير أن تتكئ على ما يقع خارجها. يرسم سالم كمَن يهذي. وهو كما أتوقع يحاور أثناء الرسم أنثاه الخفية التي قد لا تتاح لها الفرصة لكي تظهر كاملة كما يراها الرسام في جنة عاطفته.

ميل سالم إلى التجريد يهبه الجرأة على أن يصب شغفه بتصوير حركة النساء المحليات في قالب الفتاة التي أطاح بها الحب حين سلمها إلى الجنون. لقد امتزج البحر والريح في طقس تعبيري نجا بـ"مهيرة" من رمزيتها

سالم رسام خطوط، وإن صنعت تلك الخطوط ما يشبه المساحات اللونية التي تتشكل بالصدفة. وهب على العموم مساحات لا تخفي الخطوط التي شكلتها. ثنائية الخط واللون تخفي الكثير من الثنائيات تحت قشرتها. فهناك ثنائيات البطء والسرعة. هي ثنائية تحكم الشكل في إطار طاقته التعبيرية.

وهو ما يقود إلى حركة اليد التي تجري وراء خيالها في سرع متفاوتة. وهناك ثنائية البعيد والقريب، حيث تلعب المساحات العميقة في اللوحة دور الذاكرة فيما تقبض المساحات السطحية على اليومي العابر وهي علاقة وظفها الرسام في سياق فكرته عن التنقيب في ما هو خفي من الكائن الأنثوي الذي يعالج أسراره. وهو ما ينقلنا إلى الثنائية الثالثة وهي ثنائية الخفي والظاهر.

فما يهم سالم بالدرجة الأساس أن يصل إلى نتائج فنية ترضي ميوله التجريدية وهو ما نجح في إظهاره غير أن الدافع الخفي لفعل الرسم يظل مشتبكا بالحكاية أو ما تبقى من هوائها. وهنا أؤكد على مفردة “هواء” ذلك لأن الرسم بالنسبة لهذا الفنان هو عبارة عن فعل عصف عاطفي تعبر عنه الخطوط بعصفها.

ارتجال يشبه الموسيقى

بالرغم من مضي عقود على بداياته لا يزال سالم رساما طليعيا. ثقته بالرسم جعلته أكثر قوة في مواجهة تيارات الفن المعاصر التي سادت في دولة الإمارات بتأثير الانفتاح على العالم.

أعانه الرسم على معرفة موقعه وسط تلك التحولات الفنية التي غلب عليها التماهي مع بعض التجارب العالمية. لقد تمسك سالم بالرسم، كونه خياره الجمالي الأخير الذي استطاع من خلاله أن يرمم صلته بالواقع. يرى سالم الواقع بطريقته ومن موقعه رساما.

امتزج البحر والريح في طقس تعبيري نجا بـ"مهيرة" من رمزيتها

ربما يحسده الكثيرون من دعاة الفنون المعاصرة على تلك الصلة الشعرية التي تنفتح بفنه على الواقع. وهو واقع فيه الكثير من الاحتمالات الجمالية التي سعى سالم إلى استدراجها من خلال تقنية “الارتجال”.

يبدو كل شيء في رسوم سالم تلقائيا، كما لو أن الفنان يتجه إلى قماشة اللوحة البيضاء من غير تخطيط مسبق. هناك شيء من الارتجال في رسوم الفنان الإماراتي الذي يمزج حواسه مثلما يمزج أصباغه.

الأصوات والصور والأحلام والأفكار هي مواده التي صار يراها كما لو أنها مادة واحدة، هي النسغ الذي يغذي كائناته بحياة متخيلة.

حياة ليست بعيدة

تخلو لوحات سالم من الخلفيات. هناك رغبة مبيتة لدى الرسام في تحاشي المشهد الصحراوي. لقد صنع الرسام هويته مستندا إلى تجربته الشخصية. وهي تجربة يمتزج الفن من خلالها بالحياة. ما سعى إليه سالم منذ البدء أن يضع تجربته في سياق عالمي، لم تكن المحلية سوى دافع للإبداع. هذا رسام لا يصف الشيء الذي يراه بل يرى بعيني خياله حياة ليست بعيدة عن متناول يديه الساحرتين.

عبدالرحيم سالم هو ابن دبي الذي تنبأ بعالمية رؤاها قبل أن تكون.

9