عبدالرحيم لحبيبي: لست الوحيد الذي لم يجد أحدا يهتم برواياته

الاثنين 2014/06/16
لحبيبي: قضيت أياما مرعبة وأنا أخوض مغامرة كتابة التغريبة

عبدالرحيم لحبيبي روائي مغربي ينحدر من قبيلة عبدة المغربية الشهيرة، وبالضبط من مدينة آسفي، حيث يتداخل المحيط الأطلسي باليابسة ومعامل تصبير السمك بصناعات الفوسفاط. بعد أن قرر الإحالة على معاش طوعي، ارتكن إلى غربته الجوانية، منقطعا إلى قراءة الرواية وكتابتها. ورغم أنه نشر عملين روائيين إلا أنه لم يلتفت إليه أحد، فلم ييأس، وكتب ثالثة اختيرت ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية. في هذا الحوار مع صحيفة “العرب” سنحاول تعرّف رؤيته للكتابة الإبداعية ومناخاتها.

ذاكرته مخترقة بوقائع حلوة ومرة، باهتة وراسخة: اعتقال الوالد من طرف سلطة الحماية الفرنسية، الفرن التقليدي الذي كانت تملكه الأسرة، والاجتماعات السرية التي كان يشهدها، طلاق الوالدين، والعيش مع زوجة الأب بعد وفاة الأم، وعشرات التفاصيل الصغرى.

كما تمتلئ كذلك بأسماء بعض أساتذته الذين حببوا إليه اللغة والأدب، في مراحل متقدمة من حياته كالفقيه الهسكوري مثلا، فضلا عن كتب قرأها، وهو لم يزل طفلا، ألهمت خياله وذائقته كـ”روبنسون كروزو” لدنيال ديفو و”البؤساء” لفيكتور هوغو.


الذاكرة الموشومة


المناخ السياسي المؤطر للرواية تخيم عليه أجواء السبعينات أو ما سمي بسنوات الرصاص من اعتقال سياسي ومحاكمات

يقول عن روايته الأولى “خبز وحشيش وسمك”: “لقد تجنبت، في عنونتها، الترتيب التقليدي للطعام خبز وسمك ثم الحشيش وهذا ترتيب يقتضيه تناول الطعام ثم التدخين بعد ذلك، وإنما كان القصد ترتيبا يجعل من الحشيش مكونا أساسيا سواء مع الخبز والسمك. واستثمرت فيها تاريخ مدينة آسفي بتاريخها الشاهد على ظلم الأسياد والمجاعات والأوبئة وأقبية السجون والمعتقلات.

تاريخ العذابات التي ردّدتها سرّابات العيطة ومواويل مبحوحة ظلت دائما تمثل الفن الرافض في مواجهة العادات والتقاليد المحافظة، فن شعبي نرفضه علنا ونموت في حبه سرا، فضلا عن دورها التاريخي والحضاري الذي تمثل في سير الأولياء والصالحين ورجال العلم والتصوف على طول ساحل المدينة”.

وعن سلبية بعض شخوص روايته الأولى يقول: “المناخ السياسي المؤطر للرواية تخيّم عليه أجواء السبعينات أو ما سمي بسنوات الرصاص: الاعتقال السياسي والحظر والمحاكمات.. فهل يطلب من شخصيات كالحامض وكبور الشكالي والصديق وأبا صطوف.. أن تدّعي بطولة لا تملكها؟ أن تحارب طواحين الهواء، أن يتحوّل الحامض إلى دون كيشوت أو يقود جلال -بين عشية وضحاها- سكان الحي بعد فشل في الانتخابات بسبب التزوير، إلى اعتصام أو مظاهرة؟.. لقد عرفت سنوات الرصاص شيئا من هذا، لكنه كان محدودا ومحصورا في نطاق معيّن، أما بقية الناس، فقد أرجأت أمرها إلى السماء، ولكن دون أن تفقد الأمل أو تستكين أو تبيع أرواحها للشيطان”.

ويضيف لحبيبي قائلا: “إن الصمود والثبات على المبدإ والأمل في المستقبل هي أسلحة المستضعفين من أمثال سكان “السوينية”، وكذلك “الحامض” المنحدر من قبيلة عانت الويلات من بطش وظلم القائد التاريخي عيسى بن عمر. الصمت قد يكون أبلغ من الكلام والضوضاء والضجيج”.

وعن ترحيل بعض شخوص روايته الأولى لروايته اللاحقة “سعد السعود” يؤكد أنه “يمكن اعتبار شخصية الحامض، مثلا، من الشخصيات الروائية القابلة للتنقيل والتوسيع في عدة فضاءات وأمكنة روائية ولغايات متعددة، ويمكن أن تمثل أدوارا في أكثر من رواية واحدة، وذلك نتيجة لمرونة الشخصية وخفتها وقربها من الروح المغربية المتفتحة على المرح والنكتة حتى في أحلك الظروف، ونظرا أيضا لطبيعة حرفته الشعبية وعلاقاتها الاجتماعية المتعددة وخاصة مع مجتمع النساء، وكذلك طبيعة الحياة التي يعيشها كأعزب، معيشا ومأوى. علاوة على سحابة الغموض التي تكتنف سيرته الذاتية، والروح السلمية التي يواجه بها عنف الآخرين وشماتتهم”.


أسرار التغريبة

"التغريبة تسبح في كتب التاريخ


أما دواعي اعتماده السند الوثائقي في رواياته، فيبررها على كون ذلك كان يتمّ بسلاسة ومن غير تصميم، كالأغاني الشعبية في رواية “خبز وحشيش وسمك”، والرسائل في “سعد السعود” وهي متساوقة مع الإطار العام للحكاية. أما “تغريبة العبدي..” فلا يستقيم اعتبار المخطوط سندا نصيا.

ويضيف: إن ما أعتبرها أسنادا نصية حقيقية هي المقتطفات الصحفية التي وظفتها كتاريخ لكفاح “السي اسعيد” ضدّ الاستعمار الأجنبي في رواية “سعد السعود”.

وعن تقاطع “تغريبة ولد الحمرية”، في كثير من تفاصيلها، مع مجموعة من كتب التاريخ والرحلات وخاصة كتاب وصف أفريقيا لحسن الوزان وكتاب أفريقيا لمارمول كاربخال، والمحكيات السفارية والتاريخية؛ يؤكد بأن كتب التاريخ والرحلات هي الفضاء الزمني والمكاني الذي تسبح فيه “التغريبة” التي زاوج فيها بين فضاءين ولغتين حين ينتقل من نص رحلي أسطوري يدّعي الواقعية إلى نص رحلي تاريخي وموثق وله مالك حقيقي، ومن لغة تراثية تنحو منحى الشعرية إلى لغة رحالة ومؤرخين.

ويقول عن مجازفته في محاكاة الأساليب القديمة: “لقد قضيت أياما مرعبة وأنا أخوض هذه المغامرة، إذ كان كل شيء سينهار لو تسربت إلى النص كلمة أو مصطلح أو اسم.. له دلالة معاصرة. استعرت من “ويلز” آلته العابرة للزمن، ووجهتها نحو الماضي، عشت عن طريق اللغة حياة هؤلاء الأقوام وشاركتهم الطعام والشراب والملبس، عانيت معهم الأفراح والأتراح، حتى خلت نفسي أنني فعلا عشت هناك ذات يوم. إنني سعيد لأنني عشت هذه التجربة”.

ويضيف لحبيبي أنه استعمل في الرواية تقنية التهميش بكثافة، ولعل حق الرواية في استخدام التهميش حق مشروع، ما دام النص ينبني على مخطوط منذور للتحقيق، فمشروعية الاستعمال والتصرف غير قابلة للطعن. وذلك لأهميتها الوظيفية سواء في التحقيق أو في تسليط أضواء جديدة على النص، ونوافذ مشرعة أمام تأويلات خصبة: هوامش استندت على المعاجم والمراجع التاريخية والرحلات والروايات والظهائر المخزنية واللوحات الفنية التي أبدعها رسامون مرّوا بالصحراء خلال رحلة العبدي. ولا تتمّ القراءة المتكاملة في غياب نص الهوامش، نظرا للعلاقة العضوية الجامعة بين النصين.

وهو وإن كان يلوم، ضمنيا، تجاهل النقاد لروايتيه السالفتين، فإنه يستدرك مخففا من شدّة المرارة: “ربما لست الوحيد الذي لم يجد أحدا يهتمّ برواياته، فهم كثر؛ ما كنت أشعر به وأنا أكتب “التغريبة” هو أنني أكتب شيئا متميزا، وقد راودني هذا الخاطر منذ أن ظهرت أمامي فكرة المخطوط كشكل فني. كلما قطعت شوطا في الكتابة، كنت أُجبر نفسي على أن يكون الشوط الذي يليه أحسن منه وأمتع. كنت أتحدّى نفسي وطاقتي. أتعبتني التغريبة كثيرا، فإذا كان العبدي قد تعب من رحلة السفر، فأنا تعبت من رحلة الكتابة المضنية. وعندما فاجأني الناشر بخبر إرسال الرواية للمشاركة في الجائزة العالمية للرواية العربية (2014) كنت واثقا أن العبدي سيواصل الرحلة بإصرار”.

ولأنه لم يصل إلى النهاية فإنه يكتفي بالقول: “ذلك هو قانون الجوائز”. مؤكدا أنه ماض في مواصلة القراءة والكتابة. إذ أن هناك نصوصا كثيرة لم يقرأها بعد، ومشـــاريع روائية تحتاج منه لاعتكاف طويل.

15