عبدالرزاق عبدالواحد: الكنزا ربا كنزي العظيم

السبت 2014/03/01
عبدالواحد: أعترف أن مندائيتي هي التي أخذت بيدي وسط مهرجان النور

بغداد- يعتبر كتاب الكنز العظيم كنزا ربا أقدس الكتب والمخطوطات عند الصابئة ومصدر التشريع والوصايا والتعاليم، ويؤمن الصابئة المندائيون بأن هذا الكتاب هو كلام الله ووصاياه الموحى بها للنبي آدم وأنبياء الصابئة الناصورائيين المندائيين. ويؤمن الصابئة من خلال كتابهم هذا وكتبهم المقدسة الأخرى بأن النبي آدم عليه السلام يمثل رأس سلالة البشر، ويعتقدون أن الكنز العظيم يجمع صحف آدم وشيت وسام.

يتألف الكتاب من 18 كتابا في 62 سورة تقع في حوالي 600 صفحة وهو بقسمين: القسم الأول يتضمن سفر التكوين وتعاليم “الحي العظيم” والصراع الدائر بين الخير والشر والنور والظلام وكذلك هبوط “النفس″ في جسد آدم ويتضمن كذلك تسبيحا للخالق وأحكاما فقهية ودينية. ويتناول القسم الثاني قضايا “النفس″ وما يلحقها من عقاب وثواب.

وأول نسخة عربية للكتاب تمت ترجمتها في التسعينات من القرن العشرين من قبل الشاعر العراقي المندائي عبد الرزاق عبد الواحد. وقد قال الشاعر العراقي عن ترجمته لكتاب المندائيين المقدّس: “يوم عرضت عليّ اللجنة العليا لترجمة كتابنا المقدس “كنزا ربّـا”، أن أتولّـى إعداد الصياغة الأدبية لترجمته، اعتذرت عن النهوض بهذه المسؤولية الكبيرة. اعتذرت بكثرة مشاغلي، وبصعوبة وخطورة ما أنا مقدم عليه. وحين عاودت اللجنة عرض الأمر عليّ بعد زمن – وكنت قد فكرت خلال ذلك بالأمر سائلا نفسي: إن كنت أنت تتهـيّب ذلك يا عبد الرزاق عبد الواحد فمن سيقدم عليها؟ – قـبلت المهمة، على صعوبتها، وعلى خطورتها، وعلى عظم المسؤولية فيها. قبلتها لسبب قد يبدو غريبا: لقد خشيت من المستسهلين والمتساهلين. خشيت أن يخرج هذا الكنز المقدس إلى العالم بعد آلاف السنين من التساؤل، والترقب، والشك، وحتى الاتهـام.. خشيت أن يخرج بشكل يبّـرر كل تلك التساؤلات، لذا كان عليّ أن أقبل التكليف، وقبلته!

مـرارا قرأت الكتاب، وأنا أحاول أن أجد المنفذ الإبداعي للدخول إليه. أمـا المنفذ الروحي فأنا أملكه بحكم كوني إنسانا مندائيا عاش مناخ الطقوس المندائية، وترعرع فيه منذ يوم ولادته.

أعـترف الآن أن هذا المنفـذ النفسي، الروحـي، كان دلـيلي ومـرشدي ومفجّـر الإبـداع في كل جملة من جمل الكتاب أعدتُ صياغته، متحسسا بأنامل روحي طريق الدخول إليها، ومعابر التواصل بين مفرداتها. بين كل تلك الغيوم البيض المعطّـرة وغلائل الغموض اللذيذة والمثيرة، والتي كانت تظـلّل الكلمات، مخـبّئة فيها – بقـدسية باهرة – كنوزها العزيزة.

لقد كان علي أن أركض وراء مساقط الكلمات لا الكلمات نفسها.. وأن أبحث في ظلال الحروف لا في أضويتها التي كانت تعشي البصر في كثير من الأحيان.

أعترف مرة أخرى أن مندائيتي هي التي أخذت بيدي وسط مهرجان النور هذا. لقد أحسست أن منداد هيي كان معي، ولم أكـذّب هذا الإحساس لحظة واحدة.

في إحدى الليالي كنت منحنيا على الورق في مكتبتي ست ساعات متواصلة دون أن انتبه إلى أنني لم أقف، ولم أتحرك من مكاني. وحين وقفت فجأة ترنحت وأوشكت على السقوط، فاتكـأت على سياج مكتبتي، ونظرت من نافـذتها العريضة المطلة على مجرى دجلة أمامي، وهتـفت بكل كـينونتي دون صوت: يا منداد هيي.. أمهلني فقط حتى أنجز كتابك هذا، ولحظة أنتهي منه تجـدني جاهزا للذهـاب معك وسالت الدموع غزيرة على وجـهي!.

هذه المعـاناة الهائلة هي شـرفي.. وكنزي العظيم. سـنة وأربعة أشهر وبمعدل خمس ساعات في اليوم.. دون توقف، ودون انقطاع.. لم أشرك بالكتاب شيئا: لا كتبت شعرا ولا دراسة ولا قرأت شيئا خوف أن يختـلط بمناخ الكتاب ما يثـلّم رؤيتي فيه.

أتعـلمون أيها السـادة؟

سألت نفسي مرة: تفقس بيضتان.. يخرج من إحداهما فرخ بط ومن الأخرى فرخ دجاج.. مَـنْ ألهم الأول أنه يستطيع العوم فيركض إلى الماء ويلقي نفسه فيه؟ وخاف الثاني من الماء فهرب منه لأنه لا يحسن العوم فيه؟

كان ذلك دلـيلي في كـتابتي!

انه ميراثي المندائي عـبر آلاف السنين.. به كنت ألتقط لآلئ الكنزا ربا، غائصا في مياهها. لم تكن تحملني على أمواجها مقدرتي الأدبية وحدها، بل هذا الحسّ المـندائي بالمعنى.. حسّ فرخ البط وهو يركض إلى الماء.. وحسّ فرخ الدجاج وهو يهرب من الماء! لست أدعي أن ما فعلته كان معجزة. وكل ما فعلته أنني وضعته عربيا بين يدي أهله ومحبيه.. وبوضعه كذلك، وضعت نفسي موضع الرضا عن نفسي، أنني أنجزت في حـياتي شيئا يعـتز به أولادي، وتعتز به طـائفتي حتى آخر إنسان فيها”.

7