عبدالرزاق مقري إخواني يبشّر بخط ثالث يجمع بين التشدد والتودد

عبدالرزاق مقري الذي يعتبر "صقر الإخوان" ظهر كاشفا عن شراسة غير مسبوقة في تغيير الخط السياسي المهادن لـ"حمس"، وتبني خطاب راديكالي أعاد إلى الأذهان أمجاد الإسلاميين في الجزائر.
الثلاثاء 2018/12/04
عبدالرزاق مقري جزائري مذبذب بين قناع الصقر وريش الحمام

خطوة أولى من نوعها في تاريخ الإسلام السياسي في الجزائر، تجري على يد عبدالرزاق مقري، يستنجد فيها الإسلاميون بالعسكر، على نقيض العلاقة المتوترة بين الطرفين منذ بروز أولى طلائع التيار في ثمانينات القرن الماضي، عبر تمرد حركة مصطفى بويعلي، ثم أزمة العشرية الحمراء.

يوصف بـ”صقر” الإخوان في الجزائر، قياسا بما أحدثه من تحول داخل التيار، الذي تحول من شريك وحليف للسلطة إلى معارض شرس لها، تحت مفعول مغريات الربيع العربي، لكن يبدو أن الرجل ارتدى مؤخرا عباءة مغايرة، تلمح لإمكانية الترويض السياسي، فوحشية الصقر لا تهم إذا كان ملمسه ناعما.

لما هبت رياح الربيع العربي على بعض الأقطار العربية، وقفزت بتيار الإخوان إلى الواجهة في مصر وتونس وليبيا، كان عبدالرزاق مقري يتطلع إلى فرصة مماثلة تدفعه لتسيد المشهد الجزائري، رغم أن الوضع يختلف عن الدول الأخرى، قياسا بتجربة الإسلاميين والعسكر في البلاد.

تبخر الأوهام

كانت أولى خطواته أن دفع بحركة “مجتمع السلم”، أكبر الأحزاب الإخوانية في الجزائر، إلى القفز من قارب السلطة العام 2011، بعد سنوات من الائتلاف والتحالف مع أحزاب السلطة، تحت عباءة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، لاعتقاد ساد المرحلة بأن أيام النظام السياسي في البلاد باتت معدودة، والرياح التي اقتلعت زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر والعقيد معمر القذافي في ليبيا، ستجتاح الجزائر وستقتلع نظام بوتفليقة.

كان الإخوان يستعدون ليكونوا بديلا في قيادة البلاد، وحليفا لموجة سياسية عالمية، كانت تعتقد بأنه بإمكانها التقرب من مشاعر الشارع العربي، وكسب تعاطفه بإزاحة الأنظمة السياسية المتآكلة، وفتح صفحة تعايش جديدة مع تيار الإخوان العالمي وفروعه في المنطقة.

وتحت ذريعة الحصيلة الهشة وشرعية الحركة المتآكلة في الشارع الجزائري، خلال سنوات التعايش مع السلطة منذ منتصف تسعينات القرن الماضي، دفع مقري بالحركة إلى خندق المعارضة، وبنفسه إلى قيادتها، بعد مؤتمر العام 2012 الذي أعاد الصقور إلى القمة وأزاح الحمائم من مواقعهم.

ظهر مقري على رأس صقور إخوان الجزائر، كاشفا عن شراسة غير مسبوقة في تغيير الخط السياسي المهادن لـ”حمس”، وتبني خطاب راديكالي أعاد إلى الأذهان أمجاد الإسلاميين في الجزائر، ودغدغ مشاعر تطرفهم السياسي. وإذ أخفى إخوان الجزائر نواياهم تجاه السلطة في مرحلة ما بعد الربيع العربي، فإن الصقور الجدد لم يتوانوا عن الترحيب بقفز تيار الغنوشي ومرسي إلى الواجهة في تونس ومصر، وفي الاستلهام من التجربة التركية، وبالدور القطري في دعم ما عرف بـ”الثورات العربية”.

استثمار أخطاء السلطة

مقري يظهر انبهاره بشخصية أردوغان وبالتجربة التركية، ولطالما أبدى تعاطفا صريحا مع التقارب ما بين بلاده وبين أنقرة خلال السنوات الأخيرة
مقري يظهر انبهاره بشخصية أردوغان وبالتجربة التركية، ولطالما أبدى تعاطفا صريحا مع التقارب ما بين بلاده وبين أنقرة خلال السنوات الأخيرة

استل مقري سيف القضاء في وجه صحيفة محلية مناوئة للإسلاميين، بعدما اتهمته بـ”نشاط مشبوه وبتلقي أموال دعم”، وانتهى النزاع إلى تسوية ودية بعدما تقطع الطرفان في نقطة معارضة السلطة، وتصاعد مؤشر التكتل الذي ظهر العام 2014.

ولم يتأخر في استثمار أخطاء السلطة وتراكمات الأزمة التي ترتبت عن الولاية الرئاسية الرابعة، لتمرير رسائل الإخوان في إمكانية الاستفادة من المحيط الإقليمي وإفرازات موجة الربيع العربي، حتى ولو كان الخطاب يسوق في إطار تكتل سياسي معارض، حاول الوقوف في وجه ما سمي بـ”الانزلاق السياسي في البلاد”، بعد ترشيح بوتفليقة للرئاسة آنذاك.

أظهر الرجل انبهارا بشخصية عراب الإخوان رجب طيب أردوغان، وبالتجربة التركية في تحقيق القفزة التي أكسبتها موقع ريادة التيار، وأبدى تعاطفا صريحا مع التقارب والانفتاح المسجل بين بلاده وبين أنقرة خلال السنوات الأخيرة، وأبدى دعمه لنشاط أردوغان في استعادة أمجاد السلاطين، واستثمار ثلاثة قرون من الوجود العثماني في الجزائر.

قال في إحدى تدويناته على وسائل التواصل الاجتماعي “لم أكن أرغب في التدخل في الموضوع، ولكن نكاية في الخونة وعملاء الاستعمار والممسوخين حضاريا وثقافيا الذين يعبرون عن حقدهم عن كل ما له علاقة بالإسلام والمسلمين، من خلال التهجم على زيارة أردوغان الجزائر أقول: مرحبا أردوغان، وألف مرحبا أردوغان. يبتهجون بزيارة ماكرون ويرفضون زيارة أردوغان. المسخ بعينه”.

وتترجم مفردات التدوينة حجم الانبهار والتعلق، بين رأس تيار الإخوان في الجزائر وبين القطب المركزي الجديد للإخوان، ودرجة الولاء للمرجعية الأيديولوجية، على حساب تيارات سياسية لا تقاسمه نفس التوجهات، لكنها تيارات جزائرية يفترض أولويتها في حسابات الانتماء والولاء.

لقد عرف مقري كيف يكون طرفا فاعلا في تكتل المعارضة الذي تأسس العام 2014، تحت مسمى “تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي”، كرد فعل على إصرار السلطة حينها على استمرار بوتفليقة في السلطة، وكان أحد أبرز المتبنين للخطاب الراديكالي في التكتل، والمطالبين بالذهاب إلى “فترة انتقالية تدير البلاد مؤقتا إلى غاية إعادة سيادة الشعب على مؤسسات الدولة، عبر انتخابات شفافة ونزيهة تشرف عليها هيئة مستقلة وسيدة، لتحقيق الانتقال الديمقراطي”.

تلاعب سياسي

قدسية مبدأ تغليب المصلحة لدى الإخوان تدفع صقر “حمس” لارتداء عباءة بريش ناعم، تحسبا لممارسة هواية مسك العصا من الوسط
قدسية مبدأ تغليب المصلحة لدى الإخوان تدفع صقر “حمس” لارتداء عباءة بريش ناعم، تحسبا لممارسة هواية مسك العصا من الوسط

إلا أن تقلص حظوظ التغيير المنشود، وصمود السلطة في وجه ضغوط المعارضة، وحتى المعارضة الداخلية من طرف تيار الحمائم في حركة “مجتمع السلم”، وقدسية مبدأ تغليب المصلحة لدى الإخوان، تكون دفعت صقر “حمس” لارتداء عباءة بريش ناعم، تحسبا لممارسة هواية مسك العصا من الوسط، لا هي معارضة ولا هي موالية في لعبة توازنات يفضل الإخوان ألا يكونوا خارجها مهما كانت النتائج.

وكما توقع آنذاك الإعلامي والناشط السياسي سليم صالحي بأن “نهاية التنسيقية ستكون بالإعلان عن موعد الانتخابات التشريعية وبعدها المحلية، لأن التكتل لم يبلور موقفا حاسما تجاه الاستحقاقات المذكورة، وترك الخيار للقوى السياسية والفاعلين الأعضاء، هو تفجير مبكر لتنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي”.

وهو ما تم فعلا لما اختار مقري المشاركة في الانتخابات المذكورة، رغم بوادر التزوير والتلاعب بأصوات الناخبين، وعدم حصول إسلاميي التكتل المعارض على الضمانات التي رفعت من قبل للسلطة لاستحداث هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات.

لكن تيار الإسلام السياسي الذي يهوى ممارسة المعارضة من الداخل، سواء بأصوات وعائه الانتخابي العادي، أو بنتائج الحصص “الكوتا”، التي دأب النظام على توزيعهاعلى القوى السياسية  في مختلف الاستحقاقات، كان يراهن وعلى رأسه عبدالرزاق مقري، على إرساء خط سياسي ثالث، يستند إلى كتلة نيابية مؤثرة وطرح جديد، إلا أن النتائج جاءت عكس التوقعات، ومني الإسلاميون بنكسة غير مسبوقة، تضاربت مواقف وقراءات رموز التيار بشأنها.

أزمة الانفراد بزعامة الإخوان

ولأن أمر الإخوان صار في منعرج خطير، وقد أضحوا لا في المعارضة ولا في السلطة، فإن المؤتمر الأخير أخرج “حمس” من عنق الزجاجة، بعد توصل الصقور والحمائم إلى تسوية كرست مقري في ثوب صقر بريش ناعم، فالخطاب للمعارضة والتودد للسلطة، حيث تم الإبقاء على الرجل على رأس الحركة، مقابل تعديلات في المواقف تجاه الأزمة السياسية الراهنة.

كما يراهن مقري على مرشح إجماع في الانتخابات الرئاسية، دون تجديد لبوتفليقة أو توريث للسلطة، لا يتوانى في تقديم نفسه كبديل في قصر المرادية، رغم أنه يدرك أن حظوظ الإسلاميين في ذلك تقع في خانة المستحيل، ما يؤكد حالة التيه لدى الرجل في ظل المشهد الضبابي الذي يخيم على هرم السلطة.

مقري يتطلع إلى فرصة مماثلة لتلك التي سنحت بعد رياح الربيع العربي، وسببت صعود الإخوان المسلمين في مصر وتونس، لتدفعه لتسيد المشهد الجزائري
مقري يتطلع إلى فرصة مماثلة لتلك التي سنحت بعد رياح الربيع العربي، وسببت صعود الإخوان المسلمين في مصر وتونس، لتدفعه لتسيد المشهد الجزائري

ورغم أنه تشدد في مبادرة التوافق الوطني، على رفض لولاية رئاسية خامسة أو خليفة له من نفس الخط السياسي، إلا أنه لم يتأخر في إرسال إشارات الغزل للمؤسسة العسكرية، من أجل أن تكون داعما لانتقال سياسي في البلاد، ومساهما فعالا في إخراجها من المأزق السياسي الذي تتخبط فيه.

هي الخطوة الأولى من نوعها في تاريخ الإسلام السياسي في الجزائر، التي يستنجد فيها الإسلاميون بالعسكر، عكس العلاقة المتوترة بين الطرفين منذ بروز أولى طلائع التيار في ثمانينات القرن الماضي، عبر تمرد حركة مصطفى بويعلي، ثم أزمة العشرية الحمراء، بين الجيش وبين مسلحي الجبهة الإسلامية للإنقاذ، والأجنحة المسلحة الموالية لها.

فمواقف مقري تعكس تشددا مع محيط الرئيس بوتفليقة وليونة مع العسكر، رغم الرفض الذي تبناه قادة المؤسسة، تحت مسمى احترام الدستور وعدم التورط في التجاذبات السياسية والحزبية.

ورغم الفشل الذي انتهت إليه مبادرة التوافق الوطني التي أطلقها مقري من أجل الوصول إلى انتقال سياسي في البلاد، عبر البحث عن إجماع حول رجل جديد في هرم السلطة، خلفا لبوتفليقة ولمحيطه، فإن مقري أبدى ليونة تجاه إثراء وتعديل المبادرة بأي شكل، شريطة أن يبقي الإخوان قريبين من مصدر القرار أو يساهموا في صناعته.

أخيرا يعد مقري من الرعيل الأول المؤسس لحركة “حمس”، ومن الفاعلين في ميلاد الفرع الجزائري أيام الراحل محفوظ نحناح، الذي شارك السلطة مشاريعها ومحطاتها المهمة خاصة خلال العشرية الحمراء، من أجل تفادي الصدام وتلقي مصير إسلاميي “جبهة الإنقاذ”.

لكن الوافد الجديد الذي قاد منذ العام 2012 خطا انقلابيا أبيض انتهى معه عهد التحالف مع السلطة. يبدو أنه يحاول أن يصعد أكثر، ويصعد معه تيار ثالث يجمع ما بين التشدد والتودد.

13