عبدالعزيز التويجري: العولمة لا تناقض قيم الدين الإسلامي

أكّد عبدالعزيز التويجري، المدير العام لمنظمة التربية والعلوم والثقافة، -إيسيسكو- أن تطوير النظرة إلى الإسلام وتعميق المفهوم المعتدل عند المسلمين باتا ضرورة ملحة لمواجهة ظاهرة الإسلاموفوبيا، مشيرا في حوار مع “العرب” إلى أن العمل في هذا السياق يجب أن يبدأ من داخل المجتمعات الإسلامية نفسها عبر التعليم الجيّد القائم على الحقائق والمعلومات الصحيحة والرؤى السوية المستقيمة والمفاهيم الصحيحة السليمة.
الجمعة 2016/02/05
الإسلاموفوبيا تواجه بالإصلاح في الداخل والحوار مع الآخر

الرباط - دخلت المؤسسات والمنظّمات التي تعنى بالشؤون الإسلامية والحوار بين الحضارات، منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، في امتحان صعب لأجل تصحيح ما علق بالإسلام والحضارة الإسلامية من نمطية غذّتها آلة إعلامية غربية لها أجنداتها، وعلى رأس هذه المنظّمات تأتي المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، إيسيسكو، التي كان لـ”العرب” لقاء مع مديرها العام الدكتور عبدالعزيز بن عثمان التويجري.

من مصوغات القرار المنشئ لهذه المنظمة الحفاظ على استمرارية وجود العالم الإسلامي بكل مقوماته أمام كل ما ومن يحاول تقويض أركانه وتذويب مكوناته، على هذا الأساس وبعد مرور أكثر من عشرين عاما من العمل المتواصل، باتت تطرح عدة أسئلة من مقبيل هل مازالت الإيسيسكو تستشعر هذا التهديد المتواصل من داخل الــــجسم الإسلامي وخارجه؟ وهل يمكن القول إن وجودها لايزال ضروريا؟ وكيف يمكن تعميق وترسيخ وجود هذه المنظّمة لتكون ذات فاعلية أكبر؟

في هذا السياق، أكّد المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، في حواره مع “العرب” أن الإيسيسكو حققت مكاسب كثيرة وأحرزت نجاحات متعددة أثمرت إنجازات ذات أهمية بالغة في مجال اختصاصاتها، ترفع من قيمتها، وتعزز حضورها في ساحات العمل الإسلامي المشترك.

تأسّست في 3 مايو سنة 1982، وذلك في المؤتمر التأسيسي الذي عقد في فاس العاصمة العلمية للمملكة المغربية دولة المقر. وتعمل المنظمة على الإسهام في النهوض بالعالم الإسلامي تربويا وعلميا وثقافيا، ودعم التنمية الشاملة المستدامة في هذه المجالات الحيوية، وفي ذلك حماية للمقومات الذاتية للأمة الإسلامية وتحصينها، وصون للخصوصيات الثقافية والحضارية للعالم الإسلامي، وتقوية للهوية الإسلامية وترسيخ لها، وإسهام في بناء المستقبل المزدهر على قواعد صحيحة، لاستئناف دورة حضارية إسلامية جديدة، تنفتح على آفاق العصر، وتتفاعل مع الحضارات الإنسانية المعاصرة.
وتهتم الإيسيسكو بالحوار والتفاعل مع الثقافات الأخرى، وتنفتح على المحيط العالمي من خلال علاقات التعاون التي تربطها بالعشرات من المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية. وأشار عبدالعزيز التويجري إلى أن العالم يمر اليوم بفترة خطيرة تتطلب إدراك حجم التحديات التي تحفل بها، والوعي الرشيد بالتحوّلات العميقة التي يشهدها العالم، والتي تفرض على الأسرة الدولية، المبادرة إلى ترسيخ أسس الحوار بين الثقافات والتحالف بين الحضارات، من أجل تعزيز الأمن والسلم الدوليين، ولبناء نظام عالمي إنساني جديد، يقوم على قواعد القانون الدولي، واحترام الشرعية الدولية، وحماية حقوق الإنسان.

وأكّد أن تعزيز الحقوق الثقافية لا يتعارض مع الانفتاح على آفاق الفكر الإنساني، ولا مع الاندماج في تيارات التطور الثقافي والعلمي والتقدم الحضاري الإنساني في جميع مجالاته. بل على العكس من ذلك، فنحن في الإيسيسكو نرى أن في الحفاظ على الخصوصيات الثقافية والحضارية ما يعزز الحوار بين أتباع الأديان والثقافات والحضارات، ويخدم الأهداف الإنسانية، ويساهم في حفظ الأمن والسلم الدولـــــيين. وبخلاف ما يراه بعضهم، فإن الانخراط في سياقات العولمة لا يتعارض مع تعزيز الحقوق الثقافية في العالم الإسلامي، بأي حال من الأحوال، بل في ذلك تقوية للذاتية وحصانة للهوية وحماية للمصالح العليا للعالم الإسلامي.

الانخراط في سياقات العولمة لا يتعارض مع تعزيز الحقوق الثقافية في العالم الإسلامي بل في ذلك تقوية للهوية الإسلامية

وأضاف، خلال إجابته على سؤال حول العولمة وتأثيرها على الحقوق الثقافية للشعوب الإسلامية، أن لا خطورة على الحقوق الثقافية للشعوب الإسلامية إذا ما سعت بالطرق العلمية، من أجل تعزيزها وتحصين ذاتيتها للارتقاء بها لجعلها حوافز لها على التقدم في مضمار العلم والمعرفة، وإنما الخطورة تأتي من الضعف والتردد والتخاذل والتراجع عن مسايرة المتغيرات التي يعرفها العالم في ميادين العلم والفكر والثقافة والإبداع والمعرفة في حقولها المتعددة، مع العزوف عن القيام بالإصلاحات الشاملة في المجتمعات الإسلامية.

تصحيح المفاهيم

في ظلّ الأوضاع الدولية الراهنة والتحديات الخطيرة والمتنوعة التي استحدثها توالد جماعات متطرفة تتمسح بالإسلام وتلصق به كل أنواع العنف والتعصب والتقتيل، شدّد المدير العام للإيسيسكو على ضرورة نشر ثقافة الوسطية والاعتدال وإشاعة قيم الحوار والتسامح. وتعمل المنظمة على مستويات عديدة لتوضيح الحقائق عن الدين الحنيف وشريعته السمحة وثقافته البانية للعقل والوجدان.

وأضاف التويجري أن تضافر الجهود على مختلف المستويات لمحاربة الإرهاب بجميع أشكاله وفي مختلف مصادره سيتعزز ويتدعم بتطوير مناهج التعليم وتنقيتها من الأفكار والرؤى والتوجهات التي تـَتـَجَافَى والحقائق الدينية، والتي هي أقـرب إلى الخرافات والأباطيل منها إلى المعتقدات الصحيحة والثوابت الدينية الراسخة.

والعملية الإصلاحية واسعة النطاق، ومتعددة المجالات، والتي تشمل تصحيح المفاهيم على نطاق واسع، كما تتناول تقويم الاختلالات في المنظومات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أيضا، هي الوسيلة الأكثر نفعا والأعمق تأثيرا، للقضاء على الرواسب المستحكمة الناتجة عن العمليات الإرهابية التي تهـز استقرار المجتمعات الإنساية وتتهدد الأمن والسلم الدوليين.

استطلاع: نصف الأميركيين لا يثقون في المسلمين
نيويورك – ذكر مركز بيو لاستطلاعات الرأي، أن قرابة نصف الشعب الأميركي، يرى أن “قسما من المسلمين في الولايات المتحدة” يكن العداء للدولة ولا يمكن الوثوق به.

وأجرت الشركة في الفترة بين 7 و14 يناير الماضي، استطلاعا للرأي عن الإسلاموفوبيا مع أكثر من ألفي شخص، طرحت فيه سؤالا مفاده “كم من مسلمي أميركا يحملون فكرة العداء للدولة برأيك؟”، وتضمنت الإجابات خيارات من قبيل “قسم على الأقل”، و”عدد قليل جدا/لاشيء”، و”تقريبا الكل/الأغلبية”، و”النصف”، و”البعض”.

وأظهرت نتائج الاستطلاع أن 49 بالمئة من المستطلعين، يرون أن “قسما من المسلمين على الأقل” يعادي البلاد، واختار 11 بالمئة إجابة “الكل تقريبا/الأغلبية”، فيما رأى 14 بالمئة منهم أن “نصف المسلمين” يكن العداء، و24 بالمئة اختاروا جواب “البعض منهم”.

وحول أسباب الإسلاموفوبيا، وهل للمسلمين دور في تعميق هذا الموقف الهجومي الغربي على الإسلام، أجاب مدير عام الإيسيسكو موضّحا أن العداء للإسلام ظاهرة خطيرة سائدة في البلدان الغربية.

وهذه الظاهرة هي من إفرازات سوء الفهم وقلة المعلومات الرائجة عن الدين الحنيف، إضافة إلى الرواسب التاريخية وتراكم المعرفة المنحرفة التي تسود وتهيمن على دوائر كثيرة وأوساط مختلفة، منها حتى تلك التي لها الطابع العلمي والثقافي والأكاديمي، بل يمكن أن نقول إن هذه الأوساط الموصوفة، هي، وفي معظم الأحيان، التي تقف وراء إشاعة الشبهات وترويج المغالطات ونشر الأباطيل والافتراءات والأكاذيب والصور النمطية المشوهة عن الحضارة الإسلامية.

ولابد من الاعتراف، في هذا السياق، بأن بعض الممارسات التي تقوم بها فئة من المتطرفين في بعض دول العالم الإسلامي، تلحق الضرر بالمسلمين، وتسيء إلى الإسلام. فالجماعات الإرهابية التي تستغل الدين لتحقيق أغراضها تعطي لخصوم الإسلام من الكارهين له والمتربصين به الحجج لشن حملاتهم العدائية ضد الإسلام.

وأوضح التويجري أن بعضا مما يجري على الساحة الإسلامية من أعمال إرهابية منبوذة، وما يروج من أفكار متشددة مرفوضة، ومن مفاهيم منحرفة ممقوتة، وما يُمارس في بعض البلدان من ألوان الاستبداد وقمع للحريات وانتهاك لحقوق الإنسان، يوفر الأسباب المباشرة لفئات من المجتمع الغربي لكراهية الإسلام وتـأليب الرأي العام ضد المسلمين دون تمييـز.

وأكّد التويجري أن تطوير النظرة المعتدلة إلى الإسلام وتعميق المفهوم المعتدل عند المسلمين ضرورة ملحة، ويدخل هذا الأمر ضمن الاهتمامات التي تنشغل بها الإيسيسكو، انطلاقا من الرؤية الشمولية التي تربط بين جودة التعليم وبين سلامة التوجيه وفعالية التربية، باعتبار أن هذه العناصر هي من أسس التنمية الشاملة المستدامة.

الأقليات المسلمة

تحدّث المدير العام للإيسيسكو عن اهتمام المنظّمة بقضايا الأقليات المسلمة التي تتعرض للاضطهاد والتهميش المستمر لاجتثاثها من مناطقها، على غرار ما يجري في الفلبين وبورما وكشمير وغيرها، مشيرا إلى أن للإيسيسكو برامج للعناية بالأقليات والجاليات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم. فهذه المجتمعات الإسلامية هي جزء لا يتجزأ من الأمة الإسلامية، وهي المجال الحيويّ الأرحب للعالم الإسلامي.

تضافر الجهود لمحاربة الإرهاب سيتعزز بتطوير مناهج التعليم وتنقيتها من الأفكار والرؤى والتوجهات التي تـَتـَجَافَى والحقائق الدينية
ويوجد ضمن أجهزة الإيسيسكو المجلس الأعلى للتربية والثقافة خارج العالم الإسلامي، الذي تأسس سنة 2001، والذي يعمل في إطار استراتيجية العمل الثقافي الإسلامي خارج العالم الإسلامي، التي اعتمدها مؤتمر القمة الإسلامي التاسع المنعقد في الدوحة سنة 2000.

وفي هذا الإطار تعقد الإيسيسكو اجتماعات سنوية لهذا المجلس الأعلى، واجتماعات سنوية أخرى لرؤساء المراكز الثقافية والجمعيات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم. ومن خلال هذه الاجتماعات تدرس الإيسيسكو احتياجات المجتمعات الإسلامية في دوائر اختصاصاتها، وتناقش القضايا التي تهم المجتمعات الإسلامية في تلك المناطق، وتقدم الحلول للمشكلات التربوية والثقافية المطروحة. وبذلك تكون المنظمة في صميم الانشغالات التي تستأثر باهتمام المسلمين حيثما كانوا.

وتطرّق الحديث مع عبدالعزيز التويجري، في نهايته، إلى تعرض الآثار التي تزخر بها المناطق الإسلامية للتدمير والنهب المتواصل، حيث أشار إلى أن الإيسيسكو تعنى بالحفاظ على التراث الحضاري والثقافي في مجموع دول العالم الإسلامي.

وقد أنشأت المنظمة “لجنة التراث في العالم الإسلامي” بموجب قرار للمؤتمر الإسلامي الخامس لوزراء الثقافة المنعقد في طرابلس سنة 2007.

وتعمل هذه اللجنة في إطار تنسيق الجهود مع لجنة التراث العالمي. وفي نطاق اهتماماتها بالحفاظ على التراث الإسلامي ممثلا في الآثار التاريخية الشاهدة على عظمة تاريخنا الحافل بالأمجاد، أنشأت المنظمة “لجنة الإيسيسكو للخبراء الآثاريين” بموجب قرار لمؤتمر القمة الإسلامي العاشر المنعقد في ماليزيا سنة 2003. ففي هذا الإطار تواصل المنظمة تنفيذ الأنشطة التي تعنى بالحفاظ على التراث الإسلامي وحمايته وتوثيقه.

12