عبدالعزيز الثعالبي زعيم مدني دافع عن روح القرآن

الأحد 2014/03/09
الثعالبي مفكّر مرموق نجح في بلورة أطروحات جريئة وصائبة عن الواقع السياسي

الأمر الذي لا يمكن أن يغيب عن بال أحد من الذين اهتمّوا بمسيرته من بدايتها وحتى نهايتها هو أن الشيخ عبدالعزيز الثعالبي تميّز بخصال كثيرة ندَرَ وجودها عند رجالات عصره من التونسيّين بالخصوص. من هذه الخصال هو أنه كان زعيما سياسيّا فذّا، ومفكّرا مرموقا نجح في بلورة أطروحات جريئة ، ومهمّة، وصائبة عن الواقع السياسي والثقافي، وفيها دافع بقوة وحزم عن قيم الحداثة والإصلاح. كما أنه كان رحّالة جاب بلاد الشرق والغرب باحثا عن خلاص لأمة العرب والمسلمين، ومسائلا التاريخ، ومتعرّفا على شخصيّات بارزة، سياسيّة وفكريّة، ومشاركا بارزا في سجالات ساخنة تتصل بقضايا هامة ومختلفة. وخلال تلك الرحلات التي كانت تمتدّ إلى سنوات طويلة، لم ينس الشيخ الثعالبي وطنه تونس، بل كان دائم الحضور في كلّ ما يقول، وما يكتب، وما يفعل.

ولعلّه كان صادقا عندما قال للصحافي المصري محمد صبيح وهو يتأهب للعودة إلى تونس بعد رحلته الأخيرة التي دامت 14 عاما: “لم أسئ لمخلوق قط، إلاّ زوجتي فقد اقترنت بها منذ ثلاثة وعشرين عاما، ولم أمكث معها غير سنوات خمس، أمّا ما تبقّى فقد قضيته في المنفى والسجن. وحتى السنوات الخمس لم أكن خالصا، فإن الحركة الوطنيّة التي أشتغل بها في تونس كانت شغلي الشاغل، لقد غادرتها رجلا في مطلع قوّته، وها أنا أعود إليها وقد اشتعل رأسي شيبا. ومع هذا لن أكون لها وحدها، ولكني سأكون كعهدي القديم لبلادي وعقيدتي”.

ينتسب الشيخ عبدالعزيز الثعالبي الذي ولد بتونس العاصمة عام 1874 إلى عائلة من أصل جزائري قدمت إلى تونس في أواخر القرن الثامن عشر، وتحديدا عام 1785، وبعد أن أحرز على شهادة التطويع من جامع الزيتونة وهو دون سنّ العشرين، انخرط في النضال الوطني مناصرا لزعمائه الكبار من أمثال البشير صفر مؤسّس “الخلدونيّة” التي احتضنت النخبة المدافعة عن الحداثة والتقدم، وعلي باش حامبة الذي تزعّم حركة “الشباب التونسي”، والشيخ سالم بوحاجب الذي كان من أنصار حركة خير الدين باشا الإصلاحيّة. وقد دأب الشيخ عبدالعزيز الثعالبي في تلك الفترة المبكّرة من حياته على نشر مقالات في الصحف مثل “الصواب”، و”الزهرة”، و”الحاضرة”، و”المنار”، كما أنه أصدر جريدة “سبل الرشاد “، وفيها دافع عن وحدة الشعوب الإسلاميّة، مسخّرا قلمه لـ”خدمة الملّة الإسلاميّة عموما والجامعة التونسيّة خصوصا”، كما لم يتردّد في انتقاد الشيوخ المتزمتين المناهضين للتحديث والإصلاح، والمتعلقين في مجمل فتاواهم بـ”القشور والتفاهات” بحسب تعبيره.

عندما توفيّ صديقه عبدالرحمن الكواكبي مسموماً، حزن الثعالبي حزنا شديدا على فراقه، وقال إن صرحا من صروح النهضة العربية انهار، وسيكون من الصعب تعويضه وملء الفراغ الهائل الذي تركه


مع زغلول والكواكبي


نشر الثعالبي العديد من المقالات في الصّحف المصريّة حول مستقبل العالم الإسلامي. ولتعميق ثقافته، حرص على حضور العديد من دروس جامع الأزهر وخاصة تلك التي كان يلقيها الشيخ محمد عبده، والشيخ سليم البشري مؤلف “شرح نهج البلاغة”. كما أنه التقى بزعماء سياسيّين من أمثال سعد زغلول مؤسس حزب الوفد الذي سيقود النضال ضدّ الاستعمار البريطاني، وعندما توفيّ صديقه الحميم عبدالرحمن الكواكبي عام 1902، حزن الثعالبي حزنا شديدا على فراقه، وشعر أن صرحا من صروح النهضة العربية انهار، وسوف يكون من الصعب تعويضه وملء الفراغ الهائل الذي تركه. وربما لهذا السبب قرّر العودة الى تونس وهو “غريب الشكل والنزعة والمنطق والقلم” بحسب الشيخ الفاضل بن عاشور. وفي حلقات النخبة التونسيّة، شرع يدافع بحماس عن أفكار جمالالدين الأفغاني، ومحمد عبده، داعيا إلى تبني قيم التطور والتقدم، ونبذ كلّ ما يمتّ بصلة للتحجر والتزمّت.


روح القرآن


ويمكن القول إن كتاب “روح التحرّر في القرآن” الذي أثار ضجّة كبيرة كان ثمرة تأثر الشيخ عبدالعزيز الثعالبي بالأفكار الاشتراكية، وقبل أن يصدره، دأب في جلساته إثر عودته من المغرب، والتي كانت تنعقد في مقهى “التّوتة” بحيّ “الحلفاوين” بقلب العاصمة على التركيز في أحاديثه على “أسباب تخلّف المسلمين عن ركب الحضارة”. وكان يرجع ذلك إلى ما سمّاه بـ”جذور ذاتيّة في دينهم”، منتقدا ظواهر التزمّت السائدة لدى شيوخ جامع الزيتونة.

كان البغداديون يكبرون الثعالبي، ويقفون له قياما، ويفسحون له الطريق عندما يخرج من داره فيلمحون طربوشه القصير ذا اللون الأحمر القاني الذي وضع كيفما اتفق على رأس ضخم

وسرعان ما راجت في الأوساط الدينيّة شائعات تقول بأن الشيخ الثعالبي ينشر أفكارا وآراء منافية لمبادئ الإسلام. وعندئذ وجد أعداؤه الفرصة لشنّ هجومات عنيفة عليه، واتهامه بالكفر والإلحاد، مطالبين بمحاكمته. وفعلا تمّت تلك المحاكمة في الثامن والعشرين من شهر حزيران- يونيو 1904. ويروي الشيخ الثعالبي وقائعها على النحو التالي: “كان الغد موعد محاكمتي. وأنّ العادة جرت أن يؤخذ المسجونون من السّجن إلى دار المحكمة في عربة خاصّة أعدّت لهذه الغاية، فإنهم أخذوني سيْرا على الأقدام، فمشى إلى جانبي مأمور الضبط (كوميسار سنترال) يحيط به خمسة وعشرون شرطيّا شاهرين السّلاح. وكان هناك عدد كبير من أهل البلاد تجمّعوا على طول الطريق يرفعون علما أبيض ويقولون: “اقتلوا الثعالبي الكافر!”. وكان آخرون يأتون بحركات تدلّ على الاستنكار والاستهجان لا من العمل الذي يُعمل معي، بل استنكارا لعملي. فقال لي المأمور: ألا ترى ماذا يفعل الشعب! فقلت إنّ هذا لا يهمني… فسواء عندي تظاهر الشعب لي أو معي. على أني واثق بأن هذا الشعب يتظاهر لي متى عرف الحقيقة!”. وأمام هيئة المحكمة، دافع الشيخ عن أفكاره الإصلاحيّة بجرأة أدهشت القضاة والمستمعين إليه، معتبرا محاكمته مجرّد “تصفية حساب قديم لدعاة التقليد من شيوخ جامع الزيتونة”. وفي النهاية حكمت عليه المحكمة في جلستها المنعقدة في الثالث والعشرين من شهر يوليو- تموز 1904 بشهرين سجنا.
لم يتردد الثعالبي في انتقاد الشيوخ المتزمتين المناهضين للتحديث والإصلاح، والمتعلقين في مجمل فتاواهم بـ'القشور والتفاهات'


مدّ الجسور مع الغرب


طالب الشيخ عبدالعزيز الثعالبي بضرورة مدّ الجسور الثقافية والحضاريّة مع أوروبا، ومحاربة الأفكار التي تدعو إلى تجريم وتحريم ربط العلاقات مع “النصارى” باعتبارهم “كفّارا”، داعيا العرب إلى الاستفادة من الإنجازات الهائلة التي حققتها أوروبا في المجال الصناعي، والسياسي، والفكري وغير ذلك. وفي الفصل الذي حمل عنوان: “التسامح في الإسلام”، كتب الشيخ الثعالبي يقول: “فالقرآن يوصي بالتسامح إلى أقصى حدّ ممكن في الأمور الدينيّة، كما يوصي بحرية الفكر، واحترام جميع الآراء، ويستنكر أيّ اعتداء على المعتقدات، سواء منها الفرديّة أو الجماعيّة، وعلى الناس أن يهتدوا عن طرق الإقناع الذاتي فلا يجوز أن تُفْرَضَ عليهم الآراء، ولكن الذي ينبغي أن يؤدّه اقتناعهم هو حريّة الاختيار والمقارنة بين الحق والباطل حسبما يمليه عليهم التأمل وإعمال العقل” . وفي كتابه المذكور، هاجم الشيخ الثعالبي الشيوخ المروّجين للبدع، وللأفكار التي “تشّوه طبائع المسلمين، وتوهّن عزائمهم، وتشلّ إرادتهم، وتفقدهم روح المبادرة، وتعطّل الحياة الحضاريّة بواسطة نشر الأوهام والجهل والتعصّب”.


من بغداد يواصل الثعالبي


وبعد رحلة طويلة زار خلالها الهند، ودبي، وعُمان، والبحرين، والكويت، وصل الشيخ عبدالعزيز الثعالبي إلى بغداد في صيف عام 1925 بدعوة من صديقه القديم فهمي المدرّس الذي كان قد تعرف عليه في الأستانة. وحال وصوله، استقبل من قبل الملك فيصل الأوّل ابن الشريف حُسين. وبعدها عيّن أستاذا بجامعة “آل البيت” التي كان الأستاذ فهمي المدرّس عميدها. وعلى مدى السنة الدراسيّة الممتدة بين عامي 1925 و1926، درّس الشيخ الثعالبي حكمة التشريع والفلسفة الإسلاميّة وتاريخ الأديان. وبسبب غزارة علمه، وفصاحة لسانه، وقوّة شخصيّته، حاز على تقدير وإعجاب النخبة العراقيّة. وكان يحضر مجالسه الخاصّة في بيته الكائن بالقرب من مسجد الشيخ عبدالقادر الجيلاني، رجال الأدب والفكر والسياسة من العراقيين ومن العرب الوافدين إلى بغداد مثل الأديب المصري حسن الزيّات صاحب مجلّة “الرسالة”، وكان يحلو له الحديث عن الشعر والشعراء مع جميل صدقي الزهاوي، ومع معروف الرصافي الذي كان قد تعرف عليه في الأستانة، وفي بعض الليالي، حين يخفّ الحرّ، كان الشيخ الثعالبي يخرج للتفسّح على ضفاف دجلة مستمتعا بمجالس الأنس والطرب التي كانت تنتظم هناك، وتحضرها حسناوات بغداد من اليهوديّات بالخصوص.

طالب الثعالبي بضرورة مدّ الجسور الثقافية والحضاريّة مع أوروبا، ومحاربة الأفكار التي تدعو إلى تجريم وتحريم ربط العلاقات مع 'النصارى' باعتبارهم 'كفارا'

وواصفا إيّاه خلال إقامته في العاصمة العراقيّة، كتب الأستاذ محمود العبطة الحسامي يقول: “كان البغداديّون يُكْبرونه، ويقفون له قياما، ويفسحون له الطريق عندما يخرج من داره فيلمحون طربوشه القصير ذا اللون الأحمر القاني الذي وضع كيفما اتّفق على رأس ضخم، وتتحوّل الأنظار رأسا إلى وجهه العريض الواسع بقسماته المنسجمة بعينين وديعتين يتطاير منهما كهرباء الذكاء”.

بعد رحلته الطويلة، قرّر الشيخ الثعالبي العودة إلى تونس. وكان ذلك في شهر يونيو- حزيران 1937. وفي الباخرة التي أقلته من مرسيليا إلى ميناء حلق الوادي رافقه المناضل الشاب صالح بن يوسف والعديد من المناضلين الوطنيين. وفي تونس، انتظم حفل كبير احتفاء بعودته. وكان المنشقّون عن الحزب الحرّ الدستوري، والذين أسّسوا في ربيع عام 1934 حزبا جديدا أطلقوا عليه اسم : “الحزب الحر الدستوري الجديد” في مقدمة المحتفين به.

وساعيا لشرح أفكاره السياسية، وخطته النضاليّة، قام الشيخ الثعالبي بزيارات إلى العديد من المدن غير أن أنصار الحزب الجديد قذفوه بالطماطم وبالحجارة، وأفسدوا اجتماعاته، وفي بلدة ماطر بالشمال التونسي، هاجمه مسلحون، وأطلقوا عليه الرصاص فأصابوه بجروح، أما سائقه الخاص فقد قتل على عين المكان في خريف العام 1937.

9