عبدالعزيز الخويطر مصنع وزراء السعودية

الأحد 2014/06/08
عبدالعزيز الخويطر عنوان كبير في طرقات مجلس الوزراء

هو ثاني الوزراء السعوديين الأكثر مكوثا في مجلس الوزراء، بعد ولي العهد وزير الدفاع والطيران الراحل الأمير سلطان الذي لم يغب عن مجلس الوزراء منذ العام 1953 حتى وفاته، لكن هذا الوزير هو الوحيد من خارج الأسرة الحاكمة في السعودية الأكثر معاصرة في المجلس لأربعة من ملوك المملكة (فيصل، وخالد، وفهد، وعبدالله).

أربعون عاما من عمره، قضاها في مناصب وزارية، بين الصحة، والمعارف، والتعليم العالي التي أضيفت له لثلاثة أعوام، وأكمل بعدها لأكثر من ستة عشر عاما وزيرا للدولة، وعضوا في مجلس الوزراء، ووزيرا فوق العادة لكل رؤساء المجلس، بل وكان المستشار الأبرز للحكومة السعودية في اختيار وزراء الدولة.

صاحب المعالي، لم ينل ذاك اللقب لوجوده في الدائرة الوزارية فحسب؛ بل لأنه العالي كذلك لغة وأدبا، فهو عاشق اللغة العربية، وحامل قلمه للدفاع عنها، وعن وطنه، ليس بطريقة الجدل الذي يعشقه غالب الكتاب، بل برسائل وجدانية تحمل الكثير من المقارنات عن سابق الواقع، واستشراف المستقبل.

كان في قلبه أمل، وفي عقله آمال، رغم كل الآلام، شعلة النور والعلم جعلته القائد في مراحل عديدة لمفاصل التعليم، بين العام والعالي، وقاوم مع مجموعة العلم الأولى والقوية في جامعة الملك سعود من مديرها ناصر المنقور إلى رضا عبيد، وعبدالله النعيم، كل المتاعب والهجمات التي كانت تُرمى على إدارة الجامعة وطلبتها.


رجل الدولة


عبدالعزيز الخويطر، وزير وزراء السعودية، عنوان كبير في طرقات مجلس الوزراء، لا يراه السعوديون إلا كل اثنين، موعد جلسات المجلس الذي يرأسه غالبا العاهل السعودي، وكعادة الأكثر صمتا فهم الأكثر حضورا وإنجازا ونيلا للثقة، شاب واشتعل شيبا وهو في أروقة الحكومة، شاهد على صناعة سعودية لدولة قوية في العالم اقتصادا وسياسة.

كلماته كروعة مؤلفاته وأحاديثه تتجسد بأشخاص تسير على الأرض، لما لها من نكهة بليغة لا تعرف إلا الصدق، والحياة الإنسانية، المقرونة بالعمل، كان نقطة الفصل داخل كيان مجلس الوزراء، خبرته تحتم على القرار أن يدور، حتى يجد معشوقه الذي يرسم له نقطة الختام، بحلول الوسط، كما هو رجل الوسط الذي يترفع عن الخوض في ما لا يفيد.

يعتبره خبراء الإدارة والسياسة في المملكة، أنه ورفيقه الوزير الأديب الدبلوماسي الراحل غازي القصيبي، هما من أبرز مؤسسي مدرسة الإدارة لما لهما من فضائل ومبادرات وصبر كبير في تعزيز مفهوم العمل والمثابرة في الوزارات والمناصب التي رأساها، لكن ما يميز الوزير الخويطر اهتمامه بالتعليم بشكل كبير واتضح أثره خلال توزيره في المعارف والتعليم العالي، وإبان فترته الرئاسية الأولى الأكبر في مسيرته مديرا لجامعة الملك سعود إبان عهد من تسمت باسمه الجامعة.

في زمن المسؤولين الطامعين بالمناصب، يفتقد رجال الدولة، الذين تعاملوا مع المسؤولية كحرفة رفيعة وفن راق، ومنهم كان عبدالعزيز الخويطر

حافظ للسر، قليل الحضور الإعلامي، تشكلت له هيبته، حتى لا يكاد يُرى، رغم حمله لملفات عديدة خاصة على مستوى السياسة الخارجية السعودية، فهو ابن الخليج الذي لا يطرب إلا بمد مياه الأخوة على عموم أراضيها، فأصبح معروفا لدى قادة تلك الدول، حاملا لرسائل شفهية من ملوك السعودية، فهم يعدونه ثروتهم التي لا تزال ذهبا وعطاء بقيراط وطني أصيل مؤتمن.

من أراد أن يعرف الكثير عنه، فيلجأ غالبا إلى نفحاته الأدبية، حيث لا يظهر اسمه إلا هناك أو في نشرات الأخبار، ولعل حضوره الأبرز الذي تشكل لدى الجيل الحالي، كان مرئيا ومقروءا، في مسلسل “زمن المجد” الذي بثه التلفزيون السعودي تزامنا مع احتفال المملكة بمرور مئة عام على توحيدها 1999 وهو من قصص كتابه السحابي المملوء بزخات العطاء “أي بني” المبهر حضورا وسلاسة أدبية كانت تردد حينها.

له كتابه الكبير “وسم على أديم الزمن” كتب فيه سيرته ومراحل معيشته ودراسته من القاهرة المنارة، ثم بريطانيا الحضارة، وعودته بعدها إلى بلاده، حيث اشتعل واشتغل بكل صنوف العمل والإدارة، وأكرمه حيا العاهل السعودي الملك عبدالله ليكون شخصية العام الثقافية العام 2009 في مهرجان الجنادرية، التي تعد بمثابة جائزة الدولة التقديرية للأدباء والمثقفين في ظل غياب جائزة الدولة التقديرية للأدب.

لا يروي عبدالعزيز الخويطر، للعطشان ملحا، بل يعطيه ما يطلب، يرويه ليكون سعيدا، حافظا تلك الفضائل الإنسانية كسرّ غيابه وغموضه طوال الخمسين عاما عن المشهد الإعلامي، فأصبح معروفا كرجل أبيض في زمن أخضر، يحمل همّ وطنه، سائرا في دروب مختلفة ممسكا بشعلة يريد لأجيال لاحقة حملها لتكون نبراسا لمستقبلهم.

قال عن فضائله، رفيقه في مراحل من مجلس الوزراء، وزير الإعلام الأسبق الراحل في العام 2010، الدكتور محمد عبده يماني: ” عبد العزيز الخويطر.. الدكتور.. الإنسان.. والرجل الذي تشعر بأنه قريب منك.. ولكنه يتسامى بأخلاقه وفضله، وهو رجل شهد له الناس بالنزاهة والأمانة والفضل، ونظافة اليد، وطهارة القلب واللسان، وما كانوا ليُجمعوا على باطل لأنه من الرجال الذين أعانهم الله على الصدق والأمانة وتطهير الرزق".

ما كان يميز الخويطر اهتمامه بالتعليم بشكل كبير واتضح أثره خلال توزيره في المعارف والتعليم العالي، وإبان فترته الرئاسية الأولى الأكبر في مسيرته مديرا لجامعة الملك سعود إبان عهد من تسمت باسمه الجامعة

ويضيف صديقه يماني، “ولي حادثة عجيبة معه، فقد زرته يوما في المنزل، وحدثني عن رؤية رآها في المنام وتكررت، وهي أن ثعبانا يحاصر جزءا من مكتبته في الرفوف العليا، فقلت له يومها، لا بد من الاحتراس، فقد تكون رؤيا حقيقية، أي رؤيا قد جعلها الله حقا، ويريد أن يحذرك الله من وجود هذا الثعبان هناك، فأحضر من يفهم في الثعابين. وأخيرا أحضر سلّما، وصعد للمكان في تهيب، ولاحظ أن في ذلك المكان كتابين من الكتب التي سبق أن استعارها من جامعة الرياض عندما كان يعمل في الجامعة، ونسي ولم يردهما، فقام بإخراج الكتابين وأرجعهما إلى الجامعة”، وهذا ما يفسر سر تعيينه رئيسا لديوان المراقبة العامة، المعني بمراقبة مشاريع صرف ومتابعة مشاريع الدولة.


مع الملك خالد


كان الخويطر مرافقا بارزا للملك خالد في بريّات النقاهة الممزوجة بأحاديث العمل، كان ثلاثي العمل الأكثر بروزا حينها، وزراء من معدن الخويطر، الدكتور محمد عبده يماني، والدكتور سليمان السليم، والدكتور غازي القصيبي، ولهم من الطرافة الكاملة ما يوازي إنجازاتهم وحبهم لوطنهم وعملهم، وللأخير قصيدة بريّة صاغها اعتذارا للملك خالد (أبو بندر) الذي يحبه جيل السعوديين الكبير، وتطرق فيها بالشعر رواية عن حكايتهم مع الصيد آنذاك:

أبا بندر لسنا على الصيد نقـــدرُ

وفينا يماني وفينا خويطـــرُ

فأما اليماني فهــو بالصيد مولـع

ومازال منذ الصبح وهو يصقـر

وأما أخوه ابــن الخويطر

فانثنـى بدربيله لكنه ليس يبصــــر

وأما سليمــان السليم فإنــــه

يفرّ إذا ما الطير لاح ويذعــر

وأما أنــا فالله يعلم أننـــــي

غشيم وفن الصيد فن يحيـّـر.

واليوم، سجل مجلس الوزراء السعودي لأول مرة غياب اسم الدكتور عبدالعزيز الخويطر، لأول مرة منذ أربعين عاما، بعد أن أدى مهماته، لم يكلّ فيها ولم يملّ، وكان الأبرز كوزير دولة لشؤون المجلس، طوى المجلس صفحته المذهبة، والمكتوبة بحروف نبيلة، فاضت برثائه وذكر مآثره الصحافة السعودية، وسالت أحبار من عرفوه ليكشفوا بعض المغيب في حياة الوزير الحاذق الصادق الخويطر.


تراب البلاد


معجون ذاك الخويطر بتربة بلاده مع صدق قلبه، وهو من القلة خارج نطاق أسرة آل سعود الذين يرثيهم الديوان الملكي السعودي، الذي لا يرثي إلا كبيرا أدّى مهماته كما يليق وتجاوز الصعاب بصبر وهدوء، وكان جلّ همه كيف يصنع العلاج لكافة المشاكل إداريا واستراتيجيا، فجاء من الصمت، وغاب في صمت، فهل تقول السعودية إنه قد غادرها آخر الوزراء المحترمين؟

8