عبدالعزيز الشايع واليابان

الخميس 2014/05/15

من عادتي حين أقرأ أي كتاب أن أحمل بين يدي قلم رصاص لأضع إشارات على أية عبارة تعجبني أو أنوي الرجوع إليها فيما بعد. وأنا أقرأ كتاب أصداء الذاكرة للفاضل عبدالعزيز محمد الشايع أكاد أكون وضعت إشارات على كل أو أغلب الكتاب من شدة ما وجدت في تجربة هذا الرجل من حكم وأفعال تستوجب الفخر به وبجيله الذي ذكر عنه الكثير. من العبارات التي وضعت عليها أكثر من إشارة لأهميتها قوله، “لكن يبدو أن هناك عدة عوامل تضافرت فيما بعد لتقييد روح المبادرة التي شهدناها في الستينات والسبعينات، انساقت فيها الدولة مع ما هو رائج، فاستسهلت أسلوب الريع لتقييد المواطن، فيما لم تشهد هذه المرحلة أفكارا خلاقة لدى القطاع الخاص، إضافة إلى سيطرة الاضطراب السياسي” وهو يشير هنا إلى أهمية القطاع الخاص في تطوير وتطور أية دولة ومجتمع.

قبل أن أقرأ ذكريات عبدالعزيز الشايع قرأت كتابا بعنوان “العرب وجهة نظر يابانية” وهو تجربة شخص ياباني قضى 40 سنة من عمره في بلاد العرب، وقتها انعقدت في ذهني تلقائيا مقارنة بين وضعنا السياسي الحالي وذكريات الشايع واليابان.

اليابان تلك القوه الاقتصادية الضاربة في العالم، لا تتجاوز مساحتها ثلث مساحة السعودية وسدس مساحة مصر، و70 بالمئة من أرضها عبارة عن جبال لا تصلح للسكن، عدد سكان اليابان 125 مليونا، وهي فقيرة بالموارد الطبيعية وتستورد أغلب مقومات الطاقة التي تحتاجها لصناعاتها.

منذ عام 1990 وبإحصائية بسيطة فإن أطول مدة لحكومة في اليابان هي سنتان وشهر واحد، إذ أن استقالة أو إقالة الحكومات هناك أمر يكاد يكون عاديا للخلافات السياسية مع البرلمان، ومع كل هذا ومع ما تعرضت له اليابان من دمار أثناء الحرب العالمية، إلا أنها اليوم قوة اقتصادية كبرى في العالم. قوة اقتصادية مؤثرة بعيدا عن الحكومة وعن البرلمان، فمؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص هي التي تصنع هذه القوة.

في الكويت استطاع السياسيون منذ فجر الحياة البرلمانية والسياسية عندنا أن يقوموا بأكبر وأنجح عملية دعائية، فقد استطاعوا ترويج بضاعتهم السياسية وجمعوا حولهم كل أو أكثر المجتمع، وأوهموا الجميع أن بيدهم- لا بيد غيرهم- نجاح المجتمع وتطوره، ولذلك أصبح المجتمع كله ملتفا حولهم، فالمجتمع برمته يرمي آمال التطور والنجاح على الحكومة والبرلمان، ولذلك الكل لا يتكلم ولا يهتم إلا بهما، وتدور حولهما كل أحاديث الكويتيين.

استطاع هؤلاء الساسة إقناع المجتمع بأن القطاع الخاص والشركات والتجار ما هم إلا مجموعة “حرامية” ويجب محاربتهم ووقف “جشعهم”، وقد نجحوا فيما أرادوا أفضل نجاح، ولذلك قلت إنهم مارسوا أفضل عملية دعائية لمنهجهم السياسي!

هذا النجاح الدعائي للسياسيين استطاع هدم كل شيء في المجتمع؛ فن وثقافة وإبداع واقتصاد، من أجل أن يبقى الناس ملتفين حول الطرح السياسي. وأنا أقرأ مذكرات الفاضل عبدالعزيز الشايع وجدت في كل سطر غصة تملأ قلب الرجل وبالطبع قلب جيله على وضع مجتمعنا، كيف كانت مؤسساتنا المدنية والاقتصادية قوة نشأت بذاتها، وكيف أصبحنا اليوم أشبهه بالعالة تنتظر من الحكومة أو البرلمان أن يضع في أفواهنا حبوب التطور والرقي لنبلعها ونصحى من النوم لنجد أنفسنا قد تطورنا. المقارنة مؤلمة وقاسية لكنها للأسف حقيقة.


كاتب كويتي

8