عبدالعزيز الغراز فنان مغربي يطارد الضوء الوامض في أعماق الذاكرة

فنان تجريدي يشتغل على هشاشة اللون والداخل.
الأحد 2020/12/27
اللعب على ثنائية الإظهار والإضمار

تخلص الفنانون التجريديون من حاجزي الموضوع والمعنى أو الفكرة السابقيْن للعمل الفني، واتجهوا لتحرير أعمالهم التشكيلية من كل القوالب نحو فضاءات عميقة يقود إليها من يريد اكتشافها، اللاوعيُ والمخزونُ المعرفي والفكري والحسُّ الجمالي والجانب الروحي. في التجريد لا يخشى الفنان من إخراج دواخله وروحه ومكنونات ذاكرته إلى الوجود دون أن يتكلف في ترتيبها أو تنميقها أو جعلها ذات غاية ورسالة وهدف. لذا فقد فتح التجريد الفن على مجاهل عديدة، وحرر من ناحية أخرى الفنان والمتلقي، الأول في التدفق مثلما يشاء ويحس، والثاني وفق ما يمكنه أن يؤوّل ويفهم.

ما الذي يجعل تجربة فنية تتسم بصفتها الجمالية وتحظى باهتمام من لدن النقاد والمتلقين والمهتمين؟ إنها تلك الجِدّة التي تبحث عنها في اشتغال مستمر ودون انقطاع يروم اختراق المألوف والخروج بأسلوب خاص.

ومن حيث إنّ الفنان هو الأسلوب، والأسلوب أساليب متعددة وليس واحدا بالضرورة؛ فهو عرضة للتغير والتحرك كما هو حال الإنسان. والأسلوب عند الفنان شيمته الترحال لا الإقامة.

من هذا المنطلق يحق لي أن ألج عوالم اللون وتجريدياته في أعمال الفنان التشكيلي المغربي عبدالعزيز الغراز، أحد الأسماء التي تشتغل بحساسية اللون المفرطة والهشة، وهو الذي أقام أسلوبه على التغيير والتنويع والاكتشاف لا على الجاهز والثابت.

"أنا" الداخل

يحاول الغراز بما استطاعه من مهارة تمييز اللون والحفر عميقا في متن اللوحة، أن يخرج غانما بما يحق لي أن أسميه بـ”نص شعري صباغي”، إذ كل عمل لديه هو بيت شعري أو قصيدة شذرية تنعم بسحر الألوان وتراكبها في غنائية تجريدية عمادها الإبهار.

الفنان يكتب للعين انطلاقا من تنظيم فوضى اللون عبر تدرجاته وتناغمه وأيضا عبر ما يحدثه من توازنات تستند على استدراج أسندة غير القماش في ما بينها، من خلال تقنية الإلصاق (الماروفلاج) والكولاج. ما يعطي للعمل المجرد لديه بكل ما يمتنع عنه من تشخيص، نوعا من العمق الذي يأخذ المتلقي إلى الغوص عميقا في المخيّلة، ليسمح له بكل إمكانيات التأويل خارج مدونة المتعارف عليه والسائد.

الإخلاص الجادّ للتجريدِ واللونِ أتاح للفنان إمكانية امتلاك أسلوبه الخاص، الذي يتميّز به في الساحة التشكيلية المغربية

لا يهتم هذا الفنان بأي تمثيل ممكن أو بحث عن إبراز “شيء جميل” بلغة الكلاسيكيين أو حتى بعض الحداثيّين، بل بالتعبير عن الحالة البشرية الداخلية التي تتسم بالصفاء، تلك الحالة الهشة والمفرطة في هشاشتها.

 وإن أمكننا القول، فالغراز يشكّل باللون انطباعات الكائن في رهافة تبحث عن منبع الضوء، ذلك الشعاع العميق الذي يغذي “الروح” وينعش “النفس”، فهو يميل إلى القول بأن الأصل في الإنسان “الخير” لا “الشر”؛ لهذا يتخذ من صفاء الألوان ونصاعتها وسيلة لـ”خلق” العالم البصري الذي يُعبّر عن الداخل.

لقد سعت الحداثة، بما فيها الفنون التجريدية التي تنتمي إليها أعمال الغراز، إلى الإعلاء من “أنا” الداخل، وتقديم الفرد من حيث إنه متمتع باستقلاليته وفردانيته وحريته، والتي تسمح له بأن يعبّر بكل حرية عن أفكاره وأرائه ورؤاه بعيدا عن أي طرح “جماعي” سائد ومتاح سلفا.

سايكولوجيا الأعماق

الفنان لا يهتم بأي تمثيل ممكن أو بحث عن إبراز "شيء جميل" بلغة الكلاسيكيين أو حتى بعض الحداثيين بل يحاول التعبير عن الحالة البشرية الداخلية المتسمة بالصفاء
الفنان لا يهتم بأي تمثيل ممكن أو بحث عن إبراز "شيء جميل" بلغة الكلاسيكيين أو حتى بعض الحداثيين بل يحاول التعبير عن الحالة البشرية الداخلية المتسمة بالصفاء

ما يشدنا كثيرا إلى أعمال الغراز الصباغية هو إخلاصه شبه المستمر للون الأزرق، إذ يتمتع هذا اللون عموما بمعنى إيجابي: التفكير، الذكاء، الثقة، الدفء، الأحلام، الهدنة، الهدوء، الصفاء، النضارة، الولاء، الحكمة والحرية.

الأزرق هو أكثر لون تراه العين وهي تنظر إلى الأفق متطلعة إلى الخلاص والراحة. إنه اللون الذي يحظى بالمكانة “الرفيعة” بين الألوان. إنه انعكاس السماء والبحر في العين، وغالبًا ما نحلق إلى عالم الخيال ونحن نبحر ناظرين إلى أفق السماء أو أفق البحر. إذ يثير الأزرق النقاء والبحث عن الكمال الأخلاقي، فهو أيضًا رمز اللطف والهدوء والتأمل والإبداع.

 وبالمقابل يعتبر الأزرق لون “السلطة” والقوة، يكفينا أن نلاحظ ذلك عند رؤية لون زيّ رجل الشرطة في جل أنحاء العالم. ولا أعتقد بأن هذا الفنان يذهب للاهتمام بهذا الطرح الثاني، حيث إن الحداثة الفنية التي يتكئ عليها، وهو يعمل على آثاره الصباغية البهية، هي حداثة تهتم بداخل الفرد بشكل عام وما استدراج هذه الكروماتيكية إلا من باب ما أتاحه له بحثه في مدونة سيكولوجيا اللون وفلسفة الفن.

لا يهرب الغراز من التشخيص، بل إن بحثه قد قاده إلى التجريد في غنائيته المبهرة والصافية، بكل ما يتيحه له ذلك من إمكانية استغلال حدود المادة التصويرية بكل تعدّدها (الصابغة، الأصباغ، اللون، الورق، القماش، الخشب…)، من خلال تنظيمها وفق إيقاع شعري تلعب فيه العفوية، التي لا تستكين ولا تهدأ، الدور الدافع للإبداع، باستحضار كل ما رسخ أو تعرض للمحو في الذاكرة؛ ذاكرة الفنان الطفل، وبالخصوص علاقته بالأم، هذه المرأة التي علمته الفن والإحساس به، وهو طفل.

 غير أنه ويا للمفارقة، سيقوده الفن إلى “الثورة” على ما رأى أمه تصنعه، وهي تُطرّز تلك الصور الحيوانية، إلى أن يتخلى عن كل شكل مشخص، وكأنه يعيد محو الذاكرة البصرية لديه ويُشكلها تجريديا من جديد. لكن لا قدرة لنا على الهروب من الذاكرة، فالماضي يطاردنا أينما حللنا. فـ”نحن ذاكرتنا” كما يذهب البعض للقول.

و”لا يمكن أن نفصل بين الذاكرة والمتخيّل” (الفني في هذه الحالة) بتعبير باشلار، إذ للأمر علاقة بما يُسميه بـ”سايكولوجيا الأعماق”، أو داخل الداخل إن أردنا أن نعرج على أعمال الغراز وهو يحاول مطاردة الضوء الوامض في أعماق الذاكرة.

من البياض إلى اللون

Thumbnail

يقول المؤرخ الفني الفرنسي دانييل أراس وهو يتحدث عن الفن، إن هذا الأخير سيظل مهما وقع عليه من تغيرات “تعبيرا عن الروحي”، أي تعبيرا عن داخل الداخل الإنساني، فلا يمكن إحداث أي قطيعة مهما كانت بين الفن والكائن، إذ إن الفن هو صنيع إنسانيّ وميزة تطورية خاصة به، مكنته أن يُعبّر عما يخالجه وأن يصرخ عبره بأنه “موجود” هنا والآن. تاركا أثرا له على جدران الكهوف؛ إنه بذلك الفعل صنع لنفسه “ذاكرة”.

 هنا بالتحديد تكمن “هشاشة الداخل”، التي يجسدها الغراز باللون “الهش”، في حضور لجل تدرجاته نحو البياض/ المحو، وهو يطارد منبع الضوء، ذلك الوميض الذي يشعل نيران الذاكرة فينا، ويوقظنا لاستحضار الماضي، باعتباره أثرا يصعب زواله مهما تعرض للمحو.

وقد وجد هذا الفنان في التجريد ضالته للتعبير عن ذلك، وهو القائل “هو فن (أي التجريد) يسمح لي برؤية الأشياء بعمق والتغلغل في تفاصيل وأسرار المادة. في ما يتعلق بالألوان، فهي أساسية جدّا بالنسبة إليّ في مقاربتي الفنية لأنها تعكس حالتي الذهنية. وأنا متأثر جدّا بألوان الطبيعة التي تعتبر مصدر إلهام حقيقي للفنان”.

هذا الإخلاص الجاد للتجريدِ واللونِ أتاح للفنان إمكانية امتلاك أسلوبه الخاص، الذي يمتيّز به في الساحة التشكيلية المغربية، تمييزا عماده اللعب على ثنائية الإظهار والإضمار، حيث يعمد الغراز إلى الكشف عن اللون في زاوية اللوحة وصولا إلى تلاشيه وزواله، لكن ليس بشكل مطلق، فهو الأثر/ الذاكرة الذي يحاول تجسيده. كل ذلك من خلال تناغم بين ضربات الجسد وحالات الروح، حيث يغدو الجسد أداة تستعملها الروح للتعبير عن الحالات الهشة للكائن ودواخله.

 بالإضافة إلى ذلك يوازن الفنان بين الضربات الصباغية في إيقاع شعري، يتسم بالتدرج من الحدة إلى الهدوء، من الفوضى إلى الصفاء. ما يجعل العمل الفني لديه يتمتع بنوع من التراكب الصباغي والتداخل اللوني، القائم على اشتغال مستمر على المسطحات اللونية بعفوية ودقة في الآن نفسه، فلا يستعجل الغراز لوحته إذ يمنحها الوقت الكامل حتى تخرج من عالم البياض إلى عالم اللون والنظر، وفي الوقت ذاته لا يمنحها أي معنى محدد ومتاح ببساطة، إذ إن الاشتغال الفني بالنسبة إليه يستند على ثلاثية الفنان والعمل والمتلقي، وهذه الثلاثية هي التي تصنع من نسميه “فنا”.

 هذا الأخير الذي لا ينتعش ولا يدوم إلّا عبر إمكانيات التأويل والتأويل المضاعف، الذي يتيحه التجريد في هذه الحالة ونحن نقرأ أعمال هذا الفنان الذي لا يفتأ يعود إلى حالة الطفولة، وهو يحمل الطباشير الملون ليرسم على الجدران أحلامه/ ذاكرته.

14