عبدالعزيز القرجي رسام المؤسسة الذاهب إلى حداثته

الأحد 2017/05/21
التقليدي بأقنعة رسمية

لندن - “هل أنا رسام حديث؟” يمكن لذلك السؤال ألاّ يكون ذا أهمية أو ضروريا بالنسبة إلى رسام حديث، غير أنه كان مصدر قلق وارباك بالنسبة إلى رسام من نوع عبدالعزيز القرجي.

التونسي الذي قاد لفترة من الزمن مدرسة فنية محافظة ورثها من رسامين فرنسيين كانت زعامته تلك قد قادته إلى أن يقف في مواجهة محاولات ثورية لتحديث الرسم في بلاده.

عدو الحداثة المتودد إليها

حارس التقاليد كان في الوقت نفسه يسعى إلى الحصول على الاعتراف بحداثويته. وهو موقف ينطوي على الكثير من التناقض على المستويين النظري والعملي.

فحامل لواء مدرسة تونس (جماعة فنية تأسست عام 1948) المدافع عن واقعية ذات بعد استشراقي كان قد وقف حجر عثرة في طريق الفنانين الشباب الذين دعوا أواخر ستينات القرن الماضي وفي مقدمتهم نجيب بلخوجة إلى الانفتاح على المدارس الفنية الحديثة وهجر المبادئ التي أقسمت على أساسها مدرسة تونس.

وقد تكون مهمة هنا الإشارة إلى أن مدرسة تونس قد تم تبنيها رسميا من قبل الحكم الوطني حين قيام الجمهورية التونسية، باعتبارها إرثا استعماريا طيبا. وهو ما قوّى موقع القرجي في صراعه مع الآخرين.

غير أن ذلك الموقف لا ينفي كون القرجي كان فنانا من طراز خاص وهب الرسم الحديث في تونس شيئا من شخصيته. لقد تسلّل خفية من الإطار الذي رسمته مدرسة تونس لنفسها في تصوير مشاهد الحياة اليومية إلى محاولة اكتشاف القيم الجمالية التي تنطوي عليها تلك المشاهد من خلال طريقة حديثة في النظر كانت تعتمد في جزء كبير منها على الخط والتلوين المتقشف من غير أيّ بهرجة. وكان في ذلك قريبا من صانع المنمنمات القديمة.

عصا المؤسسة الرسمية

ولد عبدالعزيز القرجي عام 1928 في مدينة تونس العتيقة. بين عامي 1944 و1949 درس الفن في المعهد العالي للفنون الجميلة بتونس. في سنة تخرجه بدأ بعرض أعماله بعد أن استقر به الحال في باريس حيث التحق بالدراسة الفنية هناك.

بعد عودته إلى بلده انتمى إلى جماعة مدرسة تونس التي أسسها الفنان الفرنسي المولود بتونس بيار بوشارل وكان من أعضائها يحيى التركي وجلال بن عبدالله وعمار فرحات والزبير التركي. وهي الجماعة التي قادها بدءا من عام 1968 حتى وفاته عام 2008. عام 1973 أسس رواق القرجي وهو قاعة للعروض الفنية سعى من خلالها أن يكون عرابا للحركة الفنية في تونس بدعم رسمي.

كان تأسيس تلك القاعة محاولة من القرجي لاحتواء الفنانين الذين تمردوا على مدرسة تونس وسعوا إلى تأسيس فن تونسي حديث.

المرئيات ضرورية بالنسبة إليه لكي يمارس الرسم

قام القرجي بتدريس الرسم والخزف بمعهد الفنون الجميلة بتونس بين عامي 1959 و1983 ولم يقتصر نشاطه الفني يومها على إنتاج اللوحات بل تخطاه إلى ممارسة الخزف والنحت والرسم الجداري وصناعة الزرابي الفنية وتصميم الطوابع. ما ساعده في ذلك أنه كان متبنّى رسميا، حيث أنجز الكثير من أعماله الفنية الكبيرة بتكليف من قبل الحكومة التي منحته أعلى أوسمتها وجوائزها.

وإذا ما كان القرجي يستحق ذلك التكريم فإن هناك مَن يأخذ عليه أنه من خلال زعامته لمدرسة تونس قد مارس دور العصا التي استعملتها المؤسسة الرسمية لضبط حركة الفنانين المتمردين أو إجبارهم على اختيار الرحيل خارج البلاد إن لم يخضعوا للترويض.

كان من الصعب القفز على القرجي من أجل الوصول إلى السوق الفنية بدءا من لجان الشراء الرسمية التي لعبت دورا كبيرا في تأخير النظر إلى ما شهده الفن التونسي من تحولات كبيرة. كان هناك فنانون محظوظون وآخرون منبوذون.

تجريبي ومحافظ

ما يحسب للقرجي تأثّره بما كان يطرحه الفنانون الشباب الذين حاربهم بضراوة. رسومه التي تعود إلى نهاية الستينات من القرن العشرين، وهي السنوات التي بدأ فيها صراعه مع التيارات المتمردة، تؤكد ميله إلى نزعة تجريبية سيكون أن تخرجه في ما بعد من حيز رسم الحياة الشعبية كما هي.

يومها صار يعالج موضوعاته بروح تشكيلية بعيدة عن السرد التقليدي الذي يعتمد النقل المحايد. لقد ترك نظام المنمنمة الصارم ليتحرك بحرية وسط فضاء كانت السخرية فيه تعبيرا عن روح شعبية لا يمكن اكتشافها إلا من خلال التسلل خفية إليها من غير شروط مسبقة. ما فعله القرجي يتناقض كليا مع ما يدافع عنه في صراعه معا الفنانين المحدثين.

يمكن القول إن الآخرين أعانوه على اكتشاف ما لم يكن في إمكانه أن يكتشفه بنفسه. غير أنّه من المؤكد أنّ القرجي كان يملك من الاستعداد الداخلي ما ساعده على كسر طوق مدرسة تونس، من غير أن يملك الجرأة على الاعتراف بأن تلك المدرسة صارت جزءا من التاريخ. وهو ما يمكن أن يُحسب عليه. ذلك لأن الكثير من الكبوات التي تعرض لها مفهوم الفن الحديث في تونس ما كان لها أن تقع لولا وجود تلك الجماعة الفنية التي صارت أشبه بقناع للمؤسسة الرسمية.

كان القرجي يلعب دورين في الوقت نفسه، تجريبيا في فنه ومحافظا في مواجهة الآخرين.

رسومه تفصح عن حداثته

الفنان في تحولاته

يتساءل الناقد والرسام التونسي على اللواتي “ما الذي دفع قرجي في مرحلة ما من مسيرته إلى مراجعة مفهوم الهوية من حيث هي تشكيل لصورة لصيقة بالتراث وبقوالب تعبيرية شبه مقننة لأنماط الحياة المحلية وما سبب تحوله إلى طرق موضوعات أكثر حرية وأقرب إلى نزعة التشخيصية المحدثة؟”.

لقد عاش الرجل عصره. كان المتغير الفني والحياتي أكبر منه. لقد صعب عليه أن يقاوم بالأدوات التي تم ابتكارها نهاية أربعينات القرن العشرين.

لم يتمكن القرجي من التحرر من مدرسة تونس وظل مدافعا عنها إلى نهاية حياته، فإنّ ذلك لا يستدعي إدانته بقدر ما يفضح هزال القيم التي تبنّتها المؤسسة الفنية الرسمية. لقد التبس الأمر على الرسّام الذي تفصح رسومه عن حداثته. فالماضي الذي كان في إمكانه أن يتجاوزه كان مقدسا بالنسبة إلى تلك المؤسسة.

وهنا بالضبط يقع اللقاء بين نرجسية الفنان الذي احتضنته السلطة وبين ما ترغب المؤسسة الرسمية في تكريسه. هل كان القرجي ضحية مزدوجة؟

أغمض عينيه على خياله

يمكننا اليوم بعد غياب القرجي أن ننظر إليه من جهة كونه رساما فقط. وهو ما لم يكن ممكنا من قبل حين كان ممثلا لسلطة الفن الرّسمي. سيكون علينا اليوم التعامل مع ما أنجزه الفنان بطريقة مختلفة. هذا رسّام أضفى على الروح التونسية شيئا من المرح. حاول أن يكون سرياليا، كما لو أنه كان يسعى إلى أن يلصق شيئا من الخيال على شيء من الواقع.

كانت المرئيات ضرورية بالنسبة إليه لكي يمارس الرسم. رسم ما رآه غير أنّه في الوقت نفسه حاول أن يُغمض عينيه على خياله. لقد أرسى عبدالعزيز القرجي قواعد رسم تونسي شعبوي من جهة ما يقوله وحداثوي من جهة ما يمارسه.

كانت رسومه محاولة للارتقاء بالمشاهد الشعبية إلى مستوى الحدث المعاصر الذي يفتن البصر بسحره القادم من أماكن غير مأهولة إلا بالكلام. لذلك يمكن لرسوم القرجي أن تأسر البصر غير أنها لا تفارق حكاياتها. تلك الحكايات التي تذكّر ببلاد لا تكفّ عن الألم.

10