عبدالعزيز بلخادم الوريث العالق بجلباب بوتفليقة

السبت 2014/03/01
بلخادم المبعد العائد من رحم الأزمة

الجزائر - لم يكن عبدالعزيز بلخادم الأمين العام السابق لجبهة التحرير الوطني بعيدا عن العاصفة السياسية التي تهز الجزائر في الفترة الراهنة بل كان في عينها لعدة اعتبارات أولها قربه من بوتفليقة إلى درجة اتهمه فيها الخصوم بأنه يعيش كظل له ولم يكن قادرا على الخروج من جلبابه، ثانيها أنه كان يتعامل مع قواعد الحزب بأساليب ديكتاتورية تحاول رسم معالم لشخصية قوية تستغل النفوذ لمصالحها الشخصية وللمقربين الأوفياء. ثالثها أنه كان مستهدفا من بعض قيادات الحزب وعلى رأسهم عمار سعداني الذي قاد ما يشبه الانقلاب عليه وتمكن من إبعاده من الأمانة العامة للحزب بعد أن صوت 160 عضوا في اجتماع اللجنة المركزية في العاصمة الجزائرية لفائدة سحب الثقة منه، وأقر بلخادم وقتها بهزيمته وصرح قائلا: “أخرج مرفوع الرأس وأتمنى أن يقوم من يخلفني بعمل أفضل”.

خروج بلخادم من الأمانة العامة للحزب لم يكن يعني بالمرة خروجه من المشهد السياسي برمته، ولأنه يملك من الكاريزما الشيء الكثير وبحكم تجربته السياسية فإن الكثير من الجزائريين يعتبرونه الخليفة الأول لعبدالعزيز بوتفليقة. وهذا الاهتمام البالغ بالرجل وهذه الشخصية التي تملك نفسا قويا لمواصلة الإبحار في عالم السياسة والسلطة جعلتنا نعود إلى تتبع بدايات الرجل وتاريخه السياسي.

ولد بلخادم في العام 1945 بآفلو (الأغواط). وبعد دراسته للاقتصاد والأدب شغل منصب مفتش المالية قبل أن يخوض مشوارا مهنيا كأستاذ ثم يلتحق برئاسة الجمهورية ليشغل منصب نائب مدير العلاقات الدولية. وقد عاش حياته السياسية داخل حزب جبهة التحرير، فقد انتخب نائبا في المجلس الشعبي الوطني عن حزب جبهة التحرير الوطني لولاية تيارت، وشغل منصب نائب رئيس المجلس الشعبي الوطني.


قائد الانقلاب على ابن فليس


وعقب استقالة رابح بيطاط من رئاسة المجلس، عُين بلخادم على رأس البرلمان الجزائري إلى غاية حله سنة 1992. وقبل ذلك بحوالي العام أصبح بلخادم عضوا في المكتب السياسي لحزب جبهة التحرير، ثم عضوا في لجنته المركزية عام 1997. وبعد انتخاب بوتفليقة رئيسا للجمهورية تم تعيين بلخادم وزير دولة للشؤون الخارجية ، قاد بلخادم في العام 2004 انقلابا داخليا ضد أمين عام الحزب علي بن فليس، مما أدى إلى تجميد الحزب مؤقتا قبل أن يستعيد نشاطه وينتخب بلخادم لمنصب الأمين العام في فبراير 2005. وفي مايو 2005 عُين وزيرا للدولة ممثلا شخصيا لرئيس الجمهورية، وظل في هذا المنصب حتى 24 مايو 2006 حين عينه بوتفليقة رئيسا للحكومة خلفا لأحمد أويحيى. وفي 24 يونيو 2008 عاد أويحيى إلى رئاسة الحكومة، وعاد بلخادم وزير دولة ممثلا شخصيا لرئيس الجمهورية قبل إقالته.

تعامل بلخادم مع قواعد الحزب بأساليب ديكتاتورية تحاول رسم معالم لشخصية قوية تستغل النفوذ لمصالحها الشخصية


موقفه من أزمة الحزب


ولاؤه التام لبوتفليقة جعل مواقفه لا تخرج عن رغبات الدائرة المقربة من الرجل والقرارات التي تريدها الجماعة، تلك الجماعة التي تصر على أن يبقى بوتفليقة على رأس السلطة، فهو لا يجد ما يمنع الرئيس الجزائري من الترشح لفترة رئاسة رابعة مع استحداث منصب نائب للرئيس طالما أن الدستور الحالي لا يمنع نصا استحداث هذا المنصب، كما يستبعد بلخادم أن يقوم الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة بتعديل الدستور قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل المقبل حيث أنه ليس من الأخلاق ولا السياسة القيام بالأمر في الوقت الحالي حسب رأيه، يقول: ” أستبعد تماما أن يقوم رئيس الجمهورية عبدالعزيز بوتفليقة بتعديل الدستور قبل إجراء الانتخابات الرئاسية المقررة في شهر أبريل من هذا العام، بل إن بوتفليقة يمكنه أن يعين نائبا للرئيس دون أي تعديل دستوري”.

ويجد بلخادم مبررات مختلفة لذلك منها مبررات سياسية وكذا عوامل داخلية وخارجية، كون استدعاء الهيئة الناخبة التي ينص الدستور الحالي على ضرورة استدعائها بمرسوم رئاسي 90 يوما قبل الانتخابات لم يعد يفصلنا عن تاريخها سوى أسابيع قليلة. ولو كان بوتفليقة يريد تعديل الدستور لفعل ذلك منذ مدة ولا ينتظر حتى هذا التوقيت الحساس ليقوم بذلك.

وبهذه التصريحات يناقض بلخادم الأمين العام الحالي للحزب عمار سعداني، ما يضفي المزيد من الغموض على خارطة الطريق المرسومة من طرف السلطات العليا للبلاد.

أما موقفه من صراع الأجنحة والدائر داخل حزب جبهة التحرير فيرى أن البعض يعتقد أن المسألة شخصية أي تتعلق بشخص بلخادم وعندما يقع إبعادي فستصلح الأمور بل العكس إذ أن الأمور ستسوء أكثر.

ويصر بلخادم على أنه بالرغم من تنحيته من الحزب إلا أن نفس المشاكل مازال يعيشها حتى أصبحت أكثر في عهد الأمانة العامة الحالية، مؤكدا أن هذه المشاكل ستظل في الحزب مادام جميع الأشخاص يبحثون عن المنصب على حساب مصالح الحزب.

ويذهب الأمين العام السابق لجبهة التحرير الوطني، إلى أن خصومه في الحزب يحاولون “زرع الفتنة” بينه وبين الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2014.

وحول الأزمة التي تعصف بالحزب يقول بلخادم: “ما زلت مصرا على أن الحزب لا يمر بأزمة، لأن الأزمة هي إما أزمة هيكلية تكون مبنية على أفكار واختلاف في موقف سياسي وهذا غير موجود، أو قد تكون أزمة تسيير وهذا غير موجود”. مشيرا إلى أن “هناك أناسا يرغبون في التموقع السياسي سواء داخل قيادة الحزب، أو من خلال قيادة الحزب في الساحة السياسية”.


الصراع مع سعداني واتهامات الخصوم


التصدع الداخلي لحزب جبهة التحرير ربما كانت بوادره منذ سنتين على الأقل، لكنه ظهر إلى العلن بعد أن احتدم الصراع داخله حول العديد من الملفات الهامة وعلى رأسها مستقبل الرئيس في أعلى هرم السلطة والتحضير لخليفة له في حال غيّبه الموت.

ذاك ما جعل بلخادم الظل الدائم لبوتفليقة يتواجد في دائرة النار وتصله سهام النقد الحارقة لتحشره في الزاوية وتعيد رسم الولاءات. ولعل الحرب الباردة التي كانت بينه وبين عمار سعداني قد خرجت في الأخير إلى العلن وتمكن سعداني من استبعاد بلخادم من طريقه موظفا الكثير من الاتهامات من بينها أنه وخلال منصبه كأمين عام للحزب حاول استعمال مؤسسات الدولة لتحقيق طموحاته الشخصية.

الطبقة السياسية في الجزائر أصابها شيء من الإحباط بعد إعلان ترشيح بوتفليقة والتي كانت تمنّي النفس بضخ دماء جديدة في المشهد السياسي

غير أن الأمور لم تسر كما يشتهي سعداني وكانت تصريحاته التي اتهم فيها المؤسسة الأمنية وجهاز المخابرات، بمثابة الخطأ القاتل الذي سيمهد الطريق لعودة بلخادم.

ويذهب المتتبعون للشأن الجزائري أن قول بوتفليقة “لا يحق لأحد مهما تعالت المسؤوليات أن يعرض الجيش الوطني الشعبي والمؤسسات الدستورية الأخرى إلى البلبلة”، هي رسالة واضحة موجهة مباشرة لسعداني لأنه أحدث بلبلة باتهامه للمؤسسة الأمنية، خاصة وأنه ليس من مصلحة السلطة الآن وعلى بعد أسابيع من الرئاسيات إثارة أو افتعال أزمات تشوش على الاستقرار وظروف إجراء هذا الاستحقاق.

ويرى أولئك المتابعون أن سعداني أخفق على الأقل في الإمساك بواجب التحفظ السياسي الذي يقتضيه المنصب، وأنه لم ينأ بحزب جبهة التحرير الوطني عن مثل هذه الانزلاقات، بل إنه في نظر مسؤولي الدولة تجرأ على ما لم تجرؤ المعارضة على النطق به.

كما يرى خصوم سعداني أن “هفوات” هذا الأخير رجحت ميزان القوى لصالحهم ولصالح عودة الأمين العام السابق للحزب بلخادم، الذي ما يزال يحتفظ بمساندين كثر داخل اللجنة المركزية.


أزمة الرئاسيات والسيناريو المرتقب


بعد الإشاعات التي سربت حول ترشح بلخادم للرئاسة، حسم الحزب الحاكم الأمر من خلال إعلان الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة على لسان الوزير الأول عبدالمالك سلال عن ترشحه لانتخابات السابع عشر من أبريل المقبل، بلخادم الذي دارت حوله الإشاعات وكيل له كثير من التهم دخل في مرحلة دفاع عن النفس ضد الخصوم الذين حسب رأيه يعملون على التفريق بينه وبين بوتفليقة من خلال القول إن بلخادم سيترشح كمنافس له متسائلا: “هل يعقل أن يترك حزب رئيسه ويرشح غيره للرئاسة، والرئيس عندما يعلن عن رغبته في الترشح ينتهى الإشكال ويتم دعمه وتأييده”، و أن “القصد من التهمة هو محاولة زرع الفتنة بيني وبين الرئيس، يريدون أن يقولوا له: احذر هذا يريد الترشح ضدك. وهذا أمر لا يمكن أن يخدع الرئيس ولا الرأي العام”، مشيرا إلى أنه كان دائما مع بوتفليقة، “لأني أرى فيه الرجل الذي يحصل حوله التوافق على التنمية وحماية القرار السيادي للجزائر وما زلت مقتنعا بهذا وأنا جندي في فيلقه”.

وكان بلخادم قد اعترف بأن الأزمة التي يشهدها حزب جبهة التحرير الوطني لها صلة بالانتخابات الرئاسية المقبلة وقال: “المعارضون قالوا إنهم يعملون على قطع الطريق عليّ للترشح للانتخابات الرئاسية. أكيد أزمة الحزب لها علاقة بالرئاسيات”.

إعلان ترشح بوتفليقة إذن جعل بعض الأصوات تصمت ولو مرحليا والتي كانت أشارت إلى أسماء عديدة ستكون مرشحة للرئاسات من داخل حزب جبهة التحرير الوطني، لكن وبالرغم من ذلك فإن الطبقة السياسية في الجزائر أصابها شيء من الإحباط والتي كانت تمنّي النفس بضخ دماء جديدة في المشهد السياسي الجزائري ينبئ بتغير في الممارسة السياسية وبفتح الآفاق المستقبلية نحو التعددية والتداول السلمي على السلطة.


التعمية على الصراع


ولم تفلح رسائل بوتفليقة المطمئنة في تغطية ذاك الصراع وتعمية الرأي العام الجزائري. لكنها في رأي البعض قد أجّلت الانفجار الداخلي للنظام ومهدت السبيل إلى الاستقرار السياسي ولو إلى حين.

وسط هذه الأزمة السياسية التي تشهدها الجزائر، فإن إعلان عبدالعزيز بوتفليقة الترشح إلى الرئاسة في الانتخابات المقبلة قد يهدئ الاحتقان قليلا ويجعل البعض متفائلا في استمرار حزب جبهة التحرير الوطني في قيادة البلاد في السنوات القادمة.

ويذهب محللون إلى أن السيناريو القادم بعد ترشيح بوتفليقة إلى عهدة رابعة أصبح واضحا إذ سيحقق بوتفليقة الفوز في انتخابات السابع عشر من أبريل ثم يقوم باتخاذ عدد من القرارات وأول تلك القرارات سيكون تعيين نائب له والقيام بتعديل الدستور بحيث يتولى نائب الرئيس منصب الرئاسة آليا في حال غيب الموت الرئيس بوتفليقة. ولن يخرج ذاك المنصب عن شخصيتين هما عبدالملك سلال وعبدالعزيز بلخادم. وترى أوساط مقربة من الحزب أن بلخادم يملك أكثر شعبية من سلال.

بهذا السيناريو يكون حزب جبهة التحرير الوطني قد رسم خطة الاستمرار في الحكم فهل تجري الرياح بما يحلم به بلخادم وأنصاره أم أن الحراك السياسي الجزائري سيعيد خلط الأمور نحو أزمة سياسية مفتوحة على المجهول؟

13