عبدالعزيز بلخادم نهاية مرحلة وبداية مشوار

السبت 2014/09/06
بلخادم ضحية حسابات سياسية

رغم الجحود والتنكر الذي طال الكثير من الجزائريين، بسبب تهميش وإقصاء النظام السياسي لهم على خلفية مبادئهم وأفكارهم، فعاشوا وماتوا على الهامش أو في الغربة، فإن الذي لحق بعبدالعزيز بلخادم، من طرف الرئيس بوتفليقة، يعد حادثة غير مسبوقة في تاريخ السلطة، التي أبعدت وزير دولة ومستشارا في رئاسة الجمهورية ومناضلا بارزا، كأنه خرّيج سجون ومحاكم، فبقدرة قادر وجرة قلم ومصدر مجهول، وبرقية لوكالة الأنباء الرسمية، أحال بوتفليقة، خادمه عبدالعزيز بلخادم، على البطالة الرسمية والسياسية، وكأنه رب بيت يعاقب عبدا له من أجل فرض النظام وطقوس الطاعة.


القتل الرحيم


رجل الثقة وأبرز المقربين للرجل الأول في الدولة، يعزل بطريقة أقل ما يقال عنها إنها “مهينة ومشينة ” لم تحدث في تاريخ تصفية الحسابات بين العصب النافذة في النظام الجزائري، فيمنع من ممارسة أي مهام رسمية في الدولة ويعزل من الحزب الذي ترعرع وشاب في كواليسه. الأمر الذي فجر جدلا كبيرا حول أسباب اتخاذ القرار بهذه الطريقة الفجة وخلفياته، التي تعكس حالة من الانتقام والعشوائية في تسيير دواليب السلطة، بما أنها افتقدت للشفافية اللازمة والقنوات الرسمية للدولة.

وأجمع الكل في الجزائر على أحقية رئيس الجمهورية في تعيين أي إطار أو مسؤول في الدولة أو عزله بشكل يكفل الاحترام للمعزول، والكشف عن الأسباب في الحالات الضرورية، إذا انتهى بعبارة “من جميع المهام الرسمية”، لأن الأمر يوحي حينها إلى خطأ أو أخطاء جسيمة ارتكبها المعزول. لكن في المقابل هناك إجماع آخر على أن بوتفليقة تصرف بذهنية “المنتقم” والعشوائي والمتصرف في مزرعة وليس دولة، لأنه ليس من حقه أن يبعده من الحزب ولا أن يبعده ببرقية للوكالة الرسمية تفتقد للصياغة الطبيعية للمقال، وتستند إلى مصدر غير معلوم في مؤسسة الرئاسة.


شرب من كأس تجرع منها سابقوه


وأشعل قرار إبعاد بلخادم من الدولة والحزب شبكات التواصل الاجتماعي، التي لم تستغرب القرار بالنظر إلى تركيبة النظام السياسي الجزائري، وأبانت الكثير من التعاليق قربا من الحقيقة، لا سيما في شقها المتعلق بتصرف المخدوم بالخادم إذا شعر بنوع من الخيانة والتمرد، واعتبرت الأمر طبيعيا بما أن الطاعة العمياء والتزلف لا يصنع الطموحات الكبرى، وقالت: “بلخادم شرب من الكأس التي تجرع منها سابقوه”، بينما ذكرت أخرى أن “ذهنية بوتفليقة لا تعترف بالأصدقاء والمقربين كما يشاع، بل بمن يكمل مسار آل بوتفليقة في الحكم، ولا يهم الضحية بلخادم أو غيره، من بذل العطاء لخدمته أو ارتكب الجرم في سبيل ذلك".

وعن الطريقة التي تمت بها العملية قال أحد المعلقين “بوتفليقة في مزرعة، لا يريد للنظام أن يهتز في بيت الطاعة والقرار ذهب بلخادم ضحيته بينما الرسالة وجهت للآخرين لالتزام السمع والطاعة".

لم يكن الجزائريون يعرفون خلال الثمانينات، ذلك الشاب النحيف القادم من عمق الجزائر، إلا حينما اعتلى رئاسة البرلمان في نهايات الحزب الواحد، وحتى لما قرر العسكر وقف المسار الانتخابي في مطلع التسعينات عندما اكتسحته جبهة الإنقاذ المحظورة، لم يشأ بلخادم أن يخوض في الصراع والدفاع عن هيئته ومنصبه، لمّا قررت المؤسسة العسكرية حل البرلمان دون علمه، ليقرن القرار باستقالة الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، من أجل افتعال فراغ قانوني ومؤسساتي، يتيح للعسكر التدخل من أجل توقيف المد الإسلامي الكاسح للمؤسسات المنتخبة.

رجل الثقة وأبرز المقربين للرجل الأول في الدولة، يعزل بطريقة مهينة ومشينة لم تحدث في تاريخ تصفية الحسابات بين القوى النافذة في النظام الجزائري، فيمنع من ممارسة أيّ مهام رسمية في الدولة ويتم فصله من الحزب


علاقة متوترة مع العسكر


ولم تظهر توجهات بلخادم السياسية والإيديولوجية، رغم ما عرفه حزب جبهة التحرير الوطني بين المحافظين والإصلاحيين، أو تداعيات التعددية السياسية، التي حولت الحزب الحاكم إلى حزب مرفوض يتدحرج بين السلطة والمعارضة. وكان أول ظهور له في نهاية التسعينات، لما أطلق رفقة عدد من المناضلين والحقوقيين، لجنة مناهضة التطبيع مع إسرائيل، لما خاض المغني الفرنسي ذو الأصول اليهودية، أنريكو ماسياس، حملة من أجل الغناء في الجزائر، وزيارة مسقط رأسه في مدينة قسنطينة.

ورغم دموية الأزمة التي تفجرت في مطلع التسعينات إلا أن بلخادم ظل بعيدا عن الأضواء، لكنّ بعده لم يمكّنه من إخفاء ميولاته الإسلامية ولا اقترانه بما يعرف بتيار “الحمائم”، وهو ما يكون قد ساهم في اختفائه إبان فترة التسعينات التي هيمن عليها صقور العسكر وتميزت بمحاربة شرسة للإسلاميين المتشددين.

وأفصح وزير الدفاع السابق، اللواء خالد نزار، عن الانطباع الذي كانت تحمله قيادة العسكر عن بلخادم، فقال في أحد تصريحاته دون أن يذكره بالاسم “شخص منبوذ، هو وجه آخر للذين كنا نحاربهم في الجبال”، وهو تصريح يعكس طبيعة العلاقة المتوترة بين الطرفين.

عبدالعزيز بلخادم، كان من أبرز الداعمين لعودة الرئيس بوتفليقة من المنفى الاختياري، لقيادة البلاد في العام 1999، وشكل أحد أضلاع المشهد الجديد، الذي انتشله من المجهول وقفز به إلى الواجهة، ليتحول بمرور الأشهر والسنوات إلى رجل ثقة الرئيس وذراعه الأيمن في ضرب الخصوم وترويض الحزب لخدمة المشروع البوتفليقي، متداولا على مناصب عدة، أقلها وزير ومستشار وأكبرها رئيس حكومة وممثل شخصي لبوتفليقة.

وكان العام 2003 بداية توهج نجم بلخادم، بعدما أوكلت له مهمة قيادة ما عرف آنذاك بـ”الحركة التصحيحية” في جبهة التحرير الوطني، التي افتكت الحزب من بن فليس، وروضته لصالح ترشيح بوتفليقة للعهدة الثانية في انتخابات العام 2004. حيث كان “اجتماع الجلفة” بداية انطلاق مسار الرجل وطموحه، الذي وظفه “ولي نعمته” لإطلاق التحالف السياسي المؤيد، المكون آنذاك من جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي، بقيادة أحمد أويحيى، وحركة مجتمع السلم “حمس” بقيادة أبو جرة سلطاني، وكذا التقرب من الإسلاميين لإنجاح مشروع المصالحة الوطنية، بما أنه محسوب على التيار الإسلامي داخل جبهة التحرير الوطني.

ذهنية بوتفليقة لا تعترف بالأصدقاء والمقربين كما يشاع، بل بمن يكمل مسار آل بوتفليقة في الحكم، ولا يهم الضحية بلخادم أو غيره، من بذل العطاء لخدمته أو ارتكب الجرم في سبيل ذلك


بدايات السقوط


وبدأت متاعب بلخادم مع ميلاد حركة التقويم والتأصيل بقيادة صالح قوجيل ثم عبدالكريم عبادة في العام 2011، فاستطاعت أن تطيح به من هرم الحزب في نهاية العام 2012، لكن التطورات أفلتت منها ومن بلخادم، لصالح عمار سعداني، الذي تبوأ قيادة الحزب الحاكم بإيعاز من رجل الظل، سعيد بوتفليقة، في أغسطس 2013 بالرغم من المعارضة الشديدة لجناح آخر يقوده عبدالرحمن بلعياط.

ومع هشاشة وضع سعداني على رأس جبهة التحرير الوطني، واستمرار ضغط الأجنحة المناوئة، بالرغم من التأييد غير المعلن له من طرف الشقيق والمستشار سعيد بوتفليقة. حاول بلخادم العودة إلى قيادة الحزب مجندا أنصاره في القاعدة، وطامعا في دعم من مراكز القرار في الرئاسة، إلا أن السيناريو الذي تعرض له في اجتماع اللجنة المركزية في حزيران الماضي بفندق الأوراسي بالعاصمة، رغم يافطة “وزير الدولة والمستشار الرئاسي”، يكون قد تأكد له مذّاك، أنه لم يعد مرغوبا فيه، لا سيما وأنه منذ تنصيبه في فبراير 2014في المنصب المذكور، لم يكلف بأي مهمة رسمية من طرف بوتفليقة، عكس زميله وغريمه، أحمد أويحيى.

بلخادم الذي صار يعيش بطالة سياسية مقنّعة، لم يبد تحمسا للعهدة الرابعة لبوتفليقة، رغم أنه كان من أوائل المنخرطين فيها، وأبدى امتعاضا من “ولي نعمته”، كما لم يتوان في كشف طموحه لخلافته في قصر المرادية، وهو ربما أبرز الأخطاء التي رمت به من النافذة، حسب العديد من المتتبعين، الذين يرون أن “عصبة بوتفليقة لن تترك السلطة سواء بالرئيس الحالي أو بالشخص الذي تختاره بنفسها، ولا مكان لمن يريد التغريد خارج السرب".


ما جنته عليه تهمة "الإسلامي"


وتقول مصادر مطلعة إن عيون المستشار سعيد بوتفليقة، رفعت له تقريرا حول ممارسات سجلوها على بلخادم، جاء فيها “ربط بلخادم اتصالات مع علي بلحاج نائب رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلّة”، ومجرد التلميح لهذه الرواية يعني أن مؤسسة الرئاسة ما زالت تنظر إلى بلخادم على أنه “إسلامي”، ويعتقد أن تسريب مثل هذه المعطيات تعني أن النافذين في الرئاسية عابوا على بلخادم، قربه من التيار الإسلامي ولقاءاته المتكررة بقادتهم، آخرهم رئيس حركة مجتمع السلم الإخوانية، عبدالرزاق مقري، الذي قاد وفدا من حركة حماس الفلسطينية إلى مكتب بلخادم بمقر الرئاسة.

ويبدو أن هذا الاستقبال أحرج الحكومة الجزائرية التي باتت ترفض في الآونة الأخيرة أن تتهم بالاقتراب من حماس، لا سيما في أعقاب التقارب الجزائري المصري الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ علاقة الدولتين.

كما أن البحث عن رواية “الإسلامي” تعيد إلى الأذهان غضب نافذين في المؤسسة العسكرية من بلخادم أثناء اللقاءات التي جمعته بمقر الحزب لمّا كان أمينا عاما بالهاشمي سحنوني، أحد مؤسسي الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلّة، ويومها بلخادم هو من وعد بعفو شامل عن مساجين الإرهاب. لكن جهاز المخابرات سارع لاحتواء الوضع وقطع الطريق أمام سحنوني الذي كان يرافقه حينها زرواي حمداش الذي يقود حاليا جبهة الصحوة الحرة غير المعتمدة. لكن آخر خرجات بلخادم هي التي أحرجت الرئاسة وفق ما أوردته مصادر مطلعة، حيث ظهرت صورته، وهو وزير الدولة والمستشار الرئاسي، رفقة أشرس معارضي بوتفليقة، وهم علي بن فليس وأحمد بن بيتور وسيد أحمد غزالي، ومولود حمروش، في الجامعة الصيفية التي نظمتها حركة التغيير الإسلامية.

عبدالعزيز بلخادم، كان من أبرز الداعمين لعودة الرئيس بوتفليقة من المنفى الاختياري، لقيادة البلاد في العام 1999، وشكل أحد أضلاع المشهد الجديد، الذي انتشله من المجهول وقفز به إلى الواجهة


رسالة بلخادم لبوتفليقة


ويقول مراقبون إن القرار يخفي توترا بين بوتفليقة وبلخادم لم يعد قابلا للرجوع إلى الخلف، حيث لم يعد يحتمل أي منهما الآخر، وقد يكون بلخادم عبّر عمّا يحز في نفسه من غضب تجاه الرئيس، بحضوره الجامعة الصيفية لحزب عبدالمجيد مناصرة، والتي حضرها جميع الوجوه المعارضة للرئيس بوتفليقة، وهي المناسبة التي شكلت فرصة للهجوم على الرئيس بوتفليقة وسياسته، ولعل أشدها ذلك الذي صدر على لسان بن فليس، عندما تساءل “عمن يحكم البلاد؟”، في إشارة إلى غياب الرئيس بوتفليقة عن دواليب الدولة، بسبب المرض.

ويضيف هؤلاء، أن غضب بلخادم من الرئيس، يكون قد تفجر منذ انعقاد دورة اللجنة المركزية للحزب، التي غادرها مهزوما رفقة أنصاره، بعدما منعوا من حضور الأشغال، بالرغم من تستره خلف منصبه كوزير دولة ومستشار بالرئاسة، لكن ذلك لم يشفع له العودة إلى هرم الجبهة، بعدما خذله قصر المرادية لصالح غريمه عمار سعداني.

ويرى متابعون أن بلخادم كان يدرك خطورة فعلته باجتماع الأوراسي، لكنه أراد أن يوجه رسالة للرئيس مفادها أن منصبه كوزير ومستشار، لا تعادل الجهود التي بذلها في حملة الرئاسيات الأخيرة، وأنه لم يجاز الجزاء الموفور مثلما كان يعتقد، مقارنة بغريمه أحمد أويحيى، الذي لم يقدم الكثير كي يعاد انتخاب بوتفليقة، غير أنه ومع ذلك حظي بمنصب لم يكن يحلم به، فضلا عن تكليفه بمهمة على قدر كبير من الأهمية، وهي إدارة المشاورات حول تعديل الدستور.

12