عبدالعزيز بوباكير كاتب جزائري يعرف الكبار ويكشف عوالمهم السرّية

بوباكير يجري الإسلام في دمه بخفاء. علماني وما هو بالعلماني بل تبرّكت العلمانية به، يساري وما هو بيساري بل تشبّه اليسار به. حداثي وما هو بحداثي بل تقمصته الحداثة.
الثلاثاء 2019/08/27
بوباكير: أتمنى ألا يتحول الحراك الشعبي إلى عراك

عند الساعة الباكرة ينهض الكاتب عبدالعزيز بوباكير وينصت. لقد كان في قلب الحراك. بجسد نحيل منهك بفعل الزمن والمرض والقلق، يتعمق بوباكير في مسارات حياته الثرية ليراها ساطعة ولامعة، يجترح لها تفاصيل صغيرة تغوص في زمن جزائري أثيري يعبر دمه المتفرق بين ربوع قبائل الكتابة والنص والترجمة.

ولد بوباكير يوم في العام 1957 وترعرع ودرس في جيجل إحدى مدن السواحل الجزائرية، وغادرها إلى الجزائر حيث تلقى تعليمه العالي في جامعات الجزائر، ثم طار إلى بطرسبورغ بروسيا أين عمّق معارفه واحتك مباشرة بمختلف الأفكار والفلسفات والآداب الروسية وأصبح من أهم أعلام هذه الثقافة واللغة الروسيتين، ثم عاد إلى الجزائر وعمل رئيسا لدائرة السمعي البصري بمعهد علوم الإعلام والاتصال ومديرا لمعهد التعليم المكثف للغات بجامعة الجزائر، وقد أدخل كما يقول عندما استلم مهامه فيها على “مناهج التعليم: اللّغات التركيّة والروسيّة والإيطالية والعبريّة”.

ألغاز وخفايا

كانت لبوباكير جولة مهمة في الصحافة أين رأس تحرير “الخبر الأسبوعي”، ومجلة “معالم” التابعة للمجلس الأعلى للغة العربية.

كتاب يرصد أهم المحطات في حياة الرئيس المعزول عبدالعزيز بوتفليقة
كتاب يرصد أهم المحطات في حياة الرئيس المعزول عبدالعزيز بوتفليقة

وهو اليوم متفرّغ للكتابة والبحث والترجمة، وقد نشر العديد من الكتب تراوحت بين الترجمة والتأليف والتحقيق منها بوجه الخصوص “الأدب الجزائري في مرآة استشراقية”، “الجزائر في عيون الآخر”، و”الجزائر في الاستشراق الروسي”، و”مذكرات الشاذلي بن جديد”. كما ترجم عن الروسية “الانتيليجنتسيا في بلدان المغرب”، و”أفكار ونزعات فلاديمير ماكسيمنكو”، و”جيش الثورة الجزائرية يوري كوندراتييف” و”النخبة الجزائرية في مطلع القرن العشرين” وغيرها.

ولعل أهم كتاب صدر له حاليا كتاب “رجل القدر”، وهو كتاب يرصد أهم المحطات في حياة الرئيس المعزول عبدالعزيز بوتفليقة، وقد أثار هذا الكتاب ضجة قبل نشره حين هدد وزير الدفاع الأسبق خالد نزار الذي صدرت بحقه مؤخرا مذكرة توقيف، باللجوء إلى القضاء لوقف نشره، والسبب ورود فقرة في الكتاب يقول فيها الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد إنه ندم على تعيين نزار وزيرا للدفاع في تسعينات القرن الماضي.

في حياته أزمنة معقدة ومتحللة من الثبات والركون للجاهز، زمنه زمن خاص ورمزي، مولع بالسفر في الكتابة التي سبر ألغازها وخفاياها، تمنحه الطاقة والقدرة والقوة على البقاء والوجود والحضور الممكن على أرض واسعة تتراقص بين أقلامه ودفاتره، وعندما يفرج عن مكامنها يلجأ إلى لغات أخرى لينقلها بسلاسة إلى القارئ، يعرف شوارعها وأزقّتها ودروبها الصعبة، ويمتحن جسدها ويطوعه بين يديه ليس بالمبضع كما يفعل غيره بل يكثر الريش عليها كي لا تجرح أو تصاب بالنزيف.

من يعرفه يقول إنه حاد وجاد ولطيف بطبعه تكاد لا تسمع همسه أو تحسّ بلفتته، وحين تلمحه وهو يمر عليك، وإن لم يكن سمعك وبصرك قويين، فلن يكون بمقدورك الإنصات إلى وقع أقدامه وهي تدعس التربة والحصى والغبار، ولن ترى طيفه وهو يتطاير بجناحيه كأنه لا ينتمي فقط إلى هنا بل إلى هناك حيث النور والأنوار.

نذر عقله لبياض الورقة وهي تتلطّخ بمداد يطلقه كنهر يتدفق بجواهر المعرفة والثقافة والعلم والدين والتاريخ والجغرافيا والحوادث والوقائع التي تناثرت في ذاكرة الأمم والشعوب، يقدمها لك صافية وواضحة ومفتولة ومصقولة بمهارة من أخرج معانيها ودلالتها وعناوينها ومقاصدها ومراميها ومشتقاتها وأصولها من الصعب والمحال، ولتكون كالآية أقرب لديك وفي مطبخ عقلك يضفي عليها نكهة سلسلة من التحليل والاختصار والتدقيق والوصل والفصل. فبين يديه يُفـرَّق كل أمر مستعص ومعلومة وخبر ورأي وموقف، يتقصى ويستقصيه من متاهات الماضي كي تدق باب الحاضر ويمرّ إلى ساحة المستقبل.

مصاحبة التاريخ

[ بوتفليقة، حسبما يصفه بوباكير، كان قدريا تماهى مع نابليون، وكان صاحب “معرفة عميقة بدقائق سيرة الإمبراطور الفرنسي وخبايا نفسيته”.
بوتفليقة، حسبما يصفه بوباكير، كان قدريا تماهى مع نابليون، وكان صاحب "معرفة عميقة بدقائق سيرة الإمبراطور الفرنسي وخبايا نفسيته"

عندما نقول إنه مسلم فما هو بمسلم بل يجري الإسلام في دمه بخفاء. علماني وما هو بالعلماني بل تبرّكت العلمانية به.. وطني وما هو بوطني بل هو وطن وحده، يساري وما هو بيساري بل تشبّه اليسار به. حداثي وما هو بحداثي بل تقمّصته الحداثة. عابر بين لغات وما هو بعابرها بل مقيم فيها.. سياسي وما هو بسياسي بل تأتيه السياسة ويترفّع عنها. ممزوج بها كلها كأنها واحد متعدد، أو كأنها متعدد في واحد.

جالس بوباكير الكل واستفرد بهمته العظماء، كتب حياتهم بجرأة، وفك تعازيم وتعاويذ خوفهم وقلقهم من الحقائق والرقائق والدقائق المتخفية بين الطيات والإشارات واللمحات والتعابير والتفاصيل. وضمن مناخ من رقابة متخفّية ظلت تراقب وتترصد ما يفعله بهؤلاء وما يلقونه إليه من وقائع لفّت تاريخهم وعبقت بروائح الحقيقة، مارس لعبة الكر والفر مع تلك العيون بدهاء ومكر وحيلة وحكمة، وأخرج من الباب المشرّع الواسع للنشر مقالات وكتبا متفرّدة في السير والعبر والنوادر، فمن الأمير عبدالقادر إلى أحمد شوقي إلى حيدر حيدر إلى أدباء ومثقفي الروس إلى ماركس إلى بن جديد إلى بوتفليقة.

بوباكير سيصير مقاتلا وقنّاصا وسفاحا مولعا بالتحدي والصيد
بوباكير سيصير مقاتلا وقنّاصا وسفاحا مولعا بالتحدي والصيد

ظل يسردهم ويكشف ما بهم من قوة وضعف وفرح وسعادة وحزن وما كان يشغل بالهم وقلوبهم. وكيف كانوا من قبل ومن بعد؟ كيف تربوا ولعبوا الكرة والدومينو والورق والتنس والغميضة ولهو الأطفال؟ كيف نهضوا؟ وكيف سقطوا؟ ما يفرحهم وما يحزنهم؟ ماذا كان يعذّبهم ويسليهم؟ بطولاتهم وصراعاتهم في معارك العيش والسوق والسماء والأرض. معارك الوهم والبقاء. كيف هي حميمياتهم والعائلة؟ هل يضحكون ويبتسمون؟ يبكون أم على قلوبهم أقفال من حديد وصلب؟

معه عرفنا أن ماركس جاء إلى الجزائر “حرّاق”، ونكتشف أن ماركس كان “يكتب رسائله، إلى أصدقائه، من الجزائر، ويوقّعها باسم موريسكي”، ومكث بالجزائر لمدة “اثنين وسبعين يوما، متعبا ومنطويا”، وذلك عملا بـ”بنصيحة الأطباء، وصديقه فريدريك إنجلز، على أن مناخ الجزائر هو الأنسب من أجل تحسن صحته المتدهورة”، وعمد بالجزائر إلى “حلق لحيته وشعره اللذين اشتهرا بهما”، وكتب ذلك في رسالة لصديقه إنجلز قال فيها “يوم جمعة، 28 أبريل 1882، وبسبب الشمس تخلصت من لحيتي الشبيهة بلحية نبيّ ومن شعري، ولمّا كانت بناتي تفضلنني بها، فقد أخذت صورا قبل أن أضحي بشعري على مذبح حلاق جزائري”.

وعن بن جديد يروي بوباكير أنه كان بسيطا رؤوفا بالأهل والعباد، ولم يكن هذا الأخير يهوى العمل الفلاحي في أراضي والديه، وقضى طفولته وجزءا كبيرا من مراهقته في مدن عنابة ودارال وموندوفي، وفقد مع مرور الوقت ارتباطه بالريف، وأن الرئاسة “فرضت عليه فرضا”. ينقل عنه “أنا عسكري وكفى، أطبّق التعليمات ولم أسع إلى الرئاسة”.

بوتفليقة، كان حسب وصف بوباكير، قدريا تماهى مع نابليون، وكان صاحب “معرفة عميقة بدقائق سيرة الإمبراطور الفرنسي وخبايا نفسيته”، وأنه “معجب ومنبهر بشخصيته (نابليون) ومصيره الاستثنائي”، وهناك “تشابه يكاد يكون مدهشا بين نابليون وبوتفليقة”، فكلاهما “منحدر من أصول متواضعة، وتوافرت لهما ظروف مواتية دفعتهما إلى أعلى مراقي الشهرة والنجاح”، وكلاهما “مفعم بالاعتداد بالنفس وسعة الخيال وطاقة النشاط الفياض والطموح العارم”.

ومثلما عاد نابليون من مصر إلى بلده فرنسا في ثوب المنقذ، رجع بوتفليقة إلى الجزائر، بعدما قطع الصحراء كما يقال لمدة دامت عشرين عاما، عاد ليخلّص الجزائر من الدمار والقتل والإرهاب، وقد آمن بوتفليقة دائما بأنه “رجل قدر بالنسبة للجزائر، مثلما كان يقول نابليون عن نفسه”.

واكب بوباكير وأحاط بهذه النثرات والقصص والروايات، بعضها مبثوث بلغات أخرى في الرسائل والمخطوطات والرحلات والمذكرات والمجاميع والموسوعات. صاغ بعضها وطرزها مباشرة من الأفواه والعيون والكلام والوجوه، وبقدر ما كانوا أمناء معه في الحكي والخيال، في الفنتازيا والواقع، في التاريخ والأسطورة والخرافة، كان هو مؤتمنا عليهم وأمينا لديهم يحفظ أسرارهم ودررهم ومحبّتهم له.

في داخل الحراك

الحراك الشعبي الجزائري يروق لبوباكير ويروق هو للحراك، فهو كما يقول عنه “ميلاد أمة”، و”ثورة ناعمة، ناعمة”، وقد “أسقط ألقابا في غير موضعها (فخامة، سيادة، معالي..) وعوّضها بخاوة خاوة”
الحراك الشعبي الجزائري يروق لبوباكير ويروق هو للحراك، فهو كما يقول عنه “ميلاد أمة”، و”ثورة ناعمة، ناعمة”، وقد “أسقط ألقابا في غير موضعها (فخامة، سيادة، معالي..) وعوّضها بخاوة خاوة”

يروق الحراك لبوباكير ويروق هو للحراك، فهو كما يقول عنه “ميلاد أمة”، و”ثورة ناعمة، ناعمة”، وقد “أسقط ألقابا في غير موضعها (فخامة، سيادة، معالي..) وعوّضها بخاوة خاوة”، وأثبت الحراك “أن العلم ليس منديلا يخفى في جيب”، وتمنى إن شاء الله أن يبقى “حراك من دون عراك”.

هكذا هو الحراك في بعض أفكاره، فاجأه مثلما فاجأ أكثر الغاضبين لأنه كشف ما آل إليه الوطن وما كانت العصابة تقوم به.. يسير في الشوارع مع الجماهير يرافقهم في لحظة حرّية غابت وكادت أن تمّحي في المجاهيل والنكران واليأس. ينزلق في أتون نارها، ويذيع رؤاه حول ما يحدث في لقطات يعرضها. يختصرها في جمل بديعة تضرب كالسهم في السهم، وعطفا على المصير والمستقبل، يضع قلبه وعقله في الحروف، والأسطر، وفي المعاني التي تقاربها أو تلك التي تعاديها، ويتوحّش على الذي ينحرف، ويتعنتر، ويريد أن يتطفّل، وينفرد ويسرق الوهج والنور والضوء من الأيادي والحناجر المقاتلة دون سلاح ونار وحديد، يُضَمّنها بتلك الشذرات الفيسبوكية ولقاءاته المتعددة وبثروته وثرائه وإثرائه حتى تبقى مسالك الحراك تهفو وتشدو بريح طيّبة لا تعكر صفوها ريح نكرة قد تفسد اللحظة وتدخلها في الوهم السعيد والفوضى الأبدية.

يقول “تعبت من السير في الحراك” وهو المعتل والنحيف والخافت ولكن عقله، وروحه لا تمل ولا تكل من الركض والمشي والسير والجذب في مقامات الحضرة والنفس الطويل لهؤلاء الذين لم يفقدوا رغبة الركض والمشي والسير حتى النصر والفوز. أمانيهم من أمنياتي وأحلامهم من أحلامي ـ يقول عبدالعزيزـ، ثم يتلمّس ركضه ومشيه وسيره بالقوة والفعل والكلمة.

مواجهة بين كاتب وجنرال

في حياة بوباكير أزمنة معقدة ومتحللة من الثبات والركون للجاهز
في حياة بوباكير أزمنة معقدة ومتحللة من الثبات والركون للجاهز

لم يكن الكاتب بوباكير ينتظر ليرى نفسه يوما ما في مواجهة جنرال عتيد وقاهر لم يعد لديه ما يفعله في نهاية مشواره سوى التحرش بهذا الأخير.. حيث وضع نفسه في فوهة بركان يغلي ويثور ويستشيط اسمه الإنسان بوباكير. فما الذي أودى و”خبطت في راس” الجنرال المتقاعد ليشهر سلاح غروره وعنجهيته أمام غرور ونرجسية كاتب وأيّ كاتب؟

سيتوه الجنرال في متاهة عبدالعزيز حيث لا خروج سالما من حروب الكلمة الحرة والحرف الصارخ والعقل المتنوّر، وبخلاف ما يتوقعه الجنرال المدوخ من كتاب بسيط هز عرشه المخملي الوفير المحمي بسلاح النفوذ والتهديد والوعد والوعيد، يقول بوباكير “الجنرال لم يقرأ بعد حرفا واحدا منه حتى لا أقول جزءا، وبالتالي يمكن وصف ما يقوم به بأنه فعل غبي. أعتقد أن الهاجس الذي يقض مضجع الجنرال خالد نزار هو خوفه الكبير من احتواء الكتاب على شهادات أو تصريحات لمسؤولين تنتقده وتنتقد أداءه عندما كان يسيطر على مفاصل الدولة ويؤثر في القرار السياسي. فنزار يعتقد أنه هو من أنقذ الجمهورية، ويرفض تماما أي نقد يخص دوره في توقيف المسار الانتخابي سنة 1992، أو ما قام به خلال مظاهرات أكتوبر 1988. أعتقد أن الجزائر تعيش عصرا آخر غير الذي بقي راسخا في ذاكرة الجنرال نزار، لقد تلقيت عدة تهديدات منه في هذا الخصوص، والآن قرر أن ينفّذ تهديداته بشكل مباشر”.

سيصير بوباكير مقاتلا وقنّاصا وسفاحا مولعا بالتحدي والصيد، فوراءه الثقة والإيمان وجيوب فاضية وفضفاضة، ومتكئا على جدار صلب وصاحب أكتاف عريضة ونفوذ شفاف وسط حراك لا يعرف عن الجنرال شيئا سوى أنه لم يعد له من يراسله، وعنده في الاحتياط جنود مجندة لا قبل للجنرال بهم.

13