عبدالفتاح السيسي الرمز الشعبي للجمهورية الثالثة

الأحد 2014/06/08
السيسي يعيد إنتاج هوية مصر من جديد

القاهرة - لم تتشكل الأسطورة الشعبية حول المشير عبدالفتاح السيسي عند إعلان لجنة الانتخابات الرئاسية فوزه الكاسح بمنصب رئيس الجمهورية فحسب، بل بدأت صورة البطل الشعبي، المستعادة تاريخيا، تتشكل في لحظة شديدة الخطر بدا فيها الوطن المصري كله على حافة التاريخ، ولم تكن صورة السيسي فيها إلا مسيحا يتمدد علي مذبحه من أجل رسالة تضوّعها وطنية ليس من المستغرب أن تأتي من صحراء الجند موضع الثقة ومحط الاعتبار.


تحولات الثورة الشعبية


منذ انطلاق ثورة الثلاثين من يونيو والآمال معقودة على ذلك البطل الذي تحول بشعار الثورة ” عيش حرية عدالة اجتماعية ” إلى حقيقة يلمسها الناس بأصابعهم كحلم يمشي على الأرض، ولم يكن غريبا تنامي هذا الشعور بعد التداعيات التي خلفتها ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011. فخلال شهور قلائل من انطلاقها تحولت الثورة الغضة، بفعل ثعالب الاستعمار القديم وأذرعه ومخالبه، إلي ورطة شعبية بامتياز. الأجندات أقامت في الميادين بديلا عن الشعب، وأجهزة الاستخبارات الأجنبية وجدت من يطلب أجر العازف الذي صم آذان الناس بصراخ غير مفهوم، والشهداء ماتوا من أجل شعارات صدقوها ووثقوا فيها غير أن آخرين أقاموا حفلات الدموع ليحصل أحياء على ثمن الدم النبيل، أما المراهقة الثورية فقد كانت ملعبا للاختراقات بعد أن بدأت كملعب للغباء السياسي والاحتفاء المفرط بمقولة فارغة من المعنى: الثورة بلا رأس ويجب أن تبقي بلا رأس، رفضوا تشكيل أحزابهم في إطار رفضهم الأشمل أن تتحوّل الثورة إلى دولة، أما جماعات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها “الإخوان المسلمون” فقد صدقوا أسطورتهم الخرقاء عن أستاذية العالم بعد أن وجدوا من يغذي هذا الحلم معتقدين أنهم يمتلكون حقيقة العالم وجوهره.

من هنا جاء موقفهم الإقصائي منزوع الوطنية ومنزوع الإدراك السياسي، وكانت القوات المسلحة في ذلك مركزا قوميا مهتزا بعد أن لعبت كافة القوى ضده بالتحالفات الغبية أحيانا والمغرضة أحيانا أخرى، وكان لزاما على الجيش أن يتراجع خطوة إلى الخلف بل خطوات، عبر العديد من محاولات الاحتواء والقفز على أزمات تتجه بالوطن إلى أقصى درجات الاستقطاب؛ كطريق للاحتراب الأهلي ثم إنفاذ مخططات التقسيم؛ التي كشفت غطاءها بسفور تحسد عليه.


الدولة في أيدٍ أمينة


في التوقيت ذاته كان عبدالفتاح السيسي أمينا على عقل وزارة الدفاع حيث كان يتصدر جهازها الأمني القوي “المخابرات الحربية ” الذي تولاه في العام 2010، حيث نهض بأدوار مزدوجة بعد تهاوي جهاز أمن الدولة المنوط به حماية الأمن الداخلي، من هنا نشأت علاقته المباشرة بالعديد من رموز العمل الوطني من كافة الاتجاهات، ثم أصبح همزة الوصل بين القوى السياسية وبين المجلس الأعلى للقوات المسلحة، غير أن ثمة مخططات ظاهرة وباطنة كانت تسعى بدأب لإقصاء الجيش المصري من المشهد تحت شعارات أخذت مصداقيتها من إساءات نظام مبارك لمصر على مدار ثلاثين عاما أو يزيد، لكن الهدف الحقيقي الذي كشفت عنه الوقائع القريبة هو إخلاء الساحة لإنفاذ أجندات غير معلومة، لاسيما وأن الجميع كان يعلم أن انحياز الجيش لإرادة الشعب كان يعني بالضرورة قناعته بالتحول الديمقراطي الكامل وهو ما تبدى في قبوله حكم محمد مرسي رغم اللغط الذي شاب نتائج الانتخابات والتزوير الفاضح الذي ارتكبته جماعته.

المعارضون الليبراليون روجوا أن الثورة بلا رأس ويجب أن تبقى بلا رأس، ورفضوا تشكيل أحزابهم في إطار رفضهم الأشمل أن تتحول الثورة إلى دولة

وهو أمر مازال حتى يومنا موضع تحقيق قضائي ربما كشف عن مفاجآت مذهلة، وقد كان الهدف المركزي لهؤلاء هو التخلص من الجيش بالجملة، باعتباره الجائزة الكبرى التي أشارت إليها مخططات التقسيم التي وضعها برنارد لويس والمنشورة منذ عام 1986.


سنة إعادة ترتيب الأوراق


تبلورت صورة عبدالفتاح السيسي في ظل مناخ ملتبس انتهى الجزء الأكبر من لغطه في الثلاثين من يونيو عام 2012 بتولي محمد مرسي حكم مصر، حيث عاد الجيش خطوات إلى الوراء مكنته من استعادة وتنظيم صفوفه وإعادة تقييم كامل المرحلة، وقد بدأت صورة السيسي تتمركز بعمق في قلب المشهد المصري اعتبارا من الثاني عشر من أغسطس 2012 بعد أن توافق المجلس الأعلى للقوات المسلحة مع محمد مرسي على إقالة وزير الدفاع المشير حسين طنطاوي ورئيس الأركان سامي عنان، وذلك كجزء من تجديد صورة الجيش في الشارع المصري وإجلاء الكثير من الغبار الذي اعتلاها بفعل اتهامه بارتكاب العديد من أعمال العنف في أحداث مجلس الوزراء ومحمد محمود وماسبيرو في قلب القاهرة، ثم أكدت الأحداث براءة رجاله من كل هذه الاتهامات.

صعود السيسي إلى منصب وزير الدفاع ومعه الفريق صدقي صبحي رئيسا للأركان في أغسطس آب 2012 كان نقطة الضوء التي ظهرت في نهاية النفق، ففي الوقت الذي اعتقد فيه الإخوان المسلمون أن السيسي أصبح واحدا من كوادرهم كان الرجل يعمل على إعادة تنظيم الصفوف الداخلية لجيشه واستعادة قوته التدريبية والتسليحية التي أصيبت بعطب كبير جراء وجود الجيش بالشارع لمده تجاوزت العامين ونصف العام آنذاك، في الوقت نفسه كان الآداء السياسي لمرسي وجماعته يؤكد في كل يوم أن ثمة خطأ سيأتي في النهاية برقبة الإخوان تحت مقصلة الشعب.

فى هذه اللحظة برز دور السيسي وبدا قابضا على المبادئ العليا التي أرستها تقاليد العسكرية المصرية، والتي تتجسد في أن الجيش لن يكون أبدا إلا في صفوف الشعب، ولن يكون عصا غليظة في يد الحاكم أيا كان حتى لو كان القابع في سدة الحكم واحدا من ضباطه، وهو الدرس الذي لم يكن لدى جماعة الإخوان القدرة على تصديقه أو هضمه.

كان من نتيجة التناقضات اليومية بين آداء السلطة واحتياجات الشعب أن تبلور موقف الجيش الذي يمثله قائده العام أفضل تمثيل، فدرجة التوازن والوعي والوطنية التي ميزت بيانات القوات المسلحة في توقيتات دقيقة وحرجة كانت تعلي من قيمة موقف المؤسسة العسكرية مقابل تآكل شبه يومي في شعبية تنظيم الإخوان، لاسيما بعد أن تجذرت في الذهنية العامة الصورة الإقصائية لسياسة الجماعة لكل من تحالفوا معها وأوصلوها إلى كرسي الحكم.

يطرح السيسي مفهوما جديدا للأمن القومي بدأ يتشكل لكسر حلقة التبعية ودعم الاستقلال الوطني ليصبح من الأولويات العاجلة

لم تكف القدرة العسكرية منذ ذلك التاريخ عن تعضيد وجودها اليومي في الشارع المصري بالمعنيين السياسي والأمني، وكان تدخل الجيش في محاولة نزع فتيل الأزمة السياسية المتفاقمة بين الرئيس وجماعته من ناحية وكافة القوي السياسية من ناحية أخري، سببا في تنامي السخط داخل الجماعة على القوات المسلحة، التي رأت في ذلك افتئاتا على دورها، بالإضافة إلى أن الأحداث دفعت صورة السيسي إلى الواجهة كمخلص فرضه ظرف سياسي صعب، لاسيما مع نجاحه في ترميم صورة القوات المسلحة في وقت قياسي ربما لا يتعدى الخمسة أشهر.


"تمرد" من أجل الانضباط


كان يوم 28 أبريل- نيسان من العام 2013 يوما فارقا، حيث أعلنت مجموعة من شباب مصر تأسيسها حركة “تمرد ” التي يعتقد على نطاق واسع أنها كانت مدعومة من الجيش وجهاز المخابرات، وتنامت مطالب الجماهير بضرورة إجراء انتخابات رئاسية مبكرة وتعديل دستور2012 حتى يكون ضامنا لمدنية الدولة، وكذلك إقالة حكومة رئيس الوزراء الأسبق هشام قنديل، وكان القائد العام عبدالفتاح السيسي في ذلك ناصحا أمينا لنظام الحكم، وقد دعا الجيش في أكثر من بيان رسمي إلى ضرورة جلوس الرئيس إلى القوى السياسية لنزع فتيل الأزمة المتفاقمة، في ذلك الوقت كانت حركة تمرد تعلن تزايد أعداد المصريين الموقعين على بيانها حتى تجاوز الموقعون 22 مليون مصري، ما دفع السيسي إلى توجيه إنذار شديد اللهجة في الثاني والعشرين من يونيو من العام الماضي إلى مؤسسة الرئاسة يطلب منها حتمية حل الأزمة تجنبا لتداعيات خطيرة قد تدفع القوات المسلحة إلى التدخل حماية للإرادة الشعبية.

غير أن الرفض كان سيد الموقف، وعزز هذا المناخ الإقصائي خروج ملايين المصريين إلى الميادين العامة في الثلاثين من يونيو ما دعا السيسي مرة أخرى إلى توجيه بيان أخير في الأول من يوليو مدته ثمان وأربعون ساعة لحل الأزمة السياسية بالبلاد، لكن مؤسسة الرئاسة قللت من أهمية الإنذار ورفض مرسي جميع الحلول السياسية للأزمة، وفي مساء الثالث من يوليو وبحضور القوى السياسية المصرية والقيادات الدينية أعلن السيسي عن خارطة المستقبل والإطاحة بالرئيس الإخواني، وهي لحظة اعتبرها ملايين المصريين، الذين ساندا خارطة المستقبل، واحدة من أقسى لحظات دولتهم المهددة بالضياع والتفكك.

جماعات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها "الإخوان المسلمون" صدقوا أسطورتهم عن أستاذية العالم بعد أن وجدوا من يغذي هذا الحلم، ومن هنا جاء موقفهم الإقصائي منزوع الوطنية ومنزوع الإدراك السياسي

كان السيسي هو بطل المشهد بامتياز، اعتبرته الجماهير مغامرا خالص الوطنية، ومن ثمة فقد تجسدت فيه ملامح البطل الشعبي الذي أتت به الجماهير إلى سدة الحكم، لاسيما بعد الفشل الذريع الذي صاحب خطى القوى السياسية المدنية والتي كان يمثلها في الحكومة الانتقالية الدكتور محمد البرادعي، حيث قدم استقالة مسببة بعد نحو شهر من تاريخ تقلده منصبه احتجاجا على ما قال إنه معالجة خاطئة للتعامل من بؤرتي رابعة والنهضة وفض اعتصاميهما المسلّحين، بالإضافة إلى التحول الذي طرأ على موقف بعض الجماعات الراديكالية غير المؤثرة، والموقف الدولي الذي شهد تعقيدات بالغة.

كل ذلك عزز مطلب المصريين لرجل يعدونه امتيازا من امتيازات العسكرية المصرية وقائدا يضاف إلى رصيد أبطالهم التاريخيين، وهو ما يعني في نظرهم ضرورة انتقاله من قائد يقف على رأس المؤسسة العسكرية إلى قائد يرتدي لباسا رئاسيا مدنيا وليس أقل من ذلك.


خلع البدلة العسكرية


وإنفاذا للإرادة الشعبية قدم الرئيس المنتخب عبدالفتاح السيسي استقالته كقائد عام للقوات المسلحة في السادس والعشرين من مارس الماضي معلنا استجابته لرغبة الشعب ترشحه للمنصب الرئاسي، وبذلك ودع السيسي بزته العسكرية التي ارتداها للمرة الأولى في العام 1970، وعند فتح باب الترشح هب مؤيدوه إلى تحرير توكيلاته الانتخابية حيث بلغت رقما مذهلا، ففي الوقت الذي كان مطلوبا منه 25 ألف توكيل لاستيفاء أوراق ترشحه استطاع أن يقدم للجنة الانتخابات الرئاسية أكثر من 188 ألف توكيل، ربما كانت هذه أولى المؤشرات غير الرسمية لصورة السيسي لدى العامة، وهي الصورة التي تعززت بإعلانه الخطوط العريضة لبرنامجه الانتخابي، حيث تجاوز كونه تصورا يضمن سيرورة عجلة الدولة لأربع سنوات قادمة هي فترة رئاسته؛ بل بدا البرنامج تصورا مستقبليا أوسع مدى، حيث طرح رؤى شديدة التماسك حول دور مصر الإقليمي والعربي والدولي، خاصة فيما يتعلق بالتبعية الاقتصادية والسياسية للغرب والولايات المتحدة، ما رسخ في الأذهان أن ثمة صياغة جديدة تتخلق حول مفهوم الأمن القومي المصري.

علاوة على ربطه كسر حلقة التبعية بنمو المعرفة العلمية في مجلات التصنيع والتعليم والطب وكافة القضايا الخدمية ذات الطابع العام، فضلا عن أطروحات شديدة الطموح حول توسع الدولة عبر عدد هائل من مشروعات التنمية مثل مشروع الوادي الموازي أو ممر التنمية الذي طرحه الدكتور فاروق الباز عالم الفضاء المعروف، وقد بدت في الأفق ملامح تكوينات قوة إقليمية تتشكل بفعل الموقف المصري متجاوزة أجندات التقسيم العرقي والإثني التي حلم بها الغرب طيلة الأعوام الماضية، وهذا ما عزز إجماعا محليا ودوليا على أن ثورة الثلاثين من يونيو لم تكن فقط المسمار الأخير في نعش سايكس بيكو الجديدة بل هي المسمار الأخير في نعش الإسلام السياسي كذلك.

على هذا الأساس لم يكن غريبا أن يخرج صوت الجماهير هادرا بكل هذه الحشود المليونية وبنسبة صاعقة تجاوزت 97 بالمئة ليصنع أسطورة شعبية كبرى للجمهورية الثالثة تحمل اسم عبدالفتاح السيسي.

7