عبدالفتاح بن حمودة شاعر يستلهم الوردة

الأحد 2014/08/17
الصورة الفنية في هذا الكتاب هي اليأس الجميل الوحيد الذي يأمل فيه الشاعر

عبد الفتاح بن حمودة شاعر تونسي من مواليد 1971 من مؤسسي نقابة كتاب تونس وعضو جمعية الصحافة الدولية، ويعد من رواد قصيدة النثر التونسية. بلغ نتاجه الشعري ذروة نضوجه في السنوات الأخيرة مع «أجراس الوردة» و«الملكة التي تحبّها العصافير» و«الفراشات ليلا» و«عندما أنظر في المرآة» و«نزولا عند رغبة المطر». صدر له أخيرا كتاب “حركات الوردة تأملات شعرية”، حيث يصل فيه الشّاعر إلى أعلى مراحل الكتابة، ونحن نراه عبر هذه التأمّلات يتحكّم في أفكاره وينحت عالما مختلفا يمزج فيه بين الشعر والنثر بشاعرية عالية.

مثل متفجّراتٍ ملفوفةٍ بورق سوليفان، يكتبُ الشاعر التّونسيّ عبد الفتّاح بن حمّودة تأمّلاته الشّعريّة في كتابه الأخير «حركات الوردة» موثّقًا ما انتهى إليه من قيم تأمليّة جرّاء كتابة الشّعر لعقود، فيُعيدُنا إلى حلاوة الغموض الكامنة في عمق التأمّل.

مع حلاوة الغموض نعود إلى الوظيفة التي ترافق الشّعر في كتابة الوجود ومحوه، في كتابة ذات الشّاعر ومحوها. وفي هذا الكتاب يبتعد الشّاعر عن الكتابة التّجاريّة التي تنتصر لثقافة الحشود، ويعود من خلال النثر إلى أنقى حالات الشّعر إطلاقًا: مغامرة التأمل وفلسفة الغموض. وهو بذلك، عن قصد ودون قصد، يُعيدُ إلى الشّعر عفّته وشرفه رافعًا إيّاه درجات على كلّ الأجناس الأدبيّة الأخرى.

بعنادِ الباحث عن الحتميّات في ماضي الشّعر وحاضره، يجد الشّاعر ضالّته في الوردة وحركاتها، وينحت عالمه بأدوات ملحمية: الطّبيعة والوجود والموجودات، وعبرها فقط، يصنع لغته الخاصّة التي تصنع عالما من «احتمالات شعريّة مشرعة على المجد، فعل انفتاح على كلّ شيء، على الأشياء الحميميّة، على الأشياء البسيطة التي ندوس عليها، ولا ننتبه إلى جنونها، التسابيح والأحلام، الرياح والأمطار، الشاعر الكلب الخائن الجبان الكذاب، أصابعه المغمّسة في الدّم، معركة الشمس والبحر، الضحكات العمياء لآنية زهر في الصباح.. كلّها أمتعة تنام في الإكسير، في الحقول الممغنطة، في إنجازات الوردة تحديدا، في كل شيء ينام في صباحات مدهوسة، في أجراس وردة، في مرآة مشروخة بانتظام ولا تفكّر في شيء. في ليل فاحش مليء بفراشات غبية، في رغبة أمطار جذلى». يلتزم الشّاعر هنا فطريًا بالشّعر ويتعدّى معضلة الثيمة والموضوعة فارًّا إلى قيمة التّعبير. لا شيء يهمّ في النهاية سوى قيمة التّعبير. إنّه يحتفل بجُرح الذّات المتفتّحة والطاعنة في السّن، في سعيٍ نحو توثيق غموض التّعبير، كأن يقول: «خلقت العالم ثم غفوت وحيدًا فيما يُنسى».

أو «الوردة سحق أشجار الغابة غريزيًا، واحدة واحدة، أحلام صغيرة وكبيرة، أصل وهامش، عندما تعرج على النّجوم تُضاء. هي سرّ الإناء القديم المرتجف في برد الصباحات. الوردة غريزة».

في هذه الجمل غموض عالٍ، على نحوٍ يثير القارئ. هو غموضٌ لا ينفصل عن التجربة الجماليّة الشعرية للشاعر. وفي هذا الكتاب، الذي يعجّ بالجماليّة الشعريّة، يتحاورُ عبدالفتّاح بن حمودة مع ذنوبه عبر الوردة، فكرةً وجسدًا، ويمنحها مكانةً سمية، تصل إلى غموض المعنى والتعبير، أصفى حالات الرؤية الشاملة للكَون ومكوّناته. فيصبح الغموضُ إعادة اعتبار للمعنى.


التأمل والشعر

ينقسم الكتاب إلى أبواب مرتبة، نذكر منها: الوردة المجروحة بالإثم -الكتابة بالأمتعة- ما انتهت إليه الحداثة- كتابة الأرض بالأسماك- كتابة الأرض بالأطفال- كتابة القرون القادمة- إشراقات الوردة- إقامة البرتقال- وردة الخوف- الخطايا- الجميل النائم- أشجار بحرية لصباحاتها- هي بلا ألوان والشاعر يضحك- الوردة لا مرئيًّاـ صباحات الوردة العاملة في البحرـ صلاة أكتوبرـ نجمة أكتوبرـ خاتم الوردةـ عودة الينابيع.

أكثر ما يبرز حضور التأمل بكثافة في كتاب 'حركات الوردة' هو كثافة الحساسية تجاه المرئيّ، وتحويله إلى غموض

يعمَل الشاّعر في هذه التأملات على فتح تمرينات لغويّة وفكريّة تبتعد إلى حدّ كبير عن تصوّرات القارئ، وتجنح إلى توسيع فكرة الشّاعر عبر تفكيك الحواسّ، والتقويض البصريّ، والاستشعار بالفلسفة. فالتأمّل هو حركة يعتاد الشّعراء ممارستها على طول سيرهم الشّعريّة. فهو مجاز لرؤية الشّاعر، وهو هامشٌ لا بدّ منه، ولا بدّ أن يتحوّل (قبل كتابة الشّعر وبعدها) إلى مركز بصيرة الشّاعر.

أكثر ما يبرز حضور التأمل بكثافة في كتاب “حركات الوردة” هو كثافة الحساسيّة تجاه المرئيّ، وتحويله إلى غموض مطلق غارق في الفلسفة. فيحمّل الشّاعر الوردة كلّ آثامه وفلسفته وتأمّلاته، لتتحوّل الوردة إلى أمواج محمّلة برواسب الشّاعر القابعة في قاعه. حيث تتحول الوردة في نظره إلى فجر «الوردة فجر جديد، وكلّ جديد في يدي قديم»، وإلى وضوح ذابح «غموض الوردة وضوحها الذّابح. تنفّس الماء والبساطة الجميلة في تركيبها الخفيّ، البحر والأبديّة: كلمتان تعيشان طوال قرون في عراء تام، في خواء سافر.. واو العطف هي الشمس أيّها الأغبياء!».


أسطرة الوجود

قد يبدو للقارئ العادي أنّ ثمّة حالة غيبوبة لغويّة في هذا الكتاب. لكنّ القارئ بعين ثاقبة، وببصيرة حداثيّة، يُدرك أن هذه الحمولة الميتافيزيقيّة لهذه الكتابة، ما هي إلاّ قراءة أو إعادة قراءة وإنتاج للعالَم عبر الشّعر، هي موازنة بين التفكير والتعبير الشعريين، تحدّد مصير الشاعر دلاليًا، عبر أسطرة الوجود. وبهذا يصير الشّاعر نبيًا بلا نبوّة. وبمعجمه الذي يتردّد عبر هذا الكتاب: البحر والأرض والبروق والماء والجبال والشمس والصباح والغبار، أي كلّ شيءٍ قديم قِدم العالَم، يُجدّد الشّاعر أفكاره وعلاقته المشروخة مع الخارج.

في الطّبيعة وتحوّلاتها وتشكّلاتها يجد الشّاعر ضالّته، ويكتبُ سيرته المموّهة في متاهات الوردة وتسمياتها. لعلّ هذا الجنوح المتطرّف في دخول متاهة اللغة وثرثرتها جزء من أجندة الشاعر، ليحكي فيها سيرة الألم والإثم والجرح، سيرةً لولبيّة يرثي فيها الشّاعر ذاتًا مكلومة. لا نستطيع أن نحدّد ألما بعينه، لكنّ السّطور تبرهن حالة الخذلان من الخارج عند الشّاعر، وارتداد الخذلان إلى اللغة، سلاح الشاعر الوحيد، التي تتحوّل بحدّ ذاتها إلى هدف وفكرة، إلى حدّ يدعو للضّجر أحيانًا، ضجر لذيذ، ضجر يثبتُ ثقافة عالية تصبح معه الصّورة الفنية في هذا الكتاب اليأس الجميل الوحيد الذي يأمل فيه الشّاعر.

يؤنسن الشاعر الوردة، ويؤلهها، ويصل بها إلى طبقات رحيبة من المعنى


رؤى الشاعر

لا يمكننا أن نرى في هذا الكتاب إلا تمرينات لغويّة تنتصرُ للمعنى الميتافيزيقيّ للشّعر والكتابة الشّعريّة، وتضعها في برج عاجي. هذه التمرينات تفنّد نظام الكتابة الواحدة، ونظام اللغة الواحدة. فالشاعر ينفرد بتعريف الأشياء، محدّدا معالم التفكير الشعريّ وتمثيله عبر الرؤية. لا شيء متروك على حاله، لكلّ شيء وظيفة ولكل شيء جزئيّاته: الصّوت: أفاعيل الليل الأزرق فيه. الضّحكة: عماء الشاعر على تلال النهار. الرقصة : أشجار اللوز البيضاء تتحابّ مصلوبة في أعماقه. اللغة: وحلٌ مضيء وشمس قديمة تتفتّح في الغبار. النهار: ليل أبيض له شفاه كثيرة. الوردة: لذّةٌ لا عقاب لها. الشجرة: أسنان ظامئة.

يؤنسن الشاعر الوردة، ويؤلّهها، ويصل بها إلى طبقات رحيبة من المعنى، وتتّسع مساحات اللغة لتتحلّل الوردة إلى عوامل عضوّية: «تولد الوردة فيما تموت في وردة أخرى»، «للوردة وردة أخرى هي الوردة»، «تنفينا الوردة ولا ملجأ لنا إلا هي»، «الوردة فاتحة لكتاب الجسد»، «ربما لا ماء خارج النار، تقول الوردة» كثيرة هي العبارات التي تحدد معالم رؤية الشاعر لهذا الكون عبر الوردة.


أطلس الوردة

لا يترك بن حمودة من معجَم الشّعر شيئًا إلا وحمله أداة حفرٍ، ولا يقفل من النصوص إلاّ بقفلٍ بوابّات كبيرة عصيّ على القارئ البسيط فتحها، فيصل إلى أشد حالات التعقيد في علاقته مع الكَون ومع المحسوسات في النصوص القصيرة أمثال: «أمطارها» و«قامات صغيرة» و«أطلس الوردة» و«أشجار بحرية لصباحاتها».

إنّه بهذا يسجّل موقفًا ويوثّق رؤية الشّاعر الاستعلائيّ الثائر على الفيزيقي والمعيش والمحسوس. تحويل كلّ ملموس محسوس إلى أفكار موغلة في زهدها وسموّها. ارتفاعٌ وارتقاء بجمال الموجودات إلى سموّ الموجودات.

مثل دندنات الفلاّح الصّامتة، يتعلّم القارئ صلاةَ الشّاعر وتعبّده، الشاعر بردائه القديم قِدَم العالَم. أعتقد أن كتاب «حركات الوردة»، ليس كتابًا مهدى إلى الجميع ومن أجل الجميع. فهو أبعد ما يكون عن تصنيف الكتاب المقروء بنفس سهولة تداول اسمه. هو أكثر النّصوص النثرية إيغالا في الشّعر، وأكثر النصوص إنصافًا للوردة، التي حَملَت بحركاتها انزياحات العالَم وعناصره، ودخلت في جدليّات الذّات وانفصاماتها وتشكّلاتها واتّساخاتها وانتفاءاتها عن الداخل والخارج على حدّ سواء، تمامًا مثل هذا الكَون الغارق في تحوّلاته على الدّوام.

15