عبدالفتاح كيليطو: أتكلم جميع اللغات لكن بالعربية

الأحد 2014/02/09
كيليطو ينتصر لصاحب "اللسان المفلوق" الذي يتحدث أكثر من لغة

من يقرأ عملا نقديا للكاتب المغربي عبد الفتاح كيليطو هو كمن يتمادى في قراءة قصة أو رواية، أو من يتفانى في الإنصات إلى حكاية، فيراها رأي العين، يتماهى مع أحداثها وشخوصها وفضاءاتها، أشكالا وظلالا وألوانا، ويفتتن بها افتتانا، فيعشقها، “والأذن تعشق قبل العين أحيانا”.

منذ كتابه “الأدب والغرابة”، الصادر سنة 1982، الذي تعود أصوله إلى مقال زاخر، نشر في العدد 38 من مجلة “الشعرية” الفرنسية، سنة 1979، منذ ذلك الحين، وإلى اليوم، ظل كيليطو يحكي حكايات، حكايات نقدية، من خلال دراساته الأدبية الشيقة، أو حكايات أدبية رائقة، من خلال رواياته وقصصه القصيرة. فحتى وهو يكتب نقدا، كان كيليطو يقلبه سردا، وهو يتخذ من النصوص الأدبية والنقدية التي يدرسها ذريعة، لكي يحكي حكاية. مع ذلك، وبعد أكثر من ثلاثة عقود من الاشتغال النقدي المتواصل والمتفرد، فإن كيليطو لم يكتب لنا سيرته، يوما ما، رغم افتتانه بالسرد والحكي. هذه المرة فعلها كيليطو في كتابه الأخير “أتكلم جميع اللغات، لكن بالعربية”، الصادر عن دار النشر الفرنسية “آكت سيد”، ضمن سلسلة “سندباد”، لتظهر الترجمة العربية التي أنجزها عبد السلام بنعبد العالي، بعد أيام من ذلك، وصدرت عن دار توبقال” بالدار البيضاء.


لسان كيليطو


في الفصل الخامس، يعود بنا كيليطو إلى عنوان الكتاب “أتكلم جيمع اللغات، لكن بالعربية”، حيث يتأسف لأنه ليس صاحب هذه القولة الجميلة، فهي، كما يقول “اقتباس معدل لمقطع من يوميات كافكا، الذي يورد هو بدوره قول فنانة من براغ: “أترون، إنني أتكلم اللغات جميعها، لكن بالييدتش”. لا يتحدث كيليطو عن استعارة العنوان، بل عن الاقتباس، الذي هو أقرب إلى الانتحال.

وقد سبق لكيليطو في كتابه “أبو العلاء المعري أو متاهات القول” أن توقف عند عبارة إليوت الشهيرة: “الشاعر الرديء يستعير، أما الشاعر الجيد فيسرق”. ذلك الذي كان يسميه العرب القدامى “الشاعر المفلق”.

على أن كيليطو، إذ “يقتبس" هذا العنوان من يوميات كافكا، التي نشرها صديقه ماكس برود بعد وفاته، فقد سبق له أن استعار عنوان “الغائب” من رواية لكافكا تحمل الاسم نفسه. الآن، وبعد “الغائب”، يأتي العنوان بضمير المتكلم “أتكلم جميع اللغات…”، ليحدثنا كيليطو، ولأول مرة، عن نفسه.

في الفصل الأول من الكتاب، يعود بنا كيليطو إلى عوالم كتابه “لسان آدم”، حيث يستحضر ما جاء في “رسالة الغفران” للمعري من أن العربية هي اللغة الأولى، اللغة الأم، و”أمّ اللغات”، وأن آدم إنما كان يتكلم العربية في الجنة، فلما وقع في الخطيئة، ونزل إلى الأرض، نسي العربية فأخذ يتكلم “السريانية”، حيث كان نسيان اللغة الأصلية بمثابة عقاب للإنسان الأول، وحيث أنه “لا تغيير للمكان من دون عقاب”. هذا ما يصدق على عرب اليوم، وعلى المغاربيين بشكل خاص، يقول كيليطو، ذلك أن كثيرا من العرب “يمكنهم أن يتعرفوا على أنفسهم في قصة آدم. فهم بكيفية أو بأخرى، تعلموا لغة أجنبية، (فنسوا) لغتهم”.

عبدالفتاح كيليطو يخوض رحلة لغوية


الطفل عبدالفتاح


بعدها، يشرع كيليطو في سرد سيرته، سيرة لسانه تحديدا “السيرة اللغوية”. يعود بنا كيليطو إلى بداية الخمسينات، قبل زوال الاستعمار الفرنسي سنة 1956، وأما المكان فهو العاصمة الرباط، في قلب المدينة التاريخية العتيقة، حيث يقيم الطفل عبدالفتاح في بيت أسرته، وقد شارف على السابعة من عمره. لم يكن الطفل يعرف غير العربية، حين أشرقت الشمس ذات صباح، كما لم تشرق من قبل، وأخذ الأب بيد ابنه عبد الفتاح نحو المدرسة، خارج أسوار المدينة العتيقة. نحو المدينة الجديدة، ونحو المدرسة “الاستعمارية”.

من الفضاء الأليف، فضاء البيت والحي والمدينة القديمة، إلى الفضاء الأجنبي الجديد، يخوض الطفل عبدالفتاح رحلة لغوية من الشفاهي إلى المكتوب، حيث فرضت الفرنسية نفسها على الطفل، كلغة لا تنفصل عن الكتابة.

وكذلك الحال بالنسبة إلى الفصحى، التي شرع الطفل في دراستها، وقد ظلت مقصورة على المدرسة، وعلى الكتاب، ولا يمكن التحدث بها في الشارع، في الحياة العامة، وإلا فإن الاستهزاء والسخرية مصير من يجرؤ على ذلك.

هكذا صار الطفل عبد الفتاح كيليطو، وإلى اليوم، يتحدث الدارجة، بينما يكتب بالعربية الفصحى، كما بالفرنسية، يقرأ ويكتب لغة الأدب، الفرنسية والعربية، حريصا كل لحظة على أن لا يخطئ، في تصريف أو تركيب لغوي.

وهذا ما لا يحدث معه، ولا مع غيره، عندما يتكلم الدارجة، لأنه على يقين من أنه لن يأتي خطأ حين يتحدث بها. إنها لغة فطرية، كما يقول كيليطو، مقتربا من نظرية تشومسكي، في أصل اللغة وتشكلها عند الطفل، لغة يتلقاها الطفل دفعة واحدة، أما مع العربية الفصحى، أو الفرنسية، فهو يظل يتعلمها باستمرار، ويظل يستعملها بحذر دائم، لأنه عرضة للخطأ دائما، هذا الخطأ الذي يرتبط بالخطيئة، خطيئة من ينتقل إلى لغة أخرى، فينسى لغته.

في “لسان آدم”، وهو الكتاب الذي ألقاه كيليطو دروسا ومحاضرات في “الكوليج دو فرانس″ سنة 1990، ونال به جائزة الأكاديمية الفرنسية، عقب صدروه في سنة 1995، يتحدث كيليطو عن لسان آدم الذي تذوق الفاكهة المحرمة، فكان العقاب هو الخروج من الجنة.

يجمع المفسرون العرب لقصة بدء الخلق، وأطوار مغادرة الجنة، على إسناد دور للحية التي أغوت حواء وآدم، وأذاقتهما الفاكهة المحرمة، مع أن الآيات التي تحدثت عن الواقعة إنما نسبت عملية الإغواء للشيطان.

والنتيجة هي أن اللعنة قد تمكنت من الجميع، الحية وآدم وحواء، فصار لسان الحية مشقوقا، وصار لسان الإنسان مشقوقا ومفلوقا أيضا، صار اللسان مزدوجا، وتلك هي “لعنة بابل”، بلغة أخرى، اللعنة التي لحقت البابليين، حينما حاولوا بناء برج ناطح للسماء، ظنا منهم أنهم سوف يرقون إلى الله في الأعالي، فكان أن عاقبهم بأن “بلبل ألسنتهم”، فلم يعودوا قادرين على التواصل في ما بينهم فتفرقوا في الأرض، بعدما تفرقت بهم الألسن والسبل.


اللسان المشطور


في الفصل الثاني من كتابه الجديد، يتحدث كيليطو عن “اللسان المفلوق”، وهي “عبارة تدل في لهجة الهنود الحمر على الكذب والنفاق وازدواجية اللسان”، على أن المعنيّ بهذه العبارة عندهم هو الرجل الأبيض، وعلى من لا يتكلم لغة واحدة، بل أكثر من لغة.

وينتصر كيليطو لصاحب اللسان المفلوق، الذي يتحدث أكثر من لغة، متسائلا عن كيف يمكن لمن يدرس الأدب، ولمن يحيا على هذه الرض، أصلا، أن ينطق بلغة واحدة. يستحضر كيليطو من سيرته العلمية قصة حضوره مناقشة رسالة جامعية حول الشعر المغربي، اقتصر فيها صاحبها على الشعراء ممكن يكتبون بالعربية، فقط، وكيف عم الصمت القاعة حينما سأل كيليطو الطالب الباحث عن مصير الشعراء المغاربة الذين يكتبون بالفرنسية، وكيف طردهم من أطروحته.

وعلى خلاف العرب القدامى، الذين لم يكونوا في حاجة إلى تعلم لغة أخرى، ربما لأن حضارتهم كانت غالبة مكتفية بذاتها، كما جاء في كتاب كيليطو السابق، والمماثل لهذا الكتاب، هو كتابه “لن تتكلم لغتي”، على خلاف ذلك، يرى كيليطو أنه لا يمكن للباحث العربي، اليوم، أن يدرس الأدب العربي إلا في مقابل أدب آخر، هو الأدب الغربي، كما هو شأن كيليطو نفسه، والذي يبقى واحدا من الكتّاب القلة الذين كتبوا أعمالهم النقدية والتخييلية بلغتين، وبلسان مزدوج، بالعربية والفرنسية معا. أما إذا كتب الكتاب بإحدى اللغتين، فإنه يتهرب من أن يقوم هو بترجمته، يقينا منه أنه سوف يلجأ، أثناء الترجمة، إلى كتابة نص آخر في الغالب.
في الفصل الأخير من الكتاب، سيعتني كيليطو بقراءة أعمال مغاربية، لكل من العروي والصفريوي والمؤدب وعمران المالح وعبد الكبير الخطيبي، وهي أعمال كتبت باللغة الفرنسية، إنصافا لهذا المنجز الثقافي والأدبي من جهة، وتأكيدا على أن الكاتب المغربي، وهو يكتب بالعربية أو الفرنسية، أو بأية لغة أخرى، فهو إنما يفكر بلغته الأم، تلك اللغة “المتربصة”، التي تظل متربصة بالإنسان، عبر الزمان والمكان، أي أن الكاتب العربي، أيّ كاتب، قد يستطيع، كما هو شأن “كاتب مفلق”، مثل كيليطو، أن يتكلم جميع اللغات، ولكن بالعربية.

12